مقالات ادبية واجتماعية وفنية
دعاء هزاع الجابري
كاتبة | يمنية
أن الكتب العظيمة ليست بتلك التي تبقى على رفوف المكتبات، بل تلك التي تستطيع أن تعود كلما ظن الإنسان أنه تجاوزها، ولهذا لم يكن تجدد الاهتمام بملحمة "الأوديسة" بعد إعلان المخرج "كريستوفر نولان" عزمه تقديمها في عمل سينمائي مجرد حنين إلى نص إغريقي قديم، بل كان إعلانا غير مباشر بأن الأسئلة الكبرى التي كتبها "هوميروس" قبل آلاف السنين لم تجد إجاباتها بعد، فالإنسان مهما بلغ من التقدم لا يزال يعيش أوديسيته الخاصة.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، والرحلات الفضائية ، والثورات الرقمية، تبدو العودة إلى ملحمة كتبت قبل ما يزيد على ألفين وسبعمائة عام أمرا يثير الدهشة، لكن الحقيقة أن الحضارات لا تقاس بعمر التكنولوجيا وإنما بقدرتها على محاورة الأسئلة الأولى: من نحن؟ وما معنى العودة؟ وهل الوطن مكان نصل إليه، أم حالة نسعى إليها طوال العمر؟، فلقد أدرك هوميروس أن الإنسان لا يهزم في البحر بل يهزم حين يفقد البوصلة الداخلية، لذلك لم تكن الوحوش التي واجهها "أوديسيوس" أخطر من شهواته، ولا كانت العواصف أشد قسوة من لحظات اليأس التي كادت تقنعه بأن الطريق انتهى، فكل محطة في رحلته كانت استعارة عن صراع الإنسان مع ذاته لا مع العالم وحده.
ولعل أكثر ما يلفت النظر اليوم أن الاهتمام بالأوديسة لم يقتصر على قراءة الترجمات بل امتد إلى تعلم اليونانية القديمة لفهم النص بلغته الأصلية، وكأن البشرية اكتشفت مجددا أن الترجمة تنقل المعنى لكنها لا تنقل دائما نبض الكلمات ولا الإيقاع الذي ولدت فيه الأفكار، إنها محاولة للعودة إلى الينبوع الأول حيث خرجت الحكاية قبل أن تتشعب في آلاف القراءات، غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن الإنسان المعاصر يشبه أوديسيوس أكثر مما يشبه أي بطل آخر، فهو يعيش وسط بحر من المعلومات لكنه يعاني جفاف الحكمة، ويمتلك وسائل اتصال لا حصر لها لكنه يزداد وحدة، يختصر العالم في شاشة صغيرة لكنه يعجز أحيانا عن العثور على ذاته.
لقد أصبحت "إيثاكا" الحديثة حلما مختلفا، فقد تكون وطنا فقدناه، أو هوية تآكلت تحت ضغط العولمة، أو سلاما داخليا تبتلعه ضوضاء الحياة، ولذلك فإن رحلة العودة لم تعد رحلة جغرافية بل اصبحت رحلة وجودية يسافر فيها الإنسان بين مخاوفه وأسئلته أكثر مما يسافر بين المدن والبحار، ولعل هذا هو السر الذي يجعل الأعمال الكلاسيكية لا تموت، فهي لا تقدم أجوبة جاهزة بل تمنح كل عصر مرآته الخاصة، فالقارئ في القرن الحادي والعشرين لا يرى في العملاق "بوليفيموس" مجرد مخلوق أسطوري بل يراه رمزا للقوة العمياء التي لا ترى إلا بعين واحدة "عين المصلحة"، وقد يرى في "السيرينات" كل أشكال الإغراء التي تسرق الإنسان من رسالته، وفي البحر صورة لعالم مضطرب لا يكافئ دائما الأكثر قوة بل الأكثر صبراً.
لذلك إن عودة الأوديسة إلى الواجهة ليست انتصارا للأسطورة بل اعتراف ضمني بأن الأدب العظيم أكثر قدرة على تفسير الإنسان من كثير من النظريات الحديثة، فالتاريخ يتغير، والإمبراطوريات تسقط، والتقنيات تتبدل، لكن الإنسان يبقى يحمل الخوف ذاته والأمل ذاته واللهفة ذاتها للوصول إلى شاطئ يشعر فيه أخيرا بأنه عاد إلى نفسه، واليوم وبعد ما يقارب ثلاثة آلاف عام لا يزال هوميروس يكتبنا أكثر مما نقرأه، ولا تزال الأوديسة تذكرنا بأن أطول الرحلات ليست تلك التي تعبر البحار بل تلك التي يعبر فيها الإنسان المسافة الفاصلة بين ما هو عليه.. وما ينبغي أن يكون.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي