loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

وهم

breakLine

 

 

وهم

 

سعد عودة - كاتب عراقي

 

 

كان الوحيد الذي يستطيع ان يدهس ظلهُ, لا اعرف كيف يفعلها لكن الكل شاهدهُ وهو يكبل ظلهُ بكلتا قدميه فيتمدد الظل جامدا بينما يستمر هو بالحركة وهذه لم تكن كرامتهُ الوحيدة بل انه كان قادرا على جعل العاقر تحبل بمجرد ان يمسد على بطنها رغم ان اهالي المدينة منعوا نسائهم من الاقتراب منهُ ظناً منهم انهُ يستطيع بطريقة او بأخرى ممارسة الجنس معهن بمجرد ان يمسد على بطونهن غير ان شكرية القحبة حلفت اغلظ الايمان انها رأت يدهُ تنزل وتمسد ما بين فخذي امرأة من نساء المدينة ورغم كل ما فعلوا بها لكنها لم تخبرهم باسم المرأة رغم ذلك فالجميع صدقها فالتفسير الوحيد لمثل هذه العملية انه كان يستطيع ان يقذف حيامنهُ من بين اصابعهِ وبسرعة هائلة تخترق معها الملابس لتستقر بالنهاية الى داخل الرحم, فلا بد ان تحمل حيامن هذا الشيطان من الذكاء وحسن التدبير ما يمكنّها من الوصول الى هناك وتلقيح كل البيوض الميتة, الرجل كان شيطانا لاشك في ذلك والشياطين يفعلون ايَّ شيء وهذا جعل حسيّن  يصرخ بأعلى صوتهِ 
- هذا يعني ان اعداد كبيرة من اطفال وشباب المدينة هم ابناء الشيطان ويجب التخلص منهم 
لم يوافقوا على رأي حسيّن, فلا احد يعرف من هنَّ النساء اللواتي مسد على بطونهن وبالتالي فأن التقصي عن هذا الامر سيحرج الجميع وهذا جعل القوم يتصايحون ويدعون الى قتلهِ, عندها صاح حسيّن بأعلى صوتهِ
- حسنا ...من سيقوم بقتلهِ....من منكم يجرؤ على ذلك
عندها صمت الجميع وهذا جعل حسيّن يبتسم ابتسامة خفيفة ويقف في مكان مميز ويتكلم بهدوء
- اسمعوني...لا يمكننا قتل الشيطان لكن بالتأكيد يمكننا ان نطردهُ من المدينة
- وكيف نفعل ذلك ...صرخ احد الحاضرين
- بالقرآن....الشياطين يخافون من القرآن, لذلك اقترح ان نعمل مهرجان لقراءة القرآن مقابل بيتهِ ....عندها سترون ما يحصل....
في المساء, نصبوا الكراسي ومكبرات الصوت ووضعوا منضدة صغيرة استقر عليها كتاب الله, خلفهُ المايك الذي يستخدمه شيخ الجامع, بقوا لساعتين وهم ينقلون الأغراض ويرتبون المجلس قبل ان يعلن حسيّن ابتداء الجلسة بسماع آيات من الذكر الحكيم يتلوها شيخ الجامع بصوتهِ الجميل وقابليتهِ الأدائية المميزة, حالما بدأ شيخ الجامع بقراءة آيات من سورة القيامة, خرج الشيطان وهو يرتدي رداء ابيضا ويضع على رأسه قبعة بيضاء مزركشة بزخارف متنوعة, تقدم بهدوء وهذا جعل الأنظار كلها تتحول نحوهُ, حتى شيخ الجامع بدى عليه الارتباك وهو يراقب الشيطان الذي جلس بهدوء في الصف الاول وبدى عليه خشوع غريب وهو يستمع الى كلام الله, عندما بدأ الشيخ يتلو (كلا إذا بلغت التراق) نزلت دموعهُ وبللت لحيتهُ البيضاء وهذا جعل شيخ الجامع يتوقف عن القراءة, يرفع كتاب الله بكلتا يديه ويقبلهُ ويحملهُ ويذهب...
لم يتحدث احدا عنه بعد هذه الحادثة, كانوا يلقبونهُ بالشيطان والان لا يعرفون ان كان شيطانا او ملاكا, رحمة من الرب او غضب, هل عليهم اتباعهُ او تجنبهُ, حسيّن الوحيد الذي مازال مصرا على انه شيطان رجيم وان ما حدث ليس اكثر من لعبة فدهاء الشياطين لا حدود له, الناس اكتفوا بالصمت قبل ان ينسوا الامر تماما، 
الشيء الذي يعرفهُ الجميع ان هذا الكائن كان موجودا هنا على الدوام, تمر سنوات دون يتذكرهُ احدا من الرجال وتبقى علاقته قائمة مع النساء, فبيتهُ لا يخلو في يوم ما منهن, يحقق لهن كل ما يطلبن منه, يجعل العاقر تحبل ويعيد العلاقات الزوجية الى وضعها الطبيعي عندما تشتعل المشاكل, يفتح ابواب الرزق امام اصحاب المهن البسيطة, ويخلّص الناس من المشاعر السلبية كلها, هذا يجعل المدينة تعيش بتناغم غريب ويجعل الوجوه مبتسمة على الدوام, لا فقر ولاجوع ولا خلافات ولا معارك في هذه المدينة رغم ذلك فمعظم  الرجال ينظرون اليه بالكثير من الشك والريبة ويشعرون ان التخلص منه سيقودهم الى واقع افضل, هو ببساطة يكبل مشاعر الجشع والانانية والحسد والكره والرغبة بقتل الاخرين وسحقهم والانسان يشتاق دائما الى هذه المشاعر بل انه يشعر دائما انه انسان ناقص وفاقد لمعنى الانسان....
حسيّن كان اكثر الحاقدين عليه, كان يكرههُ بطريقة مبالغ فيها, وهذا جعلهُ يحزم امتعتهُ ويذهب الى مركز المحافظة ليبلغ الجهات الامنية هناك ان هذا الكائن يخطط لانقلاب عسكري على الحكومة في تلك المنطقة وان مسلحين بأسلحة مختلفة يزورونه يوميا ولا يخرجون من بيته الا بعد منتصف الليل, هذه المعلومات وصلت بسرعة الى جهاز المخابرات التي قررت اعتقالهُ والتحقيق معهُ...
حسيّن كان يعرف ان لن يقول شيئا ولن يستطيع ان يدفع هذه التهم عنه وهذا سيقوده بشكل مباشر الى حبل المشنقة...
في اليوم التالي اكتظت المدينة بسيارات الشرطة والسيارات العسكرية التي طوقت البيت من كل الجوانب قبل ان تتجمع الناس لتشاهد ما الذي يجري, عندما فهم الجميع ان الشرطة حضرت لاعتقال ذلك الكائن انزوى الرجال بوجوه نصف مبتسمة بينما تجمعنَّ النسوة تقودهن أم حسيّن وتقدمنَّ للدفاع عنه, حسيّن عندما رأى أمهُ تقود جمع النساء, ركض نحوها وحاول ان يجرها بقوة لكنها دفعتهُ  وصرخت به
- ايها الغبي....افهم ....نحن كلنا مجرد وهم اوجدهُ كاتب هذه القصة  داخل رأسهِ, وهذا الوهم سيختفي بمجرد ان نسمح لهُ بمغادرة المدينة.