loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الحجر الذي تذكّر اسمه

breakLine
2026-09-07

 


عمران علي (دوست)/كاتب سوري

خمسة أعوام ونصف، كان فيها منير شيخي لا ينحت الحجر، بقدر ما كان يحاول أن يستخرج منه ذاكرته.

في مكانٍ ما من الدرباسية، بعيداً عن صخب المدن التي تستهلك حاضرها حتى تنسى أن لها ماضياً، كان الحجر يتعرّض لعمليةٍ أشبه بالإنصات.
ضربةٌ.
ثم صمت.
ضربةٌ أخرى.
ثم طبقةٌ من غيابٍ تنسحب.

كأن يداً بشريةً لم تكن تمسك أداة النحت، بل كانت تمسك طرفاً من الزمن، وتحاول أن تسحبه ببطء من بئرٍ لا قاع لها.
خمسة أعوام ونصف.
وما أطول أن تعمل على شيءٍ مات قبل قرون، ثم تكتشف، في نهاية الطريق، أنه لم يمت أصلاً؛ كان فقط ينتظر يداً تعرف كيف توقظه.

في مشغله، لم تكن الأحجار الثلاثة مجرد كتلٍ صامتة.
كان هناك محاربان ميديان ينتظران استعادة وقفتهما.
وكان هناك أسد عين دارا، ذلك الكائن البازلتي الذي خرج ذات يوم من عتمة الحرب محمولاً على أكتاف الغياب، بعدما سُرق من مكانه، كأن أحداً لم يكتفِ بنهب الحجر، فأراد أن ينهب من المكان ذاكرته أيضاً.
وهكذا بدأ النحت.
لا من الحجر وحده.
بل من الفقد.

ثمة شيءٌ غريب في استعادة الآثار.
أنت لا تعيد الماضي.
وهذه هي المأساة الجميلة في الأمر.
الماضي لا يعود.
لا يمكن للقرون أن تنعكس، ولا للزمن أن ينسف خطواته إلى الوراء، ولا للحجر الأصلي أن يعيد نفسه من المكان الذي اختفى فيه.
لكن الإنسان، حين يعجز عن استعادة الزمن، يخترع له جسداً.
وهنا تبدأ الحيلة النبيلة للفن.
الفنان لا يهزم النسيان.
إنه يضع أمامه حجراً.
يقول له:
لن أستطيع أن أعيد ما أخذته، لكنني سأمنعك من أن تجعلنا ننسى شكله.

لذلك لم يكتفِ منير شيخي بأن يستعيد الهيئة العامة للتماثيل.

راح يفتّش في التفاصيل كما يفتّش أحدهم في رماد بيتٍ قديم عن خاتمٍ ظلّ صامداً تحت الحريق.
الوجوه.
اللِّحى.
الثياب.
الأسلحة.
الوقفة.
تلك التفاصيل التي تبدو للعين العابرة صغيرة، لكنها بالنسبة إلى الذاكرة ليست صغيرة أبداً.
فالتاريخ، في النهاية، لا يعيش في عناوينه الكبرى فقط.
قد يختبئ في انحناءة كتف.
في شكل لحية.
في يدٍ تقبض على سلاح.
في قدمٍ ثابتة على الأرض.
في نظرةٍ حجريةٍ ظلّت آلاف السنين تحدّق في جهةٍ لم يعد أحد يعرفها.

وحين اكتمل الحجر، لم يعد يشبه الحجر تماماً.
صار أشبه بذاكرةٍ اكتسبت وزناً.
صار للماضي كتف.
وللصمت وجه.
وللغياب ظلّ يمكن أن يقف الإنسان بجانبه.
وهنا تكمن المسألة كلها.
أن يتحول التاريخ من شيءٍ نقرأه إلى شيءٍ نراه.

من شيءٍ يمرّ عبر العين إلى شيءٍ يقف أمامها.
من حاشيةٍ في كتاب إلى كتلةٍ في الطريق.
من اسمٍ ميت على صفحة إلى حضورٍ يستطيع طفلٌ أن يدور حوله.


قريباً، ستغادر التماثيل مشغلها في الدرباسية.
ستحمل معها خمسة أعوام ونصف من الصمت، والغبار، والضربات، والتأمل، وربما شيئاً من روح الرجل الذي ظلّ ينحتها كما لو أنه يحفر في جدار الزمن نافذةً صغيرة.
وستصل إلى الحديقة العامة في القامشلي.
هناك، لن تكون الأشجار وحدها هي التي تكبر.
سيكبر إلى جوارها شيءٌ آخر:
الذاكرة.
قد تتحول الحديقة، شيئاً فشيئاً، إلى متحفٍ لا يحتاج إلى أبواب.

متحفٌ لا يطلب من الناس أن يشتروا تذكرة كي يدخلوا التاريخ.
فالتاريخ سيكون هناك.
في طريقهم إلى البيت.
في نزهتهم.
في ظلّ شجرة.
في مقعدٍ عام.
في عين طفلٍ لم يكن يعرف، قبل تلك اللحظة، أن حجراً يمكن أن يفتح سؤالاً.

تخيّل طفلاً يمرّ أمام أحد المحاربين.
يتوقف.
يرفع رأسه.
يصمت.
ثم يسأل:
من هذا؟
قد يبدو السؤال صغيراً.
لكنه ليس صغيراً.

لأن كل حضارة تبدأ، بطريقةٍ ما، من طفلٍ يسأل عن شيءٍ لم يكن يعرفه.

السؤال هو أول شقٍّ في جدار النسيان.
ومن ذلك الشقّ يدخل الضوء.
ربما سيذهب الطفل إلى البيت ويسأل أباه.
وربما يسأل أستاذه.
وربما يبحث في كتاب.
وربما يكتشف بعد سنوات أن ذلك الحجر الذي ظنه مجرد تمثال كان باباً إلى آلاف السنوات.
وهكذا، لا يعود النحت نحتاً.
يصبح استدراجاً للذاكرة إلى الحياة.

أما أسد عين دارا، فسيقف هناك.
أسدٌ بلا زئير.
وهذه ربما أقسى صور القوة.
فبعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تصرخ كي تعلن أنها نجت.
يكفي أنها ما زالت واقفة.
بعد الحرب.
بعد النهب.
بعد الغياب.
بعد السنوات التي حاولت أن تمحو آثارها من وجه المكان.

سيقف الأسد.
كأن الحجر نفسه يقول للزمن:
مررتَ من هنا، لكنك لم تأخذ كل شيء.

ربما لا نحتاج دائماً إلى استعادة الماضي.
ربما نحتاج فقط إلى أن نمنعه من أن يصبح مجهولاً.
فالنسيان ليس حفرةً يسقط فيها التاريخ دفعةً واحدة.
إنه غبارٌ ناعم.
يتراكم.
كل يومٍ طبقة.
حتى يصبح الوجه بلا ملامح، والاسم بلا صاحب، والمكان بلا حكاية.

وما يفعله الفن هنا يشبه إزالة ذلك الغبار.
ليس ليعيد الموتى إلى الحياة.
بل ليمنع الأحياء من أن يعيشوا بلا ذاكرة.

لهذا، حين تقف هذه التماثيل في الحديقة العامة، لن تكون ثلاثة أجسادٍ حجرية فحسب.
ستكون ثلاثة ثقوبٍ في جدار الزمن.
من خلالها يستطيع الحاضر أن يرى الماضي.
وسيكون كل طفلٍ يتوقف أمامها، وكل عينٍ ترفع رأسها، وكل سؤالٍ يولد هناك، بمثابة حجرٍ جديد يوضع في وجه النسيان.
فالتمثال لا يقول فقط:
هكذا كان التاريخ.
إنه يقول شيئاً أشدّ خطراً:
لا تسمحوا له أن يموت مرةً ثانية.
وفي مدينةٍ تتقاطع تحت ترابها طبقاتٌ كثيرة من الأزمنة، ربما لا يكون أجمل ما يمكن أن نفعله بالماضي أن ندفنه في المتحف.
بل أن نتركه واقفاً في الطريق.
كي يعترض طريقنا.
كي يوقظنا.
كي يجعلنا نتساءل.
كي ينظر إلينا من عينيه الحجريتين ويسألنا، نحن الذين جئنا بعده:
ماذا فعلتم بالذاكرة التي تركناها لكم؟

وعندها فقط، يكون الحجر قد تذكّر اسمه.
ويكون التاريخ قد عاد.
لا إلى الكتب.
بل إلى الشارع.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي