loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الثَّقافة العراقية إلى أين؟

breakLine
2026-06-03

ناطق فرج
كاتب  | عراقي

 


في العالمِ اليوم ما يقاربُ مائة واثنين وتسعين بلداً، تختلفُ أنظمتها السِّياسية، وتتباينُ رؤاها الاقتصادية، وتتنافسُ في مستوياتِ التَّعليمِ والتَّنميةِ، ولكن ثمَّة إجماعٌ ضمني على أمرٍ واحد: الثقافة ليست دائرة هامشية تُدار بالمصادفة، وليست وزارة بروتوكولية تُمنحُ كمكافأةٍ سياسيةٍ أو تسويةٍ عابرة. فالثَّقافةُ هي الوعي الجمعي للأُمَّة، وذاكرتها، ولسانها، وصورتها أمام العالم.
ومع ذلك، ما تزال بعض الحكومات ترتكبُ خطأً فادحاً حين تُعيّنُ على رأس وزارة الثَّقافة شخصاً لا يتقنُ لغةَ البلدِ، ولا ينتمي إلى الوسط الثَّقافي، ولا يمتلكُ أي رصيد فكري أو إبداعي يبرِّر وجودَهُ في هذا الموقعِ الحسَّاس. لا هو شاعر، ولا روائي، ولا باحث، ولا حتى صاحب مشروعٍ فكري واضح. مجرَّدُ اسمٍ هبط فَجأةً على مؤسَّسةٍ يُفترضُ أنَّها تمثِّل روح الأُمَّة وعقلها.
إنّ السُّؤالَ هنا لا يتعلَّق بالأصولِ أو الجنسيات بقدر ما يتعلَّقُ بالكفاءةِ والانسجام مع طبيعةِ المنصب. كيف يُمكنُ لوزيرِ ثقافة أنْ يفهمَ نبضَ المجتمعِ الثَّقافي وهو عاجزٌ عن التَّواصلِ الحقيقي مع لغته؟ كيف له أنْ يقرأَ إنتاجَ الكُتّابِ، أو يستوعبَ تحولاتِ المسرحِ، أو يتابعَ النَّقد الأدبي، أو يُلامسَ وجدانَ الشِّعر، وهو يحتاجُ إلى وسيط لغوي كي يفهم أبسط النُّصوص؟
الثَّقافة ليست إدارة ملفّاتٍ إدارية فحسب، بل هي حسّاسية معرفية عميقة، وتفاعلٌ يومي مع اللُّغةِ والفنونِ والرُّموزِ والتّاريخ. الوزير الذي لا يعيشُ داخلَ هذا العالم سيبقى غريباً عنه مهما أحاط نفسه بالمستشارين. فالثَّقافة لا تُدارُ بالتَّرجمةِ، ولا تُختزلُ في حفلاتٍ رسميَّةٍ وصورٍ تذكارية ومهرجاناتٍ جوفاء.
الأخطرُ من ذلك أنَّ هذا النَّوعَ من التَّعيينات يبعثُ برسالةٍ مهينةٍ إلى المُثقَّفين الحقيقيين في البلد: كأنَّ الدَّولة تقول لهم إنَّ سنواتِ الكتابةِ والبحثِ والإبداعِ لا قيمةَ لها، وإنَّ الحقلَ الثَّقافي بأكملِهِ عاجزٌ عن إنتاجِ شخصيَّةٍ تستحقُ قيادةَ مؤسَّساته. إنَّها إهانةٌ ضمنيَّةٌ لكلِّ شاعرٍ قضى عمرَهُ في خدمةِ اللُّغةِ، ولكلِّ روائي حملَ قضايا النَّاس في أعمالِهِ، ولكلِّ أكاديمي أسهم في بناء الوعي والمعرفةِ.
ثُمَّ أنَّ السُّؤالَ المشروعَ الذي يفرضُ نفسَهُ بإلحاح: ما المعايير التي تمَّ اعتمادها في هذا الاختيار؟ مَن رشَّح هذا الاسم؟ وعلى أي أساسٍ؟ هل كانت الكفاءةُ الثَّقافيةُ حاضرةً فعلاً، أم أنَّ الحساباتِ السّياسيةَ والمُحاصصات والعَلاقات الشَّخصية هي التي حسمت القرار؟ والأهم من كلِّ ذلك: مَن المُستفيدِ الحقيقي من وضع الثَّقافة في يدِ شخصيَّةٍ بعيدة كلَّ البُعدِ عنها؟
إنَّ المجتمعاتِ التي تحترمُ ثقافتها تدركُ أنَّ وزارةَ الثَّقافةِ ليست منصباً ثانوياً. ولهذا نرى في كثيرٍ من الدُّول أنَّ مَن يتولّى هذا الموقعِ يكون غالباً مُفكِّراً أو كاتباً أو أكاديمياً أو فناناً له حضوره وتأثيره، لأنَّ الثَّقافةَ لا تزدهرُ إلا حين يقودُها مَن يعرفُ أوجاعها وأسئلتها وطموحاتها.
أما حين تُسلَّمُ الثَّقافة إلى شخصٍ لا يعرفُ لُغتَها، ولا يفهمُ تاريخها، ولا ينتمي إلى فضائِها، فإنَّ النَّتيجةَ الطَّبيعيةَ هي المزيدُ مِن التَّهميشِ والانفصالِ بين الدَّولة ومثقفيها، وتحويل الوزارة إلى واجهةٍ فارغةٍ بلا مشروع حقيقي.
إنَّ نهضةَ الثَّقافةِ تبدأُ باحترامِها، واحترامُها يبدأُ باختيارِ مَن يمثِّلُها بجدارةٍ، لا مَن يُفرضُ عليها بقرارٍ فوقي لا علاقة له بالوعي أو المعرفة أو الانتماء الثقافي.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي