مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سيد كاظم القريشي/كاتب إيراني
الرسالة الثالثة
الرسالة الثالثة كانت بخط يدي. توقفت لحظة. من الغريب أن تقرأ كلماتك بعد أربعة وثلاثين عاماً كما لو أن شخصاً آخر كتبها. كان ظرف الرسالة عسكريا. أخرجت الورقة. جلست قرب النافذة. وبدأت أقرأ.
«أهدي سلامي وتحياتي وأشواقي الحارة من صميم قلبي المشتاق لرؤيتكم...»
ابتسمت. لم تكن المشكلة في الكلمات. بل في اللغة نفسها. كيف كتبتُ هذا بالعربية؟ حتى الآن لا أعرف الجواب كاملاً. في المدرسة كنا نتعلم بالفارسية. العربية لم تكن سوى حصة صغيرة تمرّ بين عشرات الحصص. بضع قواعد. بعض النصوص. شيء من الإعراب. ثم ينتهي الدرس. أما هذه الرسالة فكانت مكتوبة بلغة أخرى. لغة لم أتعلمها في المدرسة. لغة جاءت من مكان أبعد.
أغلقت الرسالة. ونظرت إلى الجدار. رأيت بيتنا القديم.ليس في الواقع. بل في الذاكرة. كان بيتنا أول مدرسة عربية عرفتها. أمي تتحدث العربية. أبي يتحدث العربية. الجارات يتحدثن العربية. الباعة في السوق يتحدثون العربية. الأغاني التي كانت تخرج من المذياع أبي البُنّي عربية. حتى الشتائم كانت عربية. لم يكن أحد يفكر في الأمر. كانت اللغة جزءاً من الهواء. مثل رائحة الخبز. ومثل بخار الشاي. ومثل أصوات الديكة عند الفجر. في ذلك البيت تعلمت الكلام.
لكنني لم أتعلم الكتابة. وهنا كانت المشكلة. كنت أتكلم العربية بسهولة. أما حين أمسك القلم فأشعر أن الكلمات تهرب مني. كأن اللغة التي تعيش في لساني ترفض أن تنزل إلى الورق.
في المرحلة المتوسطة بدأت أبحث عن الكتب العربية. لم يكن الأمر سهلاً. كانت الكتب قليلة. وكنت أشتري أحياناً مجلات قديمة من بسطات الأرصفة. أقرأ كل شيء. القصص. الحوارات. المقالات. حتى الإعلانات.
كنت أبحث عن اللغة كما يبحث العطشان عن الماء. ولم أكن أعرف لماذا. في تلك السنوات لم أفكر يوماً أنني سأصبح كاتباً. الكتّاب كانوا يعيشون في عالم آخر. في الصور التي تنشرها المجلات. وفي الأسماء المطبوعة على أغلفة الكتب. أما أنا فكنت مجرد فتى يحاول أن يفهم لماذا يشعر بالراحة كلما قرأ نصاً عربياً جيداً.
في المعسكر ازداد الأمر غرابة. كنا مئات الجنود. كل واحد يحمل حقيبة صغيرة. وصورة عائلية. وبضع ذكريات. في الليل كان بعضهم يلعب الورق. وبعضهم ينام مبكراً. وبعضهم يحدق في السقف.
أما أنا فكنت أكتب الرسائل. ذات ليلة اقترب مني جندي. نظر إلى الورقة. ثم قال:
ـ بالعربية؟
قلت:
ـ نعم.
ـ لماذا؟
فكرت قليلاً.
ثم قلت:
ـ لأن أمي ستفهمها أكثر.
هز رأسه ومضى.
لكنني بقيت أفكر في الجواب. هل كنت أكتب لأمي فقط؟ أم كنت أكتب لنفسي أيضاً؟ في تلك الرسالة لم أكن أتحدث عن السياسة. ولا عن الفلسفة. ولا عن الأدب. كنت أسأل عن أمي. عن أبي. عن أخي أحمد. عن جواد. عن رقية. عن عفيفة. وأطلب من فاطمة أن تصنع شطيرة دجاج. أشياء صغيرة جداً.
لكنها اليوم تبدو أكبر من أي فكرة فلسفية. فبعد كل هذه السنوات لم يبق من تلك المرحلة سوى هذه التفاصيل. أما الشعارات الكبيرة فقد ذهبت كلها.
أعدت قراءة الرسالة. وشعرت أن شيئاً ما يتحرك بين السطور. لم يكن الحنين. كان شيء آخر. شيء يشبه البذرة. في ذلك الوقت لم أكن أعرف أنني أتعلم الكتابة. كنت أظن أنني أرسل أخباراً إلى البيت فقط. لكن الرسائل كانت تفعل شيئاً آخر في الخفاء. كانت تدربني. كل رسالة كانت محاولة لترتيب العالم بالكلمات. كل رسالة كانت بحثاً عن الجملة الصحيحة. عن الكلمة المناسبة. عن الطريقة التي تجعل الغائب حاضراً. ربما لهذا السبب بقيت الرسائل. بينما ضاعت أشياء كثيرة. تذكرت سؤال سالم باوي. من هو حمدان؟ ومن هو عبود؟ وما علاقة الرسائل بالكاتب الذي صار إليه الراوي؟ السؤال بدا بسيطاً. لكن الجواب لم يكن كذلك.
حمدان لم يكن معلماً للأدب. ولم يكن ناقداً. ولم يكن كاتباً مشهوراً. كان مجرد شاب يخدم في الجيش ويطلب طوابع بريد. وعبود لم يكن أستاذاً جامعياً. كان شاباً يشتكي من الملل ومن توقف مباريات الشطرنج. لكن المسألة ليست هنا. الإنسان لا يتعلم الأدب من الأدباء فقط. أحياناً يتعلمه من الحياة. من صديق ينتظر رسالة. ومن أم تنتظر ابنها. ومن جندي يكتب تحت ضوء مصباح ضعيف. كانت رسائل حمدان وعبود تقول لي شيئاً لم أفهمه إلا بعد سنوات. كانت تقول إن حياة الناس العاديين تستحق أن تُروى. وأن العالم الحقيقي لا يوجد في المدن الكبيرة.بل في الأحياء الصغيرة. وفي الطرق الترابية. وفي الرسائل التي يكتبها أشخاص لا يعرفهم أحد.
رفعت رأسي. كان الليل قد انتصف. الغرفة صامتة. والرسائل مبعثرة أمامي. شعرت فجأة أنني أعرف الراوي الذي أبحث عنه منذ بداية الرواية. إنه ليس الكاتب الذي أصبح مشهوراً بين أصدقائه. وليس الرجل الذي نشر الكتب. وليس الشيخ الذي تجاوز الشباب. الراوي الحقيقي هو ذلك الجندي. الشاب الذي كان يكتب إلى أمه بالعربية رغم أنه لم يتعلمها في المدرسة. والذي كان يخاف على أخيه الصغير أكثر مما يخاف على نفسه. والذي لم يكن يعرف أن الرسالة التي يكتبها ستبقى حية أكثر من كثير من البشر.
عندها فقط فهمت لماذا أحتفظ بهذه الأوراق. ليست لأنها وثائق. وليست لأنها ذكريات. بل لأنها آثار الطريق. الطريق الذي قادني من طفل يسمع العربية في المطبخ، إلى جندي يكتبها في المعسكر، إلى رجل يحاول الآن أن يبني من تلك الرسائل رواية.
ربما لم تصنعني الكتب وحدها. وربما لم تصنعني المدرسة. الذي صنعني، على الأرجح، هو ذلك الشوق الغامض الذي كان يدفعني كل مرة إلى فتح ورقة بيضاء والبدء بعبارة بسيطة:
"أهدي سلامي وتحياتي وأشواقي الحارة..."
ومن دون أن أدري، كانت الرواية قد بدأت منذ ذلك السطر ..
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي