loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الدواء الذي لم يكن مجانياً

breakLine
2026-10-23

د. عبدالكريم الحلو
كاتب وقاص | عراقي

 

"حكاية عن كرامة الإنسان"
وستر العطاء، والوجه الخفي للخير:

في شتاء عام 2020، حين كان العالم يرتجف تحت وطأة جائحة كورونا، وحين صار الموت يتنقّل بين البيوت كضيفٍ ثقيل لا يستأذن أحداً، كانت الحياة تقف على حافّة هاوية، وكان الناس يتعلّمون، للمرة الأولى ربما، أن المسافة بين عناقٍ أخير ووداعٍ أبدي قد لا تتجاوز نفساً واحداً.
كانت الصيدلية يومها أكثر من مكانٍ لصرف الأدوية؛ كانت نافذةً صغيرة يتشبّث بها الخائفون، وملاذاً أخيراً لمن أثقلتهم الفواتير، وأرهبتهم أسماء الأدوية، وأطبق عليهم شبح الفقد قبل أن يطرق الموت أبوابهم.
في أحد تلك الأيام، دخل عليّ رجلٌ وقور، تبدو على هيئته أمارات الأناقة والجاه، وفي ملامحه شيءٌ من اعتداد النفس الذي لا يجرح التواضع، وشيءٌ من التعب الذي لا تستطيع الملابس الأنيقة إخفاءه.
كان يحمل ثلاث وصفات طبية.
وضعها أمامي، ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله عادياً، لكن القلق كان يفضحه:
دكتور: لو سمحت 
هذه أدوية لي ولزوجتي وابنتي. 
نحن الثلاثة مصابون بكورونا. 
لقد أنفقت اليوم نصف ما أملك على مراجعة الطبيب والفحوصات المختبرية والشعاعية ، ولم أعد أعرف كيف أواجه بقية الطريق. 
أخبرني أولاً، كم سيكلّفني العلاج؟ 
وإذا كان المبلغ كبيراً، فأعطني دواء زوجتي وابنتي، أما أنا فسآخذه في وقتٍ آخر.
توقّف قليلاً، ثم أضاف ما لم أستطع نسيانه:
أريد أن أطمئن عليهما أولاً.
لم يكن يؤجّل شراء دوائه فحسب؛ بل كان يحاول أن يشتري لعائلته فرصةً أخرى للحياة، ولو اقتطع تلك الفرصة من جسده هو.
في تلك اللحظة، لم أرَ أمامي ثلاثة أسماء على وصفاتٍ طبية، بل رأيت عائلةً كاملة تتعلّق بخيطٍ رفيع ، وأباً يضع نفسه في آخر قائمة النجاة، كأنّ الأبوة عنده أن يموت الخوف داخله قبل أن يصل إلى قلب زوجته وابنته.
بعض الناس لا تكشفهم المحن حين يطلبون النجاة ، بل حين يتنازلون عن حقّهم فيها كي ينجو أحبّتهم.
أعددتُ له دواءه أولاً، ووضعته في كيسٍ خاص، وكتبت عليه التعليمات اللازمة، ثم أكملت أدوية زوجته وابنته. 
وبعد أن انتهيت، أعطيته رقم هاتفي، وطلبت منه أن يتصل بي ليخبرني عن أحوالهم بعد بدء العلاج.
كان عليّ أن أختار كيف أساعده، لا أن أساعده فحسب.
فالرجل الذي جاءني لم يكن فقيراً في مظهره، لكنه كان محاصراً بضائقةٍ لا ترحم.
وكان أشدّ ما يخشاه أن تمتدّ يده إلى ما يمسّ كرامته. 
ولم أرد لليد التي ستنقذه أن تتحوّل في ذاكرته إلى يدٍ تذكّره بعجزه.
لذلك خفّضتُ ثمن دواء زوجته وابنته إلى أقلّ سعر من كلفة شراءه، أمّا وصفته، التي كانت الأعلى كلفة، فقد قلت له إنها مجانية، وإنها ضمن دعمٍ من منظمة الصحة العالمية.
"لم تكن الحقيقة كذلك"
كانت كلفة الدواء من مالي الخاص، وكان القرار قراري، لكنني أردت للخير أن يصل إليه من دون أن يترك في نفسه جرحاً.
وأردت للعطاء أن يحفظ للرجل كبرياءه 
كما يحفظ الدواء جسده وروحه.
فرح الرجل جداً، وفرحتُ أنا أيضاً.
غير أنّ فرحتي لم تكن لأنني منحتُه دواءً، بل لأنني شعرت أنني استطعت أن أمدّ يدي إلى إنسانٍ من دون أن أجعله يشعر بأنه أدنى مني.
هناك عطاءٌ يضع المال في يد المحتاج، وهناك عطاءٌ يعيد إليه يده التي كاد الاضطرار أن يكسرها.
انصرف الرجل، وبقيتُ أفكر في زوجته وابنته، وفي ذلك الأب الذي اختار أن يؤخّر نفسه كي يتقدّم أحبّاؤه. 
ولم أكن أنتظر منه شكراً، ولا وعداً، ولا حتى أن يتذكّر وجهي بعد انقضاء المحنة؛ 
فقد كنت أؤمن أن بعض الأعمال تفقد شيئاً من نقائها حين نطالب الحياة بأن تعيد إلينا صداها.
ولعلّ ما لم يعرفه ذلك الرجل، ولا يعرفه إلا بعض المقرّبين مني ومن عائلتي، أنني كنت أخصّص من أموالي ما أستطيع لمساعدة المرضى في صيدليتي، وأعدّ ذلك حقاً إنسانياً قبل أن أعدّه فضيلةً شخصية.
لم أكن أبحث عن شهودٍ على ما أفعل ، ولم أكن أريد للخير أن يتحوّل إلى سيرةٍ أرويها عن نفسي. 
فاليد التي تعطي، في نظري، لا ينبغي أن تنشغل كثيراً بمراقبة صورتها في عيون الآخرين.
ولم أكن أدفع الأموال إلى رجال الدين، حتى لو أثار ذلك استغراب البعض أو استنكارهم؛ لأنني كنت أرى أن مساعدة المريض الذي يقف أمامي، ويحتاج إلى الدواء في لحظةٍ قد تفصل بين الحياة والموت، أولى عندي من أن أُسلم مالي إلى وسيطٍ لا أعرف كيف سيصل به إلى مستحقّه.
لم يكن ذلك حكماً على نيات الناس، ولا انتقاصاً من أحد؛ فقد يختار كل إنسان الطريق الذي يطمئن إليه ضميره. 
لكنه كان اختياري، وكانت قناعتي التي لم أساوم عليها: أن أرى أثر المال في عين إنسانٍ استعاد شيئاً من الأمل ، خيرٌ عندي من أن أكتفي بالاطمئنان إلى أنني أديت واجبي من بعيد.
أما ما بيني وبين الله، فلا أملك أن أصدر فيه حكماً لنفسي أو لغيري. 
أملك فقط أن أراجع نيّتي، وأن أجتهد في إخلاص عملي، وأن أترك الحكم الأخير لمن يعلم ما تخفي الصدور.
"مرّت الأعوام"
تغيّرت الفصول، وانحسر ضجيج الجائحة شيئاً فشيئاً، لكن بعض الوجوه بقيت معلّقة في الذاكرة، لا لأننا نعرف أسماءها جيداً، بل لأننا التقيناها في لحظةٍ كان فيها الإنسان عارياً من كلّ ما يتوهّم أنه يحميه.
ومضت قرابة ست سنوات على تلك الحادثة، حتى جاءني، يوم أمس، اتصالٌ من رقمٍ لا أعرفه.
أجبت:  نعم  تفضل، كان الصوت هادئاً، وفيه نبرةٌ مألوفة لم أستطع أن ألتقطها من اللحظة الأولى.
قال:
دكتور، اعتقد إنك لا تذكرني؟ 
أنا مُحارب عائد من معركة كورونا..!
أنا الرجل الذي جئتُك ذات يومٍ من أيام الموت، وكانت زوجتي وابنتي مصابتين بكورونا المحقق، وأعطيتني الدواء مجاناً، وقلت لي إنه هدية من منظمة الصحة العالمية.
صمت لحظة، ثم تابع:
لقد فرحتُ يومها فرحاً لا تتصوّره. 
دعوتُ لهم بالخير، وشكرتُ تلك المشاريع الإنسانية التي ظننت أنك تعمل من خلالها. 
لكنني عرفت، من أصدقاء لي في مهنة الطب، أنك دفعت ثمن الدواء من مالك الخاص، وأن الأمر لم يكن كما أخبرتني.
شعرتُ أن السنوات الستّ انطوت دفعةً واحدة، وأن ذلك الكيس الصغير الذي غادر الصيدلية يومها عاد إليّ الآن، محمّلاً بما لم أضعه فيه: ذاكرة رجلٍ "لم ينسى".
ثم قال إنه كان قد عاد على عجل إلى كندا، حيث تقيم عائلته وأحفاده، وإنه سيكون في العراق مطلع الأسبوع القادم، ويرجو أن أمنحه ساعةً من وقتي، ليأتي مع أفراد عائلته ويتعرّفوا إليّ.
وختم حديثه بعبارةٍ أربكتني بجمالها:
"أنا فخور بصداقتك"
لم أجد جواباً يليق بتلك اللحظة.
دمعت عيناي، وتعثّرت الكلمات في حلقي. ليس لأن الرجل اكتشف الحقيقة فحسب، بل لأنني اكتشفت أن ما ظننته مساعدةً عابرة في يومٍ مزدحم بالخوف، ظلّ حيّاً في ذاكرة إنسانٍ ست سنوات كاملة.
كم من عملٍ صغير نغادره وننساه، بينما يظلّ في حياة الآخرين أكبر مما تصوّرنا!
قلت له إنني سأكون في غاية السعادة بلقائه، وإنه وأسرته ضيوف العراق، ونحن أهله الذين ما زالوا يتمسّكون بأرضهم،  رغم ما مرّ عليهم من عواصف.
ابتسم صوته عبر الهاتف، ثم قال: فضلك سابق.. دكتور
دعني أردّ لك الدَّين بطريقتي الخاصة.
"اتفقنا على اللقاء"
وفي نهاية الحكاية، لم أعد أسأل نفسي: 
هل أخطأت حين أعطيت؟ 
بل صرت أسأل: 
ماذا يبقى من الإنسان حين تنتهي حاجته إلى المال، وتنطفئ أضواء المديح،زويغيب كل شاهدٍ على ما فعل؟
ربما يبقى دواءٌ في جسدٍ تعافى، أو دعاءٌ في قلبٍ لم يعرف اسم صاحبه، أو صداقةٌ تنضج في صمت ست سنوات، 
ثم تعود ذات صباحٍ عبر اتصالٍ هاتفي لتقول لنا إن الخير لا يضيع، حتى حين نظن أننا ألقيناه في بحر الأيام.
«أتراني أصبت أم أخطأت؟»
لم يكن سؤالي بحثاً عن تزكيةٍ، ولا رغبةً في أن يمنحني أحد شهادةً بحسن النية. 
كان سؤالاً مفتوحاً عن العلاقة بين الإيمان والعمل، بين ما نعتقده وما نفعله، بين المال الذي نخرجه من أيدينا والأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.
ليس المهم أن يعرف الناس من دفع ثمن الدواء، بل أن يحصل المريض عليه. 
وليس المهم أن يتداول الآخرون اسم المتصدّق، 
بل أن ينام طفلٌ مطمئناً لأن أمه استعادت عافيتها، 
وأن يشعر أبٌ أنه لم يُترك وحيداً في أكثر أيامه قسوة.
لقد تعلّمت من هذه الحكاية
أن الكرم ليس فائض المال دائماً:
بل قد يكون فائض الرحمة، 
وحسن اختيار الكلمات، والقدرة على إنقاذ إنسانٍ من غير أن نكشف جرحه أمام نفسه.
وتعلّمت أيضاً أن ستر المحتاج لا يقلّ أهميةً عن سدّ حاجته، وأن بعض الأكاذيب التي نرتكبها بدافع الرحمة ليست بحثاً عن مصلحة، بل محاولةٌ يائسة لحماية قلبٍ من انكسارٍ إضافي. 
ختاماً.. 
لا أريد من هذه الحكاية أن أبدو رجلاً صالحاً، ولا أن أضع نفسي في مقامٍ لا أملكه. 
أريد فقط أن أتذكّر، وأن أذكّر من يقرأني، بأن الإنسان حين يملك القدرة على تخفيف ألم إنسانٍ آخر، يصبح أمام امتحانٍ لا يحتاج إلى قاعةٍ ولا مراقبين: امتحان الضمير.
عندها سندرك جميعاً  أنني لم أمنحه دواءً مجانياً فحسب؛  بل منحتُه فرصةً كي يحتفظ بكرامته في لحظة ضعفد
ومنحني هو، بعد ست سنوات، ما لا تستطيع الأموال شراءه: يقيناً جديداً بأن الرحمة لا تنتهي بانتهاء الحاجة .
وأن المعروف قد يعود إلينا في هيئة صوتٍ مرتجف، أو دمعةٍ لا نستطيع ردّها، أو يدٍ تمتدّ إلينا لتقول: حان دوري الآن.
فالدواء الذي يبرئ الجسد قد ينتهي مفعوله، أما المعروف الذي يحفظ كرامة الإنسان، فقد يظلّ حيّاً في قلبه حتى آخر العمر.
وإذا كان لي أن أترك للقارئ شيئاً واحداً 
من هذه الحكاية:
حين تمدّ يدك إلى إنسانٍ محتاج، هل تريد أن تنقذه من ألمه فحسب، أم تريد أيضاً أن تنقذه من الشعور بأنه مكسور؟
ففي المسافة بين الأمرين
يولد المعنى الأعمق للإنسانية
فالدواء الذي يبرئ الجسد  سينتهي مفعوله يوماً ما، أما المعروف الذي يصون كرامة الإنسان، فسيبقى حيّاً في قلبه حتى آخر العمر.
خلاصة القول:
إنني أرى اليوم أن الصدق.. يمكنه أيضاً أن يكون رحيماً...  وأننا نستطيع أن نساعد الناس من دون أن ننسب الخير إلى جهةٍ لم تقدّمه اليهم... إذا أحسنّا صياغة العطاء وصيانة الكرامة معاً.
إنّ قيمة العمل الصالح ليست في الضجيج الذي يصنعه حول صاحبه، بل في الحياة التي يعيدها إلى الآخرين، وفي الكرامة التي يتركها سليمةً بعد انصرافه.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي