loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

سبينوزا .. النموذج البديل

breakLine
133 2020-09-10

سبينوزا .. النموذج البديل

ماكسيم روفير

ترجمة: أيوب هلالي / مغربي

وكالة نخيل عراقي / خاص

 

كان الفيلسوف الهولندي مركزاً تعارضه على النماذج الباردة للعقلانيين, في الرياضيات, وبالخصوص في لعبة القوى المؤثرة والفاعلة فينا وفي مقدمتها, الرغبة.
-من بين السمات البارزة للوباء الحالي (كوفيد-19), هو أنه حثّ بشكلٍ خارق للعادة على ضرورة الاستعانة بالنماذج, الأرقام والمنحنيات, عموما, بينما الأطباء منشغلون بجمع المعطيات, والحواسيب تضاعف عدد "النماذج", لا يتحدث السياسيون إلا عن الحد من ارتفاع المنحنى وانخفاضه, والإعلام أيضا بدوره لا ينفك عن عرض أرقام وإحصائيات للوضعية الوبائية التي يعيشها مجتمع ما, وذلك ليس إلا بغرض المقارنة بينهم, والغريب أن هذا التغير في سيرورة الأحداث أصبح بدوره معاشا يوميا, والعلاقة التي جمعتنا بالوباء أبدت اعتمادا ضخماً للنمذجة (وضع نماذج) التي تعتبر من بين العناصر الأساسية للعقلانية المعاصرة.
• التحول المتسارع
-هذه العقلانية تٌفهم باعتبارها نوعا من الثقة في قدرة العقل على ولوج الحقيقة, وهي مرتبطة أشد الارتباط في شخصه ديكارت (1650-1596), "أن تكون ديكارتيا" أو "أن تفكر بالمنهج الديكارتي"، هذا يعني أنه قبل الميل إلى رأي ما أو الخضوع لأي تأثيرات, يجب الاحتكام إلى الأدلة والبراهين المنطقية القوية والبحث عن الارتباطات السببية المكشوفة ورائها. منذ بزوغ القرن الحالي, ما فتئ العلماء والفلاسفة والآخرون بالرجوع إلى سبينوزا (1677-1632). هذا التغير في الرؤى الفلسفية هو إشارة تحولية عميقة لمدى تصورنا لمفهوم العقل. الوباء الحالي (كوفيد-19), أدركنا من خلاله وبشكل جلي على أنه لا يمكن بتاتا للحدود العقلانية (القديمة) أن تساير هذه التحول. لفهم كيف يمكن للعقلانية مابعد-الوباء أن تجد لنفسها الوسائل الضرورية لإعادة إحيائها عن طريق المبادئ "السبينوزية", يجب علينا في البدء إسقاط الضوء على المشاكل التي تقودنا إليها النمذجة والعقلانية الديكارتية. النمذجة هي في حد ذاتها نتيجة لعملية الترييض ((Mathématisation التأسيسي وهي حركة فكرية ذاع صيتها مابين القرنين 17-16م. وهي شبيهة بـ(الثورة العلمية), من بين مبادئها الأكثر بروزاً في الفكر, أنّ الرياضيات هي اللغة الحقيقية للعلوم بل الطبيعة ذاتها مكتوبة ومعبّر عنها باللغة رياضية كما قال غاليلي في مقدمة مؤلفه ''المجرِّب L’Essayeur'', مقارناً بين ملاحظاته الأرضية والفلكية وبين النتائج الحقة للحسابات الهندسة, غاليلي اقتنع بأن الفكر البشري توصل إلى الأفكار التي أدت إلى ظهور الكون, أو بالضبط إلى بروز الحروف الأبجدية للكون متمثلاً في ''نص'' بصيغة أن علم الرموز سيكون هو الفعل الإلهي.
استمر ديكارت على منهج الترييض متجهاً به إلى علم الجبر, الذي عن طريقه انزاح ولو بقليل عن فكرة الله تاركا المجال "لـلفكر البشري". خاصة أن ديكارت أسس منهجا فلسفيا يطلق عليه "التحليل" والذي يقوم على فكرة تقسيم المشاكل إلى وحدات صغيرة وتقليل من صعوبتها لحد أن نصبح فيه قادرين على وضع نماذج مبسطة يمكن للعقل إدراكها واستيعابها وأيضا تطبيقها. في مؤلفه "قواعد لتوجيه الفكر" أضاف ديكارت تغيراً لمقترحه استوحاه من كتاب "الأروجانون الجديد" للفيلسوف فرنسيس بيكون, أعطى منهج ديكارت ثماره بشكل سريع للغاية, لكن فجأة ظهرت بعض الظواهر عسيرة التفسير والفهم, فبدأ بيكون بالبرهان على أن الحرارة ما هي سوى تأثير حركي, ديكارت أثبت على أن قوس قزح هو ظاهرة تنتج عن طريق انكسار الأشعة الضوئية.... سبينوزا سيشارك أيضا في هذه الحركة وسيدرس بدوره الانفعالات البشرية تحت مَوشور النمذجة. منذ قرون كان لاستعمال النماذج الرياضية منفعة اجتماعية مهمة جداَ: الدراسات الإحصائية مثلاً, التي تطورت منذ القرن17م. وأسست أنظمة التأمين لحماية التجار من ضياع بضاعتهم في أيدي اللصوص والمحتالين, بل حتى بعدَ مرض الطاعون الذي أطاح بالعشرات في أمستردام سنة 1664, بدأ التفكير في الحسابات التي تسمح بإمكانية ضمان الحياة, فقام السياسي وعالم الرياضيات بامتياز الهولندي ''يوهان دي ويت'' (1672-1625) ببعض المحاولات في هذا الشأن باللجوء إلى حساب الاحتمالات والنتيجة هي ما نطلق عليه اليوم في فرنسا بـ''الأمن الاجتماعي'', وفي مايو سنة 1672 اغتيل ''دي ويت'' بعدما غزت فرنسا هولندا.
في ظل هذا الفيروس (كوفيد-19), أصبحت حدود النمذجة مرئية واضحة. لأن المفكرين المعاصرين أعادوا اكتشاف ما نبه إليه ديكارت منذ البداية: كل نمذجة هي غير مؤكدة, وهي تشبه إلى حد كبير "رواية أدبية" كما عبر عنها ديكارت نفسه, لأنها تنطوي إلى حد كبير على بساطة مفرطة, لكن من ناحية الأخرى, يمكننا أن ننشئ على الأشياء نوعاً من السيطرة مبنيٌ فقط على النماذج, هذا النوع من العقلانية تنتهي دائما بأن تتعامى على أهدافها, وتكون النتيجة في الأخير ضد البشرية نفسها. الفيلسوف تيودور أدورنو وهوركايمر قاموا بملاحظة ذلك سابقا, في مؤلفهم ''جدل التنوير'' سنة 1942, حيث أبانوا على أن العقلانية المعاصرة تم استبدالها بحسابات تقنية قادرة على تأسيس نظام شمولي وعلى إلحاق دمار شامل وضخم. العقلانية الصورية تقود البشر -بغض النظر على أن يكونوا مساقين وراء أيديولوجيات خيالية- إلى حالات وحشية وذلك لأنهم لا يبصرون إلا الأرقام.
- بالنسبة لديكارت, العقلانية الصورية كان لها دور واحد وهو تحرير المعرفة من وصاية الكنائس وحتى من جميع الاهتمامات الأخلاقية وهو ما أدى إلى إعطاء هامش من الحرية في الإبداع والبحث بجميع الميادين المعرفية, من علم التشريح إلى علم التنجيم. لكن منذ سنة 1660, سبينوزا و أصدقائه أدركوا مخاطر النمذجة الشكلية أو الصورية, ذلك أنهم اعتبروا أن العقل يمكن تصوره مبدئيا وقبل كل شيء, ليس عن طريق عمليات عقلية محضة, بل عن طريق صراع القوى والتي تفضي إلى انفعالات. العقلانية السبينوزية ظلت متعلقة بالتجريد: لهذا يتميز مؤلف ''الأخلاق'' لسبينوزا بتطبيقه المنهجية الرياضية في الفلسفة محاكياً منهج أقليدس في كتابه ''العناصر'', لكن العقل يُفترض وبشكل كامل اعتباره تعبيراً عن الرغبة. فما المقصود بالرغبة؟, إنها ميل أساسي في كل واحد منا ويزداد تعقيدا عندما يتم ربطه بالآخرين, وبالتالي فكل الكائنات الحية هي مُوجهة بحركية بحيث أن المتغيرات فيها هي الانفعالات وهذه الأخيرة هي ما نبحث عن عناصرها المتناسقة والتي ينجم عنها تلك العمليات الذهنية المسماة ''العقل''.
• المسارح مقفلة
لهذا المفهوم أي الرغبة نتائج رائدة, إلا أن مجتمعنا لم يعرف كيف يبصرها. أولاً, ما يعنيه هذا المفهوم هو أن العقل لا يصف الأشياء بشكل موضوعي, بمعنى أن يعبر عن الرغبة الجماعية بأشياء تحددها هذه الرغبة نفسها, لا يمكن لأي رقم, لأي منحنى أن يشير إذن, إلى حدود الممكن, لأنها بحكم تعريفها تعكس رغباتنا, مخاوفنا... إلخ. ثانيا, وبما أنه لا توجد حقيقة مستقلة عن موضوعها وأن علومنا تعكس مجتمعنا. فمن الضروري على كل المواطنين أن يعملوا على معرفة أنفسهم, لهذا أخذ سبينوزا وأصدقائه مسألة التربية الجميع والتردد عل المسارح في أول اهتماماتهم, لقد خططوا أنه إذا لم يتعلم البشر العمل على انفعالاتهم, إذا لم يكونوا فلاسفة ولو قليلاً, فجهودهم في السيطرة ستنقلب عليهم بشكل تلقائيا. اليوم نحن ندقق واقع هذا الفيروس في المنحنيات والأرقام, وهنا كيف نعيش خوفنا, دون معرفة كيفية نمذجته بشكل أفضل. في هذا الوقت, المسارح مقفلة, والعقلانية لا يزال لديها الكثير لإعادة إحيائها.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي