loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الرحلة الشعرية في (لا كف تودعهم) للشاعر شفيق العبادي

breakLine
2026-10-26

 السيد محمد الخباز
ناقد | سعودي

 

مسافرون ولا كفٌّ تودعهم
وراحلون وطور الطفِّ موعدهمْ
أغراهم الصبحُ فاجتازوه بوصلةً
إلى البعيد وحادي الصبح مُرشدهم
سالوا على شفة الصحراء فارتجلتْ
ملاحمًا طالما غنى بها غدهم
وأينعوا في سطور العشق أمنيةً
ما زال يطوي لها الأجيال منشدهم.

لم يكن انتزاع العبادي لعنوان مجموعته الشعرية الحسينية من هذه المقطوعة انتزاعًا اعتباطيًّا، كما نظن، بل هو انتزاع يدل على معرفة الحاسة الشعرية لدى العبادي بالموضع الذي تضع عليه يدها.
صحيحٌ أن الدلالة الأولى للعنوان مفصولاً عن سياقه في القصيدة ربما أخذ المتلقي لعالم الحزن والتفجع على رحيل الأحبة ومفارقتهم، لكنك حين تضعه في سياقه سيأخذك لدلالةٍ أخرى هي عالمُ الرحيل ذاته لا الحزنُ على من رحلوا. فالرحيلُ بمعجمه وبصوره وبكائناته هو عالم هذه المجموعة الشعرية.
ففي هذه المجموعة ستغدو رحلة الحسين وأصحابه في رمال الصحراء هي الفيلم السينمائي الذي سيصف العبادي مشاهده في قصيدةٍ تتلو قصيدة. سيتحول العبادي إلى عدسةٍ تصور وتصورُ، لكنها لا تصور الرحلة المادية التي تنتمي للتاريخ لأنها عدسة شعرية، بل تصور الرحلة الموازية لها في عالم الخلود، حيث ينتمي الحسين.
سيصور لنا العبادي كيف تعشب الصحراء من خطوات الحسين، وكيف سيتحول الحسين لنافذةٍ تهرِّبُ الغيم والمطر. كيف ستتحول الشمس والنجوم والأقمار في تلك الرحلة إلى وجوه الحسين وأصحابه تارة ووجوه الأمل والمجد تارةً أخرى. كيف ستتحول الصحراء إلى بحرٍ وشواطئ تطوفُ بها نوارسُ الشاعر. وكيف ستتحول أصوات قافلة الحسين لألحان وأناشيد وقصائد. لن يبقى شيء في هذه الرحلة على حاله حين تلتقطه هذه العدسة الشعرية.
ولو مررتَ على فهرس القصائد فقط فإنك لا شك لامسٌ لملامح هذه الرحلة من خلال عناوينها، كـ(مشى به الفجر) و(قمر في المهب) و(تغريبة الطف) و(شراع) و(على ساحل العمر) و(آنست غيمك) و(باكرت نجمك) و(يا غيمة الأسرار) وغيرها.
لكن هذه الرحلة لا تظهر كما هي في كل قصيدة بكامل تفاصيلها، فالعدسة الشعرية للعبادي تصور لك لقطة في قصيدة، ولقطة من زاويةٍ أخرى في قصيدةٍ ثانية، لتختبر مخيلة المتلقي التي عليها تجميع هذه اللقطات لتكمل وجه المشهد الناقص. 
في قصيدته (بكائية الزمن) سيصبح الحسين نجمًا يدل الشاعر في رحلته على الطريق بعدما عثرت خطاه:
عثرت خطاي وما برحتَ دليلي/ وحطمت بعدك مرغما قنديلي
وطويت بعدك كل معنى عشته/ أقتات منه طلاسم التأويل
يا أيها النجم الذي عصف الدجى/ بسناه فوق خرائب وحلول

وفي قصيدة (آنست غيمك) سيكون الحسين -بالإضافة لكونه قمرًا يحدو بالشاعر في رحلته- قصيدةً يأنسُ الشاعرُ بألحانها ومصدرًا للغيم الذي ترتشف منه كل العصور:
يا أيها النبأ (الحادي) بنا قمرا/ على جدار الليالي غاب أم ظهرا
أنت القصيدة من أقصى مآذنها/ آنست لحنك في طور الكلام سرى
أنت الغدير الذي من غيمه ارتشفت/ كل العصور ومن أعذاقها اعتصرا
أنت الغدير الذي ما شط نورسه/ عن خاطر الدهر إن أصْغَى وإن هدرا
وفي قصيدته (كماء المطر) سيكون الحسين ماء مطرٍ مسافر وجرحه صبحٌ:
نقي كماء المطر
يسافر لا عابئًا بقيود المسافات جرحك صبحاً
ليغسل بالورد ليل القدر
تسيل على قدميه الدروب اشتهاء
إلى ضفّةٍ طعمها البحرُ مُشرعة بالجهات ومسرجة بلعاب القمر

وفي قصيدته (واقف يغتابك الموت) سيكون الحسين نورسًا، وسيكون نافذة للغيم تطل على صحراء الشاعر فتعشب من مطرها أمنياته:
واقف يغتابك الموتُ وتقتاتُ حُمِيَّاك أباريق الحياة 
مُشْرِعًا نافذة الغيم على صحرائنا شوطا لعشب الأمنيات 
أنت من أمطرْتَها حبر المسافات فبعثرت سراب الكلمات 
أنت من أشعلت في أحداقها نافورة الفجر وفانوس الصلاة
لم تزل توسعني يا أيها النورس شطآنك تيها وشتات

وفي قصيدته (سلام) التي بلغت الغاية من الرشاقة والجمال سيكون الحسين مصدرًا للماء والضوء للقوافل الضائعة:
سلام
سلام
سلام
سلام
على بئر حرفكَ حَطَّ الكلام
إلى بئر حرفك سُقْنا قوافل أحرفنا
يا رفيع المقام
وحَوْلَ مَضاربه كم نصبنا من الشوق أرواحنا كالخيام
توضأ من ناره ألف ألف
كليم لمسرى الدروب العظام
وما زال في وحيه مطر
تراود معناه في كل عام
لنغري قناديلنا بسماه
شموسا
فناراتها
لا تنام

وفي قصيدته (مشى به الفجر) سيصرِّحُ الشاعر بأن رحلة الحسين لوحة باهرة حيث تتماهى صورة الحسين مع النور وهو يخطو بكربلاء وتعشب من خطواته الصحراء:
مشى به الفجر حُوذِيًّا لِمَوْعِده/ وسار بالمَجْدِ عَرَّافًا إلى غَدِه
وأينع الرمل من صحراء خطوته/ بكربلاء وكأس الموت في يده
في لوحة جَلَّ منْ أحْصَى شمائلها/ نافورة الشمس بعض من تمرده
مشـــــــــــــى وللأمل المعقود بارقة/ ما بين عينيهِ تُذكي من توقده
فجرًا أطل على الأَيَّامِ مُرْتَدِيًا/ نبوءة الصبح يَسْقِي يومَ مَوْلدِه

إن هذا الانبهار بهذه اللوحة الحسينية والتعلق برسمها مرةً بعد أخرى خلق بين الشاعر وبين كربلاء نوعًا من المشاعر تجعل الحنين يعاود الشاعر في كل عام، ولذلك يقول في قصيدته (سيدتي الذكرى):
أطلي
فقد أينع الشوق وانداح غيم الحنين
وجئنا على الوعد يا امرأة زادها الحزن والذكريات
لأبنائها الراحلين
لنقطف من شجر القلب أشهى القصائد
وننثرها بين كفيك
لكنها يا لفرط البلاهة من أحرف مطفآت
لكي ما تُضمّد أحزانها وتطير
وتبقين وحدك ترعين غرس الدماء
ولكنه العشق سيدتي فاعذريني
إذا ما خدشت حياء القصيدة
فجاءتك ترقص في موكب الحزن مأنوسة بالجراح
وقد راح غيري يروِّيك بالأدمع الخاثرات

إن هذا التباين الذي يشير له الشاعر بين علاقة (العشق) التي تربطه هو بكربلاء وعلاقة (الحزن) التي تربط الآخرين بها، هو مستوى من مستوى التباين الذي سيراه القارئ بين هذه المجموعة الشعرية والإنتاج الشعري الحسيني العام للمنصات الدينية التي كان العبادي أحد فرسانها في فترةٍ ما، حيثُ ستجد فيها نكهة مختلفة ولونًا شعريًّا مميَّزًا، يدلُّنا على أن العبادي كشاعرٍ متفرد استطاع الخروج عما هو مألوفٌ من قصائد المنصات الدينية.
على أننا لا نرى الخروج عن نمط القصائد الحسينية المملوءة بالحزن عنصرًا جماليًّا في حد ذاته إلا إذا اقترن بشاعريَّةٍ مميزة كما عند العبادي، فرب قصيدةٍ كلاسيكيةٍ حزينةٍ أجملُ من قصيدةٍ حديثة حاولت الخروجَ وهي لا تمتلك الشاعرية.
وعلى العموم، فإن ما يميز تجربة العبادي عن الآخرين أيضًا -بالإضافة لجمالها- هو أنه قام بتوثيقها في هذه المجموعة المطبوعة ولم يتركها لتضيع كما ضاعت تجارب غيره من فرسان المنصة الدينية. وقد يرى الشاعر لوجود المثبطات الكبيرة من أنه لا داعي لتوثيق تجربته، ولكن عدم توثيقه يضيِّع على النقاد والباحثين في التاريخ الشعري الاستفادة من رصد ملامح التجربة الشعرية الدينية في فترته الزمنية.

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي