loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أبجدية الماء والطين ارتحال الروح في ملكوت الناصرية: سيرة حياة وأدب في الناصرية

breakLine
2026-06-23

 

محمد ياسين صبيح |كاتب وناقد سوري

 


يصعبُ على المرء أن يضعَ حدوداً فاصلةً بين المكانِ وجسده حينما تكونُ الوجهةُ "الناصرية"، تلك المدينة الساكنة على أطرافِ الماءِ والتاريخ، والتي لا تستقبلكَ كزائر، إنما تحتويكَ كجزءٍ من ميثولوجياها الضاربة في عمق الزقورة، وحين هبطتُ في مطار البصرة الدولي، كنتُ أحملُ في حقيبتي محاضراتي الأكاديمية وأوراقاً نقديةً وقصصاً قصيرةً وقصيرة جداً، لكنني لم أكن أدري أنني سأخرجُ منها محملاً بذاكرةٍ جمعيةٍ تعيدُ صياغةَ علاقتي بالحرف، فقد كان الشوقُ بوصلتي نحو ظروفِ عملٍ جديدة، ولقاءاتٍ تحولت من ذبذباتٍ إلكترونيةٍ عبر الشاشات إلى مصافحاتٍ دافئةٍ تعيدُ الروحَ إلى جسدِ الصداقة، فلم تكن الناصرية مجردَ محطةٍ وظيفية فقط، إنما كانت "مختبراً شعورياً" انفتحَ فيه النصُ على آفاقِ الطميِ العراقي الأصيل. 
أولى العتبات: في فيزياء المكان وعشق الحرف
   كان الاتصالُ الأول في المدينة من الصديق الكاتب "عباس عجاج" بمثابةِ إعلانِ تأكيد لوجودي في هذه المدينة؛ فالمقهى في الناصرية ليس مجرد مكانٍ لارتشاف الشاي، بل هو برلمانٌ أدبيٌّ مصغر، هناك وفي مقهى الأدباء حيث جرت أولى المسامرات الأدبية مع الصديق عباس، وتلاشت المسافاتُ بيني وبين أدباء مميزين مثل "علي الشيال" رئيس اتحاد الأدباء والكاتب والمترجم "أمير دوشي" وغيرهم، وقد انسابُ الحوارُ السرديُّ بتلقائيةِ دجلة وطيبة الجنوب.
لم تتوقف حدود المعرفة عند المقهى فقط، بل امتدت لتلامس الحجر الضارب في التاريخ؛ إذ كان للصديق والكاتب المبدع "مهدي الجابري" فضلُ فتحِ أبواب التاريخ السومري أمامي، حيث اصطحبني في رحلةٍ مهيبةٍ إلى مدينة "أور" التاريخية، حيث الزقورة الشامخة التي علمت البشرية أولى أبجديات النور، فالوقوف أمام ذلك الأثر لم يكن نزهةً بصرية، بل كان استحضاراً لجذور الحرف الأول، وفهماً أعمق لسر القوة التي يستمد منها أدباء الناصرية صلابة نصوصهم، فلم يكتفِ الأصدقاء بحدود المدينة، بل دفعهم الكرم الإبداعي لاصطحابي في نشاطاتٍ خارج الناصرية، مثلت امتداداً لهذا الحراك الوعر الذي سنفرد له في قادم الأيام حديثاً مفصلاً يليق بمقامه.
تفكيكُ النص: تجلياتُ السردِ والقلقِ النقدي
انتقلَ هذا الحراكُ سريعاً من حيزِ المقاهي والجولات التاريخية إلى "قصر الثقافة والفنون"، ليكون اللقاءُ الأول بالجمهور عبر ندوةٍ احتفائيةٍ بمنجزي الإبداعي أدارها باقتدار الصديق الكاتب "فاضل العباس"، ولقد تجاوزت المداخلاتُ المجاملاتٍ البروتوكولية، إلى قراءاتٌ نقديةٌ واعيةٌ لمنجزي القصصي والنقدي، بتنظيم من الصديق الكاتب عباس عجاج وبتشجيعٍ ومؤازرةٍ من مدير قصر الثقافة الصديق الفنان "علي عبد الكريم"، فقد كانت ندوة غنية تحدثت فيها عن مجمل أعمالي ونشاطاتي الثقافية، وجاءت شهادات بعض الكتاب بي لتزين الندوة وبالأخص الصديق الكاتب والناقد د صباح محسن والصديق الناقد محمد المياحي والصديق الكاتب هيثم الجاسم والصديق الفنان علي عبد الكريم وغيرهم، بالاضافة إلى النقاشات الغنية التي أعقبت الندوة، ومن الجميل فيها أنني رايت طلابي من الجامعة بين الحضور يشاركون محبتهم وحضورهم الغني.
ولم تقتصر مشاركاتي اللاحقة على الحضور فقط، بل كانت مداخلاتي تسعى لتفكيكِ البنى السردية والشعرية وتبحث في جماليات الشعر الناصري، ففي ندوة قصر الثقافة عن رواية الكاتب عبد الجبار الحمدي "العوالم السبع"، ركزتُ قراءتي على جرأةِ الطرحِ وقدرةِ الكاتب على إدارةِ أمكنةٍ متشعبةٍ وشخصياتٍ معقدةٍ دون السقوطِ في فخِّ التشتتِ السردي، وكذلك عن بنيتها الفنية والسردية، وبينت أن الكاتب تطرق إلى موضوعات جديدة وجريئة على الساحة الأدبية، واستخدم لذلك بعض التقنيات السردية ومنها الحوارات التي أغنت النص، حيث قدم الكاتب رواية مختلفة في الفكرة والطرح، وهنا كان لي شرف التعرف على العديد من الأصدقاء الكتاب والأدباء والباحثين، مثل الناقد الدكتور خالد حوير شمس، والباحث التاريخي محمد رحيم حسين الجوراني وغيرهم.
وطبعاً هنا لا أنسي اتصالات الصديق الناقد الدكتور صباح محسن والتي كان يلح عليي بها للمشاركة في بعض الندوات التي يشارك بها، وكنت رغم مشاغلي الجامعية الكثيرة ألبيها بمحبة وشوق لملاقاة الأدباء والأصدقاء، ولا حقاً أصبح الصديق الفنان علي عبد الكريم مستضيفاً دائماً لي بدعواته الكريمة والملحة لحضور نشاطات قصر الثقافة باعتباره مديره، وهكذا بدأت رحلة الثقافة والأدب في المدينة، التي تمزج المحبة بالثقافة والحياة، ولذلك ستكون رحلتي الأولى مع قصر الثقافة وبعض مشاركاتي به.
وحين احتفى القصرُ بالروائي "شوقي كريم حسن"، توقفتُ عند ذلك المزيجِ الفريدِ بين العمقِ الفني والتأملِ الفكري في أسلوبه، مبيناً كيف يغدو النصُّ الروائيُّ وثيقةً إنسانيةً تتجاوزُ حدودَ الورق، وتكلمنا أيضاً حول الهاجسُ النقديُّ الذي يتمحورُ حول "القصة القصيرة جداً" بوصفها جنساً أدبياً يحتاجُ إلى بصيرةٍ حادة؛ وهو ما طرحتُه في ندوةِ منظمةِ "إدراك"، مؤكداً على دورِ الإيحاء والرمزيةِ في منحِ القصةِ القصيرةِ جداً أبعاداً جماليةً تجعلها مرجعاً تأصيلياً للباحثين، بعيداً عن السردِ المباشرِ أو التقريريةِ الجافة.
هارمونيا الصورة: في حضرةِ الشعرِ والطب
كما امتدت جسورُ التواصلِ أيضاً لتشملَ الكثير من التجارب الشعرية في المدينة، حيث كانت لي وقفاتٌ نقديةٌ حاولتُ فيها سبرَ أغوارِ "الصورة الشعرية"، في الأمسيةِ التي خُصصت لتوقيع دواوين الشاعر الطبيب "صادق جعفر البعاج"، قدمتُ قراءةً نقديةً استعرضتُ فيها أسلوبَه السلسَ والمتعددَ الطبقاتِ الرمزية، وركزتُ في مداخلتي على أنَّ قصائدَ البعاج تمتلكُ قيمةً فنيةً نابعةً من قدرةِ الشاعر على دمجِ دقةِ الطبيبِ برهافةِ الأديب، مما خلقَ صوراً شعريةً تمتازُ بالوضوحِ الشكلي والعمقِ الدلالي في آنٍ واحد.
اما في ندوة الشاعر الدكتور "هادي الدخيلي"، أثرتُ النقاشَ حول جمالياتِ بعضِ التقنياتِ الشعريةِ في نصوصه، وكيف يتحولُ الشعرُ إلى أداةٍ لتوثيقِ مراحلِ العمرِ وتنوعِ التجربةِ الإنسانية، ورغم حزني على قلة حضور الأدباء لتكريم الشاعر، وهكذا لم يكن النقدُ بالنسبةِ لي مجردَ تشريحٍ للنصوص، بل كان بحثاً عن "النبضِ" المختبئِ خلفَ الاستعارات، ومحاولةً لإضاءةِ تلكَ المساحاتِ المعتمةِ التي يتركها المبدعُ بين السطرِ والآخر، إيماناً بأنَّ الناقدَ هو المبدعُ الآخرُ الذي يقرأُ بالبصيرةِ قبل البصر.
الجامعةُ والمجتمع: مأسسةُ الوعيِ الثقافي
  ولقد آمنتُ دوماً بأنَّ الأكاديميَّ لا يجوزُ أن يظلَّ حبيسَ القاعاتِ الدراسية، بل يجبُ أن يكونَ فاعلاً في محيطه الاجتماعي، من هنا حرصتُ من خلالِ تمثيلي لجامعةِ العين العراقية على مدِّ خطوطِ الاتصالِ مع مجتمعِ الثقافةِ في الناصرية، وتجلى ذلك بوضوح في "شارع الثقافة"، هذا المكان الذي يلتقي فيه الكتاب والأدباء أسبوعياً قبالة قصر الثقافة، حيث شاركتُ في جلساتٍ فكرية، منها المحاضرة التي تناولت "تاريخ الحزن في جنوب العراق"، وقدمت فيه مداخلة عن تأثير البيئة الجغرافية في وجود الحزن.
كما شاركت في مختلف الاحتفاءاتِ الإعلاميةِ أوالشعرية والقصصيةِ والروائية مثل أمسية الدكتور "محمد الكاظم"، حيث تحدثت عن تقنياتِ السردِ في روايته "العراقنامه"، أو في مناقشة قضايا بيئية ومجتمعية، كان الهدفُ واحداً من كل هذه الندوات والمشاركات، وهو خلقُ "كتلةٍ حرجة" من الوعيِ الجمعي تدركُ أهميةَ الحرفِ في مواجهةِ التحديات، إنَّ تفاعلَ المثقفِ مع قضايا بيئته، كقضيةِ مكافحةِ المخدراتِ من منظورٍ نفسي التي طرحها الزملاءُ في جامعةِ ذي قار، يعكسُ تكاملَ الأدوارِ بين النقدِ الأدبي وبين الإصلاحِ المجتمعي، وهو الدورُ الذي حاولتُ تجسيدَه في كلِّ ورقةٍ نقديةٍ قدمتُها.
خاتمة:
لم تكن نشاطاتي في الناصرية مجردَ قائمةٍ من الفعاليات، بل كانت محاولةً جادةً لزرعِ قلقٍ معرفيٍّ يرفضُ السائدَ ويبحثُ عن "المختلف" في رحمِ المألوف، إنَّ القيمةَ الحقيقيةَ لهذا الارتحالِ الثقافي لا تكمنُ في الشهاداتِ التقديريةِ أو كلماتِ المديح، إنما في تلكَ "العدوى الإبداعية" التي تنتقلُ من الكاتبِ إلى القارئ، وفي تحويلِ الناصريةِ من مجردِ مكانٍ جغرافي إلى فضاءٍ كونيٍّ تتنفسُ فيه القصيدةُ برئةِ الزقورةِ ويحيا فيه السردُ بخلودِ السومريين الأول، إن هذه الرحلة التي بدأت من طين أور ولم تنتهِ بأسوار الجامعة، تفتح آفاقاً لنتساءل: كيف يمكن للوعي التاريخي أن يتحول إلى فعلٍ إبداعي يغير وجه الحاضر؟

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي