loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

وتزهر الحياة

breakLine

 

وتزهر الحياة

إشراق النهدي / كاتبة عمانية

 

يعرض التلفزيون أغانٍ متواصلة. صور تظهر ثم تتلاشى؛ كما تتلاشى الثواني التي تلحق بعضها البعض فتصبح سنوات ثم عمر، وهي عمرها واقف على نفس السنة؛ أواخر 2017م. وينسل لسمعها صوت المغنّي: "عطشان يا برق السماء، بموت من طول الغياب، بموت من كثر الضمى، وأنا على متن السحاب". تنصب كلمات الأغنية في سمعها، وهي تجفف شعرها الحريري الذي يكسوه تموجات تشبه تلك المسترسلة على سطح بحر عميق. ورغم هدوئها المتمكن إلا أن الأغنية أثارتها؛ فشعرت بوخزة ملتهبة خدشت ذاكرتها. بربكة ورعشة عدلت حرارة السيشوار ليتناسب مع وقع ذكرياتها الحارقة، وهي ساهية في الكلمات التي أُهديت لها ذات مرة بعيدة كالخيال، خيال مطل على ذكرى موصدة بأبوابٍ من وجع وبنوافذٍ من ألم.
تتراءى صورتها في المرآة قبالتها؛ وجهها الفتي منعكس بثبات، لم تزدد تجعيدة واحدة من وقتها. ولم يمسسها ترهل جسدي قط. بينما روحها مليئة بتجاويف متراخية. ثمة شعيرات بيضاء غريبة ظهرت في حاجبيها ومقدمة رأسها، تقتلعها لها نورا بملقاط حديدي كلما زارت صالونها التجميلي، وهي تضحك قائلة: "بعدين نفر فكر أنتِ عجوز، هههه". بينما في صالة بيتهم ما تفتأ تسمع صدى صديقات والدتها تثرثرن: "زوجي بنتش المطلقة، لا تعجّز ومعد تقدر تجيب عيال بعدين". ترتعد أوصالها كلما قُذفت هذه التعليقات المروعة على مسمعها، ولكنها ماهرة في حَبك ردات فعلٍ لامبالية، فتتنهد بابتسامةٍ متجاهلة.
تمشط شعرها بقسوة، تحاول خلع ذاكرتها، فتغرز أسنان السيشوار بعنف ولكن حرارته تشعل بشرة رقبتها، بينما صوت ماجد المهندس الصاعد من التلفزيون حقن قلبها باللهيب، استفاقت من غرقها في الماضي على دمعات لافحة.
"خللى المغطي حسيين " تذكرت والدتها الصامدة الأبية؛ وهي تلقي هذا المثل على حدثْ طلاقها، كلما سألتها عن سبب فراقها من والدها.
كانت قد صادفته بالأمس في المطار برفقة زوجته التي تلبس النقاب، عيناها تظهر فاتنة ببهاء الكحل والشدو الدخاني، عدة خواتم برّاقة مشعة تُلألأ أصابعها النحيلة المحددة بأظافر حمراء. رأتها أجمل امرأة رغم الغيرة التي ألتهمت فؤادها. شعرت وكأن الكون خُلق من أجلهما. يبدوان كعصفوري حب يرتعان من نهل الجمال والعشق. كل مضادات الكآبة التي تعاطتها خلال السنوات الفائتة فقدت فاعليتها. حلت محلها غصون شائكة تتسلق نحو شمسها الآفلة.
كانت قد أنهت مكياجها ولبست عباءتها. لم يضايقها شيء إلا مظهر يديها، آثار حبوب موزعة على كاملها واسوداد تحت أظافرها. تزينت بساعة كبيرة تلفت النظر إليها عدا الأساور التي احتلّت معصميها لتشتت الانتباه بعيدا عن هذه الآثار والبقع.
عانت حالة نفسية تحولت إلى مرض عضوي عصي على العلاج، إكزيما شديدة باغتتها بعد ما تركها مسلّم وتزوج. تصورت إن الحياة يمكنها أن تتوقف على ذكرى رجل، وفعلا توقفت ولم تتزوج. بعدها ذهبت لدكتور لتغير شكلها، ولكنه رفض أن يجري لها عملية تجميل قائلا: "ملامحك مزيانة، ومنجمش نصلحو شيء". ومرت بعدها على غيره، ولكنهم نصحوها بالفيلر ومرات أخرى ببوتكس وحقن نضارة أو بلازما فحسب. سعت أن تتغير جذريا ولكن سكنها الجمود. وعاد الصوت من جديد:" أصفق جناحي في هواك، مشتاقلك، ميت عليك، القلب من حرقة غلاك، وده بلا موعد يجيك". انبثقت الأغنية مرة أخرى في رأسها وتردد صداها، وتذكرت عندما سلمت لمسلّم قلبها على أوتارها، هذه الكلمات التي ما أنفك يهديها مرارا وتكرارا.
جاءت العاصمة لحضور اجتماع عمل، بعد أن ترقّت وأصبحت مديرة. اتكأت على العمل لتبدد فيه انكسارها، فبعد خيبة قلبها، لم تجرؤ على حب شخص آخر؛ خوفا من أن يتحول القزاع في حياتها إلى الأسود التام من اللون الرمادي الذي يزين أفقها الباهت الآن. مررت نظرها على السواد العالق في أظافرها تناولت محرم ورقي وحشرته تحُك اللحمة المندسة تحتها.
في نهاية الاجتماع توجه لها أحد المجتمعين قائلا: "صراحة أنا معجب، وحاب أطلب إيدك". فتحت فمها على مداه، وضحكت مستنكرة: "سعود ربي يهديك، أنت أخوي". ثم نفرت منه مغادرة.
في رحلة العودة لمدينتها؛ لمحت في المطار ممثلة مسرحية تعرفها؛ تلك السمراء السمينة صاحبة الأنف الكبير والشفتين البارزتين. وعلى نحو غريب لمحت مسلّم يقترب منها، ويناولها كوب شاي ويجلس بمحاذاتها. كانت هي زوجته من دون نقاب هذه المرة؛ عرفتها من خلال خواتمها المألوفة. ابتسمت وبدا قلبها يتراقص ببذخ، وهي تقول في نفسها: "الشيفة شيفة، والمعاني ضعيفة ".
تفكر في ثلاث أعوام مرت وشمسها مختبئة وراء الغيوم. وقمرها هلالٌ لا يرقى بدرا. نظرت برضى إلى يديها اللامعة وإلى أظافرها المتسخة بخلطة الفازلين ومسحوق الحبة السوداء مع الحلبة.
رسلت رسالة في الواتساب إلى سعود: "السلام عليكم، بأكلم والدتي عنك، متى تحب تزورنا؟".
رد عليها سعود في أقل من ثانية: "شوفيني شهد، أنا جالس وراش . حجزت في نفس الرحلة، اتفقت مع والدتش بأني جاي أخطبش".
التفتت شهد إلى الخلف، فشاهدت شابا وسيما لأول مرة منذ ثلاث سنوات، فتبسمت له بدلال.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي