loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

أزهار مايكوفسكي

breakLine

أزهار مايكوفسكي

ترجمة إبراهيم إستنبولي/ مترجم سوري

إنها واحدة من أرق القصص في حياة الشاعر الفذ فلاديمير مايكوفسكي - حدثت معه في باريس عندما أُغرِم في تاتيانا ياكوفليفا
لم يكن ثمة شيء مشترك بينهما. فهي مهاجرة روسية دقيقة ورقيقة جدًّا، تربّت وترعرت على محبّة بوشكين وتوتشيف، ولم تتمكن من تقبّل أو تذوّق كلمة واحدة من الأشعار القاسية والفظّة للشاعر السوفييتي الرائج والذي يشبه "كاسحة جليد" من بلا السوفيات...
بل إنها لم تستسغ ولا كلمة واحدة من كلماته حتى في الحياة الواقعية. فقد كان عدوانيًا وهائجًا، يقول ويفعل ما يريد بشكل مباشر وفج، ما كان يجعلها تخاف من عاطفته ومن شغفه الجامح. لم يحرّك فيها ساكنًا وفاؤه الكلبي لها، ولم تغرِها شهرته ومجده. بل بقي قلبها تجاهه لا مباليًا. ولذلك عاد مايوفسكي إلى موسكو بمفرده. وحيدًا.
لقد ترك ذلك الحب الفاشل الذي هبّ فيه وأحرقه على الفور دون أن يلقى استجابة، حزنًا عميقًا في أعماقه، وترك لنا قصيدة من روائع الشعر "رسالة إلى تاتيانا ياكوفليفا" مع كلمات: "بجميع الأحوال سوف آخذك ذات يوم - وحدَك أو مع باريس!".
وأما لها - فقد ترك أزهارًا. والأدق - الأزهار. إذ كان قد أودع فلاديمير مايكوفسكي كافة الأموال التي حصل عليها مقابل جولته الشعرية في أنحاء باريس، في أحد البنوك في حساب شركة باريسية متخصصة ببيع الأزهار مع شرط واحد وحيد - أن يرسلوا عدّة مرات أسبوعيًا باقة من أجمل وأفضل الأزهار فائقة الروعة إلى تاتيانا ياكوفليفا - أزهار الكوبية والبنفسج الأسود، أزهار الأقحوان والأوركيدا، وغير ذلك.. وقد نفذّت الشركة الباريسية المرموقة شروط الزبون الدسم بدقة - واعتبارًا من ذلك اليوم، وبغض النظر عن أحوال الطقس وعن فصل السنة، عامًا بعد آخر، كان يطرق الرُسل باب الشقة التي تسكن فيها تاتيانا ياكوفليفا وهم يحملون باقات الزهور الساحرة مع عبارة واحدة لم تتغير قط: "من مايكوفسكي".
توفي فلاديمير مايكوفسكي في عام 1930 - وقد هزّ نبأ مقتله كيان تاتيانا ياكوفليفا. كانت قد اعتادت على اقتحامه لحياتها بشكل منتظم، وكانت قد ألِفتْ أن تعرف أنه موجود في مكان ما وأنه يرسل لها باقات الزهور. لم يلتقيا، ولكن حقيقة وجود ذلك الإنسان الذي يعشقها ويحبّها إلى درجة كبيرة، كانت تترك أثرها على كل ما يحدث معها: مثلما أنّ القمر يمارس بهذا الشكل أو ذاك تأثيره على حميع الكائنات الحية على الأرض فقط لأنه يدور معها وحولها باستمرار.
لم تعد تعرف كيف ستعيش حياتها لاحقًا - من دون ذلك الحب العظيم والمجنون، والمتسرب إلى تلك الأزهار. بيدَ أن العقد الذي وقّعه الشاعر مع شركة الأزهار لم يتضمن أية إشارة او كلمة واحدة بشأن الموت. ولذلك في اليوم التالي بعد وفاته، جاء الساعي وهو يحمل باقة من الأزهار الرائعة ومع عبارة لم تتغير قط: "من مايكوفسكي".
يقال أنّ الحب العظيم أقوى من الموت، بيدَ أنه ليس كل شخص قادر على تجسيد تلك الفكرة على أرض الواقع. أما فلاديمير مايكوفسكي فقد نجح في تحقيق ذلك.
فقد استمروا في جلب باقة الورود لها في عام 1930، عندما توفي، وفي عام 1940 عندما بات منسيًّا. وفي سنوات الحرب العالمية الثانية، بعد أن احتلّ الألمان باريس، استطاعت تاتيانا أن تنجو لأنها راحت تبيع باقات الأزهار الغالية جدًّا في أحد منتزهات باريس. وإذ كانت كل زهرة بمثابة كلمة "أحبك"، فقد استطاعت كلماته أن تنقذها من الموت جوعًا. ثم حرر الحلفاء باريس. ثم راحت مع الآخرين تبكي من فرط سعادتها عندما دخلت القوات السوفييتية إلى برلين - ولكن باقات الورد ظلّت ترد إليها. راح الرسل الذين كانوا يحملون باقات الأزهار يكبرون أمام أعينها، فكان يحلّ محلهم فتيان جدد، وكان هؤلاء الجدد يدركون أنهم إنما يصبحون جزءًا من أسطورة عظيمة - جزءا صغيرا ولكنه حقيقي. وباتوا ينطقون العبارة الشهيرة كما لو أنها كلمة السر وهم يبتسمون كما لو أنهم متآمرون: "من مايكوفسكي".
لقد تحولت أزهار مايكوفسكي إلى حكاية باريسية. وهل كانت تلك حقيقة أم مختلقة بشكل رائع، إلّا أن المهندس السوفياتي أركادي ريفلين الذي كان قد سمع هذه الحكاية من والدته عندما كان صغيرًا - زار باريس..
كانت تاتيانا ياكوفليفا ما زالت على قيد الحياة، وقد وافقت على استقبال أحد مواطنيها بكل رحابة صدر. وقد تحدثا عن كلّ شيء بينما كانا يتناولان الفطيرة مع الشاي..
كانت الأزهار موجودة في كلِّ ركن من ذلك البيت الأنيق - كنوع من التكريم للأسطورة، ولم يجد لائقًا أن يسأل المرأة العجوز الشائبة والمتوجة ملكة عن مغامرتها العاطفية في شبابها. ولكنه لم يطق صبرًا فسألها: هل تلك حقيقة ما يتناقله الناس من أنّ أزهار مايكوفسكي أنقذتك أثناء الحرب؟ أم أنّها مجرّد حكاية جميلة مختلقة؟ هل يعقَل أن يستمروا في جلب باقات الأزهار كل تلك السنوات... بلا انقطاع!
- اشرب الشاي - أجابت تاتيانا - اشرب الشاي. فأنت على أية حال غير مستعجل... أليس كذلك؟
وفي هذه اللحظة رن جرس الباب...
لم يسبق له أن رأى في حياته مثل تلك الباقة المذهلة والفائقة الجمال من الأزهار، التي لم يكن يُرى من خلفها الفتى الذي يحملها... باقة من أزهار الأقحوان الياباني التي تشبه كتلًا من الشمس. ومن خلف تلك الرزمة الهائلة من الشموس المتوهجة، نطق صوت بنبرة ساحرة قائلًا:
"من مايكوفسكي".

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي