مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. فاضل علي/ باحث ومترجم عراقي
يأتي كتاب "اللامشروطة" ليطرح سؤالًا لافتًا يبدو للوهلة الأولى بعيد المنال: ما الذي يمكن أن يجمع بين مرجع ديني شيعي كالسيد علي السيستاني، وفيلسوف ليبرالي إنجليزي كجون لوك، أحد أبرز مؤسسي نظرية العقد الاجتماعي؟ الإجابة التي يقدّمها الكتاب ليست تبسيطية ولا اختزالية، بل هي محاولة جادة لتأطير الفكر السياسي عند السيستاني ضمن نظرية سياسية تنتمي في جذورها إلى مدرسة النجف الأشرف الأصولية، مع بيان قدرتها في الوقت ذاته على التكيّف مع مستجدات الواقع السياسي المعاصر.
ينطلق الكتاب من تفكيك الأساس الفقهي الذي تقوم عليه رؤية السيستاني للدولة: فبينما تُلزمه الأحكام الأولية بربط شرعية الحكم بالنبي والإمام ضمن إطار نظرية ثيوقراطية، فإن غياب الإمام المعصوم يفتح الباب أمام الأحكام الثانوية الاضطرارية، ليعود بذلك مفهوم شرعية الحكم إلى أصله الطبيعي: حق الناس في اختيار حاكمهم عبر الانتخاب. من هذه النقطة بالتحديد يبدأ المؤلف مقاربته المقارنة مع لوك، مستعرضًا التقاطعات بين الرؤيتين في أربع قضايا مركزية: شرعية السلطة، مفهوم الحرية، بنية الدولة، ومكانة حقوق الإنسان — مع تسجيل الفوارق التأصيلية بين من يستمد الشرعية من "موافقة المحكومين" ومن يستمدها من تكليف شرعي يتقاطع، عمليًا، مع إرادة الشعب ذاتها.
اللافت في هذا الجهد المقارن أنه لا يكتفي بعرض أوجه التشابه، بل يقف عند حدود الاختلاف بالقدر ذاته: فحرية التعبير عند لوك حق طبيعي مطلق، بينما تبقى عند السيستاني مقيّدة بمنظومة أخلاقية دينية تصون النظام العام؛ والدولة عند لوك كيان وظيفي علماني، بينما يقترب السيستاني من نموذج الدولة المدنية دون أن يتخلى عن مرجعية أخلاقية دينية موجِّهة. وهذا التوازن بين المشترك والمختلف هو ما يمنح المقارنة جديتها المنهجية، ويجنّبها فخّ الإسقاط القسري لأحد النموذجين على الآخر.
القسم الثاني من الكتاب يتحول من المقارنة الفلسفية إلى نقد منهجي حاد للدراسات الغربية التي تناولت السيستاني — من مهدي خلجي وباباك رحيمي، مرورًا بريناد منصور وناثان براون، وصولًا إلى تقارير مراكز مثل تشاتام هاوس وكارنيغي وتحليلات توبي دودج. يذهب المؤلف إلى أن هذه القراءات، رغم اختلاف مشاربها، تشترك في خطيئة منهجية واحدة: إسقاط أدوات تحليل السلطة الحديثة ومفاهيم الدولة البيروقراطية على كيان معرفي-ديني تحكمه شبكة من الضوابط الفقهية والعرفية الممتدة عبر قرون. فحين تُختزل المرجعية إلى "فاعل سياسي غير رسمي" أو "موازن داخلي" أو حتى "رجل دولة بحكمة رجل دين"، يضيع الفارق الجوهري بين من يتحرك بمنطق الربح والخسارة السياسية، ومن يتحرك بتكليف شرعي تحكمه قواعد فقهية كـ"حفظ النظام العام" و"دفع الأفسد بالفاسد".
يستند الكتاب في هذا النقد إلى نصوص المرجعية نفسها — الخطب والبيانات والفتاوى — بدل الاكتفاء بالتحليلات الصحفية والسياسية التي اعتمدت عليها أغلب الدراسات الغربية، وهو ما يمنحه ميزة توثيقية إضافية إلى جانب عمقه النظري.
بهذا الازدواج بين المقاربة المقارنة والنقد المعرفي، يقدّم "اللامشروطة" مساهمة تستحق الوقوف عندها في مشروع إعادة قراءة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من زاوية تحاورية مع الفلسفة السياسية الغربية، دون ذوبان في أي من الطرفين.


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي