loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

يوسف فى الجُب

breakLine

يوسف فى الجُب

عبير درويش/ روائية و قاصة مصرية


تلوَّح دوماً لي..فى استهلالك علىَّ وفي نزوحك عني، على الدوام، في الرؤى، فى صورتك التى تعانى الوحدة، على أقصى جدار فى ذاكرتي، كزاوية حادة يبست على عظامك، كتعريجة أبت ألا تزول وتستعيد قامتك سيرتها الأولى، حين لم يتيسر لي رؤيتها رؤى العين..سردت لي من مآثرها الحكايا،ورويت عنها ما جعلك تستنهضها من جُب الخشوع الجبرى الذي ألقت بك فيه مهنتك الخشنة.
ما الذي جعلك مصلوباً أعلى درجاتها؟
تركع وتنحنى لتتبتل على زاوياها الرخامية بيديك وأزميلك القزم، تتحسس في انكفاءة مدى ملاستها، وتجتث المزيد من الشراذم الناتئة أعلى مسامها، أراك دوماً بطرف عينيك ترمقنى، كيلا أبتعد وإن تماديت فى فضولي لاكتشاف الجوار..تحدجني بنظرة ثابتة، ثم تستجمع نبرتك المتحشرجة لتقطع تمادي خطواتي..
_يا بربرة..أقفى جمبي.
أنتقي درجة قريبة أنهيت تشذيبها، أستند بكاحلي على من توليها العمل فأعبث بشعرك الفضى الهارب من على جبهتك فى رخاوة نقلتها لها عضلاتك المنسحبة من مضمار المقاومة، يضيء وجهك بابتسامة مطهمة بالسخرية..
_ ده كان زى سلوك الحرير وأصفر وعينيا خضرة.
أنتِ جميل بالفعل..بالغاية بالصورة..بالقلب ".
أفحص هيئتك المنحنية، أثقب شذرات الهواء بيني وبينك، أغمض عيني على صورتك يا يوسف، يا يوسف لطالما كانت أمنيتي في رجلٍ مثلك، يجتث من عمري باقات الألم المهداة، ويشذب شظايا الزمن من ذاكرتي.
كنت أستنكر أن تحصل على مثلك تلك العجوز المتشنجة، قاسية القلب والملامح، كيف يا يوسف تحتمل رفقتها، وتهاب وجودها، كيف تشتاقها حين ارتحلت لتعتمر، كيف بكيت عليها حين لاحت صورتها أمامك على التلفاز فى عرفات؟
_دي عشرة عمري..سترى وغطايا، وهى اللى خلفت لى الرجالة، وخلفت أمك اللى جابتك يا بت الكلب.
إنها قاسية يا يوسف، لم تنل من طيبتك وشمائلك الحلوة أي نصيب، أتذكر حين أمرتني أن أشترى "الجاز" وتناثر على جسدى من خفته فى الإناء، وجسدي الصغير تحمم به، ومن فرط رعبي منها، جلست على طوار الأسفلت أنتظرك حتى تآكل جلدي، لم أعِ كيف كسرت زاوية ظهرك وانحنيت تلتقطني، حين لاذ وجهى بصدرك، سمعت طقطقة عظامك وأنت مطبق الفم على ألمك..لم أعِ بعدها إلا وأنا فى فراشك تلقمني قطع الباستيلا الخضراء بحبيبات السكر وطعم النعناع القوى يلسع حلقى فتلمع عيناي بدموع الشكوى من الجميع، فتربت بحب وحرص على جزء لم يسقط عنه الجلد وأُسقط فى قبلاتك الصغيرة وتغدقنى رائحة المنتول القوية من معجون حلاقتك وحلقى المدغدغ بالسكر.
يوسف..حين مرضت لم تكن تأتيك الغفوة التى كنت ترتجيها إلا حين أقطن في زاويتك، وأداعب خصلاتك الفضية..أبحث عن شعرات سمراء..فلا أجد،كانت لعبتنا الجميلة، تترك أناملي تقتل رأسك بحثاً عن السواد المرتحل، طمعاً فى مكافأة نقدية.."تعريفة " لأحصل على التفاح الأخضر المغطى بالعسل، لأقضم العسل المكرمل من على حافتها، وأمنحك البقية خلسة، مع سيجارتين "فرط " تدخنهما فى الخفاء ؛لأنك ممنوع من معاقرة الدخان.
يوسف..دعني أعترف لك بأنى حين غفوت في صدرك كما اعتدت، وغلبني النعاس استفقت على صوت صدرك الذى كان ينازع خلجات لم أعيها، وجَبُنت أن أفتح عيني حين دخلت زوجتك، تظاهرت بالنوم، فحاولت زحزحتي عن زاويتك التى تصلبت على جسدى الهزيل فلم تفلح خشية إيقاظي ؛كي لا أعِ ما يحدث.
تظاهرت يا يوسف بالنوم، كما تظاهرت أنت بالقوة حين رفعتني عن طوار الشارع.
كنت أسترق السمع لصدرك فلم يأتنى بشيء، لا حشرجة ولا سعال..لا حركة بالمرة، أنا أيضاً لم أتحرك وأصابني التيبس مثل ظهرك البائس، لاذ ظهري بالخواء وتقوست داخل صدرك الخامد.
حين انتزعتني أمي من بينك رفعت يدك المنبسطة على ظهري، ووضعت وسادة بدلاً عني.
أنا تظاهرت بالنوم تماماً..كما تظاهرت أنت بالقامة الممدودة باستقامة.
تظاهرت يا يوسف بالجهل بما يحدث..حين تظاهرت أنت بالتواجد وأنت مرتحل.
تظاهرت يا يوسف بالصمود حين ألقوا بك في جُب..وتظاهرت أنت بالتدجين حين منحك الرب قوة لتتمرد.
أنت الآن فى الجُب يا يوسف لا تحتاج لظهرك مستقيما، ولا لسجائرك الخفية، ولا يتطلب الأمر منك تطويع درجات الغير..من هنا يا يوسف أكتب إليك بأنى أشتاقك ولم أرتو منك كما ينبغي يا جدي الحبيب ، من هنا ، من داخل جُب الحياة.

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي