مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عبدالكريم العفيدلي |ناقد سوري
حين اتصلت بالأديبة الدكتورة سمر زليخة أطلب روايتها الجديدة "أوراق شرقية"، قالت لي شيئاً لم يزدني إلا فضولاً: إنها لم تكن راضيةً عن الرواية بعد أن فرغت منها، وإنها أرسلتها إلى أشخاص تثق بآرائهم، وكانت تخشى أن يأتيها من يقول لها: "ارمي هذه الرواية في سلة المهملات". قالت إنها كانت تتجنب فتح هاتفها، لأن الرسائل كانت تتوالى، ولأنها كانت تخشى أن تجد فيه تلك الجملة القاسية. لكن ما وصلها كان مختلفاً؛ آراء مشجعة، وقراء وجدوا في الرواية شيئاً يخصهم، حتى إن كثيرين شعروا أنها كتبت شيئاً من حياتهم هم، أو التقطت تفاصيل ظلت عالقةً في ذاكرة جيل كامل. وحين قالت لي إن هذا هو "الجيل المظلوم"، جيل الثمانينيات الذي وقف بين عالم يمشي على الورق وعالم يقفز بتهور نحو الرقمية، لم أعد أقرأ الرواية بوصفها حكاية امرأة تستعيد ماضيها فحسب، بل بوصفها محاولةً لاستعادة زمن كامل قبل أن يبتلعه الزمن الجديد.
منذ الصفحات الأولى، تضع الرواية قارئها أمام جسد يتكلم حين تعجز الذاكرة عن الكلام. ألم في الصدر، وفحوص لا تكشف سبباً عضوياً واضحاً، وطبيب يطلب من الراوية أن "تتذكري". لا يبدو السؤال عابراً؛ فالرواية كلها ستتحرك بعد ذلك من الحاضر إلى الماضي، لا بحثاً عن معلومة مفقودة، بل بحثاً عن شيء ظل حاضراً في الجسد رغم أن صاحبته ظنت أنها تجاوزته. ولهذا فإن الماضي في "أوراق شرقية" ليس زمناً منتهياً نعود إليه لنستعيد حكاياته، بل شيء يعيش في الحاضر بطريقة أخرى. ما حدث منذ سنوات طويلة لا يعود باعتباره ذكرى جميلة أو مؤلمة فقط، وإنما يعود بوصفه إحساساً جسدياً، وخوفاً، وارتباكاً، ووحدةً، وأحياناً رغبةً في الانغلاق على الذات.
وهنا تبدأ الرواية في كشف عالمها الحقيقي من دون أن تعلن عنه مباشرةً. طفلة عاشت في فرنسا، تعرف تفاصيل عالم مختلف، ثم تجد نفسها فجأةً في قرية سورية، أمام لغة لا تعرفها، ومدرسة لا تشبه المدرسة التي عرفتها، وامتحان في العربية يبدو لها كأنه مجموعة من العلامات الغامضة. الانتقال من فرنسا إلى القرية ليس مجرد انتقال جغرافي؛ إنه انتقال من عالم إلى عالم، ومن لغة إلى لغة، ومن طفولة تعرف مكانها إلى طفولة تشعر بأنها فقدت المكان واللغة معاً. وحين يصبح البيت القديم، والأرض، والجدة، والنبع، والمدرسة، وأصوات الناس جزءاً من حياتها الجديدة، لا تعود الطفلة هي نفسها التي غادرت فرنسا، ولا يصبح المكان الجديد مجرد مكان إقامة. شيئاً فشيئاً، تتكون شخصية معلقة بين عالمين، وهذه الحالة سترافقها حتى نهاية الرواية.
ولعل أجمل ما في الرواية أنها لا تجعل التحول حدثاً واحداً، بل سلسلةً طويلةً من التحولات الصغيرة التي يمر بها جيل كامل. في القرية، كان الناس يلتقون عند النبع رغم أنهم لا يملكون وسائل الاتصال الحديثة. كان غياب الهاتف يجعل اللقاء ضرورةً، وكان الطريق إلى الآخر يمر بالجسد والصوت والوجه. ثم جاءت السنوات التي امتلأت فيها الحياة بأدوات الاتصال: الهاتف، والتلفزيون، وأشرطة الكاسيت، والكمبيوتر، ودورات اللغة، والبرامج الجديدة، ثم الإنترنت. لكن المفارقة التي تلتقطها الرواية بذكاء هي أن كثرة وسائل الاتصال لم تعنِ بالضرورة كثرة التواصل. صار الإنسان قادراً على الوصول إلى الجميع، لكنه لم يعد يملك الوقت الكافي للجلوس مع أحد.
وهنا تحديداً تظهر خصوصية تجربة جيل الثمانينيات. إنه الجيل الذي عرف الورقة قبل الشاشة، والراديو قبل الهاتف الذكي، وانتظر الأخبار بدل أن تصله لحظة وقوعها، وكتب الرسائل قبل أن تتحول الرسالة إلى إشعار. لم يكن قديماً بما يكفي ليبقى في عالمه الأول، ولا حديثاً بما يكفي ليولد مرتاحاً في العالم الجديد. تعلم الكمبيوتر لأنه مضطر، ودخل عالم الإنترنت لأنه أصبح واقعاً، لكنه ظل يحمل في داخله إيقاعاً آخر للحياة. ولذلك فإن وصف الكاتبة لهذا الجيل بأنه "الجيل المظلوم" لا يبدو مجرد تسمية عاطفية، بل يلخص مأزقاً تاريخياً عاشه أشخاص انتقلوا في سنوات قليلة من عالم بطيء إلى عالم لا يمنح أحداً فرصةً لالتقاط أنفاسه.
والرواية لا تختزل هذا التحول في التكنولوجيا وحدها؛ فالتحولات السياسية والاجتماعية كانت تسير في الاتجاه نفسه، وبسرعة أشد قسوة. الحروب، والاعتقالات، والاختفاء، والهجرة، والإرهاب، والقصف، واللجوء، والانقسام، كلها تمر في حياة الشخصيات، لكن الكاتبة لا تحولها إلى درس في التاريخ السياسي. التاريخ يدخل الرواية من أبواب البيوت. يدخل حين يختفي شخص، أو تتغير حياة أم، أو يذهب أخ إلى مكان لا يعود منه، أو تضطر أسرة إلى البحث عن اسم في سجل، أو يصبح السفر نجاةً لا مغامرةً. ولهذا تبدو الأحداث الكبرى في الرواية أقوى حين تصغر؛ حين تصبح لها يد تمسك باب بيت، أو هاتف لا يرن، أو كرسي فارغ، أو شخص ينتظر خبراً لا يأتي.
ومن أكثر هذه اللحظات قسوةً حكاية زيد. لا تقدمه الرواية بوصفه شخصيةً عابرةً في حياة الراوية، وإنما تبنيه تدريجياً من خلال الطفولة والشباب والحرب. زيد الذي كان يرى نفسه حامي إخوته، ويتحمل أخطاءهم، ويقف في المقدمة حين ينبغي لأحد أن يتحمل العقوبة، يصبح لاحقاً واحداً من أولئك الذين ابتلعتهم الحرب. يخرج بحثاً عن مكان آمن، على أمل أن يعود، لكنه لا يعود. لا جسد، ولا قبر، ولا ملابس، ولا دليل نهائي. فقط جملة معلقة: "مات زيد".
لكن الرواية لا تترك الموت عند هذه الجملة. حين تذهب الراوية إلى القاضي الشرعي، ويسألها: "أتشهدين؟"، تجيب: "نعم". هنا شعرت بقشعريرة حقيقية؛ لأن الكلمة الصغيرة لا تبدو مجرد إجراء قانوني، وإنما تبدو كأنها باب يُغلق نهائياً على إنسان كان لا يزال، حتى تلك اللحظة، معلقاً بين الغياب والموت. والأشد قسوةً أن الأوراق بعد ذلك تتحرك بسرعة: أرقام، وتواقيع، وأختام. كل شيء يصبح رسمياً، مرتباً، قابلاً للحفظ. أما الإنسان الذي كانت تبحث عنه، فقد صار في ورقة ميتاً. هذه من أقوى لحظات الرواية، لأنها تجعل الورق في مواجهة الحياة مباشرةً: الورقة تستطيع أن تثبت الموت، لكنها لا تستطيع أن تعيد أخاً غاب.
ومن هنا تتسع دلالة "الأوراق" في الرواية. فهي ليست أوراقاً بالمعنى الحرفي فقط. هناك ورقة المدرسة، وأوراق السفر، والأوراق التي تثبت الهوية، والأوراق الطبية، والأوراق التي تسجل الموت، والرسائل، والدفتر القديم، وأوراق البحث، وكل ما يحاول الإنسان أن يتركه وراءه لكي يقول: هذا حدث، وهذا أنا، وهذا ما بقي مني. حتى الكتاب الذي تعود إليه الراوية بحثاً عن جواب، وحتى الرسائل التي ظلت محفوظةً سنوات طويلة، تدخل في هذا المعنى.
لكن المفارقة أن الأوراق كلما ازدادت، ازداد عجزها عن احتواء الحياة. فالرسالة لا تمنع الفراق، والوثيقة لا تمنع الغياب، والتقرير الطبي لا يشرح دائماً ألم الجسد، وشهادة الوفاة لا تختصر حياة الإنسان. لذلك فإن "أوراق شرقية" لا تبدو روايةً عن الورق بقدر ما تبدو روايةً عن المسافة بين ما تستطيع الورقة أن تقوله وما تعجز عن قوله.
وتزداد هذه الفكرة عمقاً في شخصية الجدة. فهي تنتمي إلى زمن آخر، زمن الأرض والبيت والنبع والشجرة، لكنها ليست مجرد صورة للحنين. حضورها أكثر تعقيداً؛ فهي جزء من العالم الذي فقدته الراوية تدريجياً، وجزء من الذاكرة التي لا تستطيع أن تتخلص منها. شجرة الجوز التي زرعتها الراوية عند طرف الحقل، ودموع الجدة، والمرض، والمستشفى، ثم نظرة الأطباء إلى الجسد كأنه "كتاب قديم كثرت صفحاته"، كلها تجعل الجسد والكتاب يقتربان من بعضهما بطريقة لافتة. وكأن الإنسان نفسه يصبح سجلاً لما عاشه، حتى حين يعجز عن روايته.
وهذه العلاقة بين الجسد والذاكرة تظل ممتدةً إلى نهاية الرواية. حين تقول الراوية في لحظة ألم: "هل كان يجب أن أصرخ يومها لينتزع السهم الذي في صدري؟"، فإن السهم لا يحتاج إلى تفسير طويل؛ يكفي أن يبقى في الجسد. وبعد سنوات، حين يظهر "دفتر سهم"، وحين تعود الرسائل القديمة، وحين تصل الراوية إلى إسطنبول وتستعيد عبر بوابة المطار زمناً ظنته انقضى، يبدو الماضي كأنه لم يكن غائباً تماماً، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.
وهذا من أكثر الجوانب الفنية تميزاً في الرواية. فالزمن فيها لا يسير بخط مستقيم. الحاضر يفتح باباً إلى الماضي، والماضي يعيد تفسير الحاضر، ثم يعود القارئ إلى الحاضر محملاً بمعلومة لم تكن لديه من قبل. التواريخ الكثيرة لا تمنح الرواية نظاماً زمنياً صارماً بقدر ما تمنح الذاكرة علامات تستند إليها. نحن لا نقرأ حياة الراوية منذ البداية حتى النهاية، وإنما نكتشفها معها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس دائماً: ماذا حدث؟ بل: متى فهمت الشخصية ما حدث؟
هذه الطريقة تجعل الرواية أقرب إلى تحقيق داخلي طويل. ألم الصدر في البداية هو الدليل الأول، والطبيب هو الذي يفتح باب الشك، ثم تبدأ الراوية في العودة، وكأنها تبحث عن الجريمة القديمة التي تركت أثرها في الجسد. كل محطة تضيف قطعةً إلى الصورة: القرية، الدراسة، الأب، الأم، الجدة، زيد، الحرب، الاختفاء، الهجرة، الحب، الرسائل، المدن الجديدة، والهاتف الذي "يختنق مثل شقتي". وحين تتراكم القطع، يدرك القارئ أن المشكلة لم تكن في حادث واحد يمكن العثور عليه وعلاجه، بل في سنوات كاملة تراكمت داخل إنسانة واحدة.
ومن أجمل المفارقات في الرواية أن الهاتف، الذي يفترض أن يكون أداةً للقرب، يتحول إلى صورة أخرى للاختناق. الرسائل والإيميلات والمكالمات الفائتة تتراكم على شاشته، لكنها لا تجعل الراوية أكثر قرباً من العالم. بالعكس، كلما ازدادت الأصوات خلف الشاشة، ازدادت رغبتها في إغلاق الباب. الشقة المرتبة جداً تصبح شبيهةً بالنفس التي تحاول أن ترتب فوضاها الداخلية، والهاتف الممتلئ بالرسائل يصبح شبيهاً بذاكرة لم يعد فيها مكان لمزيد من الأشياء.
حتى السخرية، وهي من العناصر التي تمنح الرواية نبرةً خاصة، لا تأتي منفصلةً عن الألم. في حديث "دكان الحب" مثلاً، حين يبدو الحب كأنه سلعة يمكن شراؤها والدفع ثمنها بالأيام التي لم تُنفق بعد، تضحك الرواية قليلاً في المكان الذي كان يمكن أن تبكي فيه. وهذه القدرة على تخفيف ثقل الألم بالسخرية تجعل الشخصيات أقرب إلى البشر، لا إلى أدوات تستخدمها الرواية لإيصال فكرة.
وفي خلفية ذلك كله، يظهر الأب بوصفه جزءاً من تاريخ أكبر من العلاقة العائلية. اختياراته تؤثر في دراسة ابنته، وفي طريقها، وفي علاقتها باللغة والمكان، ثم تأتي الأم بما تحمله من أحلام مؤجلة وتضحيات وغياب الزوج. وهنا لا تقدم الرواية الأسرة بوصفها مؤسسة مستقرة، وإنما بوصفها مكاناً تتقاطع فيه رغبات الأفراد مع ما تفرضه الظروف. كل شخص يريد شيئاً، لكن التاريخ والأسرة والاقتصاد والحرب والظروف الشخصية تدفعه إلى شيء آخر.
ولذلك فإن شخصية الأم لا تُقرأ منفصلةً عن شخصية زيد أو الجدة أو أحلام أو سهم. كل واحد منهم يحمل شكلاً مختلفاً من أشكال الفقد. هناك من يفقد الوطن، ومن يفقد الأخ، ومن يفقد الحب، ومن يفقد القدرة على الكلام، ومن يفقد المستقبل الذي ظنه قريباً. وحين تصل الرواية إلى أحلام، ثم إلى وعد اللقاء في الغد الذي لا يأتي بسبب الزلزال، يصبح "الغد" نفسه شيئاً هشاً. جملة "سأنتظرك غداً" تبدو بسيطةً في لحظة قولها، لكنها بعد الكارثة تتحول إلى واحدة من أكثر الجمل وجعاً في الرواية: كان هناك غد، ثم لم يعد هناك غد.
وهنا تعود الرواية إلى سؤالها الأول: هل يستطيع الطب أن يفسر كل هذا؟ وهل يمكن أن يكون ألم الصدر مجرد عرض جسدي؟ أم أن الإنسان يحمل في جسده تاريخاً طويلاً من الأشياء التي لم يجد لها وقتاً كي يبكيها أو يودعها؟ الرواية لا تقدم إجابةً طبية، ولا تحتاج إلى ذلك. هي تفعل شيئاً آخر: تجعل القارئ يعيش مع الشخصية وهي تكتشف أن ما ظنته ماضياً لم يغادرها تماماً.
وعندما تصل الرواية إلى إسطنبول، وتظهر شخصية سهيل، والدفتر الذي تركه سهم، والرسائل القديمة الممتدة من 2002 إلى 2025، يتغير إيقاع السرد من جديد. الماضي الذي كان يستعاد من ذاكرة الراوية يصبح هذه المرة مكتوباً أمام عينيها. الرسائل تمنح صوتاً لشخص كان غائباً، والدفتر يعيد الزمن من بوابة المطار. وكأن ما ظنته الراوية قد ضاع لم يضع تماماً؛ كان هناك في مكان آخر، في يد شخص آخر، ينتظر مصادفةً صغيرة كي يعود.
وهنا يصبح عنوان الرواية أكثر اتساعاً. "أوراق شرقية" ليست أوراقاً تخص شخصاً واحداً، وليست أوراقاً عن شرق جغرافي محدد. الشرق في الرواية هو الذاكرة التي ترافق الإنسان حتى حين يغير المدن، وهو الماضي الذي يسافر معه، وهو اللغة الأولى، والبيت الأول، والجدة، والقرية، والحرب، والحب، والرسالة، وكل ما لا يستطيع الإنسان أن يتركه عند بوابة المطار. لذلك يمكن أن تكون إسطنبول محطةً أخيرة في الرحلة، لكنها ليست نهاية ما حملته الراوية معها.
أما "شرقية" فتأخذ معناها من الحركة نفسها: طفلة تأتي من فرنسا إلى قرية، ثم تكبر بين عالمين، وتعيش انتقالاً من الراديو إلى الهاتف، ومن الرسالة إلى البريد الإلكتروني، ومن الورقة إلى الشاشة، ومن اللقاء عند النبع إلى العزلة خلف الهاتف، ومن الوطن إلى المنافي، ثم تعود في النهاية إلى مدينة أخرى وهي تحمل كل تلك الطبقات معها. المكان يتغير، لكن ما في الداخل لا يغيّر عنوانه بسهولة.
والرواية في هذا كله لا تعتمد على حدث واحد ضخم، وإنما على التراكم. وهذا ربما هو سر تأثيرها. فالقراءة لا تصطدم بجدار واحد، بل تمشي فوق طبقات من الذاكرة، حتى يجد القارئ نفسه في النهاية أمام حصيلة سنوات كاملة: طفولة اقتُلعت من مكانها، لغة تعثرت، دراسة لم تكن اختياراً كاملاً، قرية تغيرت، جيل دخل عصر الكمبيوتر، بلاد دخلت عصر الحروب، أحبة غابوا، وأوراق بقيت.
ولهذا فإن "أوراق شرقية" تبدو في جوهرها روايةً عن جيل أكثر مما هي رواية عن فرد. الراوية هي مركز الحكاية، لكن حياتها تفتح على حياة آخرين يشبهونها في شيء ويختلفون عنها في أشياء كثيرة. إنها تحمل ذاكرة جيل عرف الورقة ثم وجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع الشاشة، عرف الانتظار ثم عاش سرعة الخبر، عرف الاجتماع في الأماكن العامة ثم اكتشف العزلة وسط ملايين الاتصالات. جيل لم يختر موقعه التاريخي، لكنه وجد نفسه داخله.
وعندما تنتهي الرواية عند بحر مرمرة، وحين تلقي الراوية "سهم الأمنيات" في الماء، يعود السهم بطريقة أخرى إلى القلب. هنا لا تحتاج الرواية إلى أن تقول للقارئ ماذا يعني كل شيء. يكفي أن نتذكر ألم الصدر الذي بدأت منه الحكاية، والطفلة التي عبرت المطار، وزيد الذي أُخذ من الغياب ووضع في الموت بكلمة، والجدة التي بقيت ذاكرتها في الأرض، وأحلام التي قالت "سأنتظرك غداً" ولم يأت الغد، وسهم الذي ظل يكتب حتى توقف عن الكتابة، ثم الدفتر الذي عاد من بوابة مطار بعد سنوات طويلة.
وعند هذه النقطة، يصبح سؤال الطبيب في النهاية أكثر اتساعاً من سؤال طبيب عن مرض. ويظل القارئ واقفاً أمامه، وبين يديه كل تلك الأوراق، وكل تلك السنوات، وكل أولئك الذين عبروا من حياة الراوية ولم يعبروا منها تماماً.
.jpeg)
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي