مقالات ادبية واجتماعية وفنية
مصطفى حسين/مخرج عراقي
ليست كل الأفلام التي تُمنع من العرض قد خالفت القانون، وليست كل الأفلام التي تحصل على تصريح بالعرض تضمن أن تصل إلى المشاهد حتى النهاية. فالتاريخ السينمائي، عربيًا وعالميًا، يحتفظ بعشرات الأعمال التي اجتازت مراحل الإنتاج والرقابة، لكنها اصطدمت لاحقًا بقرارات المنع أو السحب من دور السينما، لتتحول من أعمال فنية إلى قضايا رأي عام.
في السينما العربية، لا تزال أفلام مثل «خمسة باب»، و «حلاوة روح»، و«حمام الملاطيلي»، و«المذنبون»، و«زائر الفجر»، و «درب الهوى» وأخيرًا «سفاح التجمع»، حاضرة في ذاكرة الجمهور، ليس بسبب قيمتها الفنية فقط، بل لأنها ارتبطت بقرارات منع أو سحب أو إيقاف أثارت جدلًا واسعًا بين صُنّاع السينما والجمهور والرقابة.
أما عالميًا، فقد واجهت أفلام مثل «برتقالة آلية»، و «محرقة آكلي لحوم البشر»، و«سالو أو 120 يومًا في سدوم»، و«الإغواء الأخير للمسيح»، و«طارد الأرواح الشريرة»، و«المقابلة»، و«شفرة دافنشي»، و«بيرسيبوليس» أشكالًا مختلفة من المنع أو الحظر في عدد من الدول، لأسباب تراوحت بين السياسة والدين والعنف والأخلاق.
ورغم اختلاف الأسباب، يبقى السؤال واحدًا كيف يصل فيلم إلى مرحلة العرض بعد أن يحصل على الموافقات القانونية، ثم يُمنع أو يُسحب بعد ساعات أو أيام من عرضه؟
إن الرقابة، بوصفها مؤسسة قانونية، تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم المحتوى المعروض، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الموافقة الرسمية إلى قرار قابل للتراجع تحت ضغط الجدل أو الحملات الإعلامية أو المستجدات القانونية. عندها يصبح الفيلم وكأنه يُحاكم مرتين الأولى داخل أروقة الرقابة، والثانية أمام الرأي العام.
ولا يقتصر أثر المنع على خسائر المنتج أو المخرج، بل يمتد إلى صورة الصناعة السينمائية نفسها. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمخرج يحتاج إلى وضوح في القوانين، والجمهور يحتاج إلى الثقة بأن الفيلم الذي حجز تذكرته لمشاهدته لن يختفي من دور العرض في اليوم التالي.
إن تاريخ السينما يثبت أن كثيرًا من الأفلام التي مُنعت في زمنها أصبحت لاحقًا علامات بارزة في تاريخ الفن السابع، فيما اختفت أفلام أخرى لأنها لم تكن تمتلك ما يجعلها تصمد أمام الزمن. وهذا يؤكد أن قرار المنع ليس معيارًا للحكم على القيمة الفنية، كما أن السماح بالعرض لا يعني بالضرورة قبول الجميع بمضمون الفيلم.
السينما لا تعيش في فراغ، بل تتفاعل مع المجتمع وقوانينه وثقافته، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى منظومة واضحة ومستقرة. فإذا كانت هناك أسباب تستوجب منع الفيلم، فمن الطبيعي أن تُحسم قبل إصدار ترخيص العرض، لا بعد أن تُضاء شاشة السينما ويجلس الجمهور في مقاعده.
فبين حق المجتمع في حماية قيمه، وحق الفنان في التعبير، تبقى العدالة الحقيقية في وضوح الإجراءات وثباتها. وعندما تصبح الموافقة النهائية فعلًا نهائيًا لا قرارًا مؤقتًا، تكسب الرقابة احترام الجميع، وتكسب السينما ما تحتاجه أكثر من أي شيء آخر الثقة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي