مقالات ادبية واجتماعية وفنية
نجاح إبراهيم
ناقدة | سورية
وكمنْ يعرفُ أنه ضائعٌ في منفاه، راح يُمسكُ كلَّ حينٍ بصوّة يضعها على جوانبِ الطريق، ليستدلَّ بها تحسباً لعودةٍ أكيدة..
ولكن ما كلُّ ما يتمناه المرءُ يُدركه، وحسب المقولة الكُردية المعادِلة: التدبير الإنساني يصطدمُ بالإرادة العليا" بمعنى المرادُ يكونُ من الإنسان، والتقدير من االله.
في آخرِ دربٍ سلكه الشاعر بلند الحيدري كان قلبه الذي" توكأ على عكازةِ الذكرى، وراح يبحثُ عن أنقاضِ ما مرَّ.
درب يمضي به إلى آخرهِ وقفَ الشّاعر محتاراً بين أمرين؛ أن يحرقَ نفسه كطائر الفينيق الأسطوري فوق نخلة رآها بقربه، أو يقفَ في ظلّها ويفتشَ في أوراقه قبل أن يغيّبه المنحدر خلفه؟
توقفَ مفكراً، ثمَّ التفتَ إلى الوراء مثقلاً بما ينوءُ به جسده من مآس، وغربة، وتجارب، وهروب، وصمتٍ غير قليل، وعشر دواوين وبعض أوراق ، و حفنة أيام من عمر متبقٍّ في جعبةِ الحياة، ووصية موجعة: "يا ولدي
غيّر لونَ حذائك
أعتقْ تاريخك من قيدي
من خطوة
رِجلٍ ما عادت تبحثُ عن وعد".
واختار أحد الأمرّين، علقمٌ سيحتسيه لابدَّ من ذلك:
"ها إني إذ أحملُ رجليَّ
بكفي
وأهربُ من بعضٍ فيَّ إلى بعضي".
وصار هارباً هو الذي يرغبُ في البقاء والتجذّر، هارباً إلى النهايات، عابراً طرقاً، طاوياً ذكريات.
مم يهربُ؟
"سأهربُ من نفسي..
أهربُ من عينٍ تتوعدُ كالسّهم
ومن ألمٍ
يمتدُّ على مدِّ الظهرِ المحني كحقدِ القوس
يراودني.. وكما في كلِّ لياليّ
عواءُ الذئب
وشلوّ من رجلٍ يبحثُ في التوبة
عن معنى الذنب.
لا حيلة له، سيذعنُ إلى المغادرةِ، هو الذي كفرَ بكلِّ القيود، سيخضعُ وفي عروقه رفضٌ كبير، شعرَ بحزنه يكبرُ، وبمدنٍ في داخله تنهارُ، أراد أن يعودَ كما كان، تذكّرَ فيوضات تمرّده، لكن حبل المشنقة منصوبٌ هذه المرّة، ولن يمكّنه من تحقيقِ ما يدورُ في ذهنه، سينسى الآن أنه رجل التمردات.
أولى التمرّدات:
وُلدَ بلند الحيدري عام 1926 في السليمانية شمال العراق، في أسرة أرستقراطية، أبوه ضابط في الجيش ، وجدّه من شيوخ الإسلام في تركيا، وأمه ذات حسب ونسب، كلّ هذا لم يعْنهِ في شيء، ولم يغوه ليبقى، لم يطق الانضواء تحت جناحي هذه الأسرة الغنية، فهو في كنفها يشعرُ بالوحدة والفراغ، ولا أحد يحملُ معه ثقلَ الأيام.
"صوتُ السّاعة، ذات الصوت المكرور
لا أحد في الدّار سوايا
وغير عواء الكلب المسعور
وراء جدار الدار"..
فروحه المتمرّدة، الرّامحة صوبَ البعيد أسعفته في أن يتخذَ قراره ويهرب، نافراً من معاملة جدّته لأبيه الصّارمة، الجدّة التي تبنتْ تربيته بعد انفصال والديه. كان ذلك حين فهم الحياة قليلاً وهو في الرّابعة عشرة، قرّر قراراً صعباً ألا يكملَ دراسته، وأن يغادر، فتمرّد على المكان والزمان، ككلِّ كرديٍّ يعتبرُ التمرّدَ تعبيراً عن النضال والوقوف في وجهِ الظلمِ والاضطهاد، ففي أدبيات الكورد وتاريخهم السّياسي والقومي تؤكد على التمرد إذ يكون مرتبطاً بالحرية والوجود. ولأن بلند الحيدري حفيدُ كاوا الحداد، الذي يمثلُ انتفاضة على الظلم انطلق إلى بغداد حاملاً تطلعاتٍ كثيرة وأسئلة لا تحصى.
"يا أنتَ القادم من ألفِ سؤال:
من أنت ومنْ كنتَ... ومن أين أتيتَ؟
وبأيِّ الأفكارِ تعلمت؟"
في بغداد التقى بالشاعر حسين مردان، وراحا ينامان فوق أرصفة بغداد، تسكعا بما فيه الكفاية، ثم أنشآ مجلة " الزراعة" بعدها لم تطب لبلند الحيدري هذه الهناءة القصيرة، فقد تحرّك التمرّدُ في داخله من جديد، فعمل "عرضحالجي" في وزارة العدلية حيث يعملُ خاله داود باشا الحيدري وزيراً، ورأى بلند أنَّ هذا العمل يفرحه لأنه نوعٌ من التمرّد على الأسرة التي خنقته بتقاليدها وطقوسها، وحين شعرَ بالرّضى عن هذا الانتقام عافَ هذا العمل ليلتحقَ بوظيفةِ محاسب في شركة تهتمُّ بسباقِ الخيول، ثم تركَ العمل واستلم منصب مدير عام معرض بغداد، ثم مديراً للمركز الثقافي السوفيتي، ثم تمرّد على كلِّ هذه الأعمال ليتفرّغ للشعر فقط، وليستطيع التعبير من خلاله عمّا يُحسُّ به، ويحتضنُ أزمته، أزمة الإنسان وعلاقته بالوجود، سيجعله وسيلة تجسّد الهموم والشعور بالرّفض و مرارة الغربة .
ويشاءُ القدرُ أن يولد إبداعياً في نفس العام الذي ولد فيه بلند الحيدري ثلاثةُ شعراء عراقيين؛ البياتي والسيّاب ونازك الملائكة، ثلاثة وهو رابعهم حيث تمرّدوا على أسلوب الشعر القديم، رسموا مرحلة جديدة في تحوّل القصيدة العربية التي ظلّت لقرونٍ تسيرُ على نمط ٍواحدٍ بات مكروراً.
اعتمدَ هؤلاء الشعراء على نمطِ التفعيلة، وذلك في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، وما قاموا به يُعتبر منعطفاً شديداً، وولادة نسقٍ شعري جديد ولافت يعتمدُ على التفعيلة لا على البيت التقليدي ذي الشطرين. ربما كان ذلك تأثراً بالتجديد الذي حققه شعراء الثلاثينيات في الغرب.
يقالُ إنَّ هذا التجديد يرجعُ في الوطن العربي إلى وقتٍ نشرتْ فيه نازك الملائكة قصيدتها "الكوليرا" ولكنَّ النقاد اختلفوا في هذا، وراح كلٌّ منهم يفنّد من كان له السبق في التجديد وكتابة هذا الشعر الذي سميَ بالشعر الحرِّ، أو شعر التفعيلة، أو الشعرِ الحديث.
من بين هذه الآراء تقدّم الأستاذ كاظم جواد وقال إنَّ التجديد يُنسب إلى الشّاعر المهجري نسيب عريضة، فهو في رأيه من بدأ بكتابته وذلك في ديوانه "أرواح ميتة" الذي صدرَ عام 1920، ثم ألمحَ إلى أنَّ الشّاعر المصري خليل شيوب قد نشر عام 1943 قصيدته " الحديقة الميتة" في مجلة الرّسالة، لهذا يُعدُّ الشاعر الثاني الذي بادر بالتجديد ، بينما أحمد باكثير
قال إنَّ بدر شاكر السياب هو من حاولَ في تجديد الشّعر العربي واكتشافه قدرة البحر الكامل، وليونته على التفعيلة في قصيدته "السوق القديم" التي نُشرت في جريدة النفير البغدادية عام 1948، بيدَ أنَّ العديد من الشعراء قالوا بأن الأسبقية لنازك الملائكة حين نشرت قصيدتها الكوليرا عام 1947، متأثرة بوباء الكوليرا الذي اجتاح مصر في ذلك العام، وبعضهم نسب التجديد إلى البياتي وسعدي يوسف وكاظم جواد وآخرين...
ومع تباين هذه الآراء ظلَّ بلند الحيدري صامتاً غيرَ مبالٍ، وكأنه طوى كتاب تمرّداته واكتفى بالصمت والفرجة وعدم التعليق، أو مجادلة الآخرين، لكنَّ بدر شاكر السياب طلع بصوتٍ عالٍ وصرّح: "إن الأسبقية في التجديد كانت لبلند الحيدري حين صدر ديوانه - ديوان كامل وليس قصيدة واحدة- "خفقة الطين" عام 1946، فقد سبق به قصائد ودواوين الرّيادة كلّها". ذكرت هذا الناقدة الكويتية تهاني فجر في كتابها "ضلع المثلث" الصادر عام 2017 وأضافت أنَّ بلند الحيدري له الحقُّ التاريخي في الرّيادة . وهذا ما أكّده سابقاً طه حسين حين نشر لبلند الحيدري قصائد مُبكرة في مجلة "الكاتب المصري" حيث أشار إلى أنَّ بلنداً شاعرٌ ثوري، قدّم تياراً جديداً ، وهو يكتبُ قصيدة مختلفة ، وأشار إلى أن ديوانه "خفقة الطين" الصادر عام 1946 يُعتبرُ وثيقة ريادية لجيلٍ كاملٍ من شعراء الحداثة.
لكن بلنداً لم يُدلِ بدلوه في هذا الشأن مما سمع وقرأ من الأقوال، ولم يسعَ وراء الرّيادة، فقد كان كما وصفه مجايلوه خجولاً جداً، ومهذباً إلى أبعد حدٍّ، ومتواضعاً كبيراً، ولم يدفعه تمرّده الذي اشتُهر به كي يقابل اجحاف حقه، خاصة من نازك الملائكة التي كابرتْ ونسبتْ الرّيادة لنفسها متجاهلة ديوانه خفقة الطين الذي صدر عام 1946، بينما قصيدتها الكوليرا نُشرت في ديسمبر عام 1947، وفي كتابها قضايا الشعرِ الحرِّ أسقطت اسم بلند منه ، بينما البياتي صرح بريادته، وأكد عام 1952 بشهادة نقدية أقرَّ فيها بأنَّ بلند الحيدري شاعرٌ مبدعٌ في أساليبه الجديدة التي حققها.
وقد وصفه نزار قباني قائلاً: "إنَّ بلند الحيدري لن يتكرّر لأنَّ الملائكة لا يتكرّرون". وقد أشاد جبرا إبراهيم جبرا بقوّة شعره إذ قال: "لن تستطيع أن ترفع بيتاً واحداً من قصائده من دون أن تنزل فجوة ظاهرة في المعنى والتركيب".
لكن بلنداً لم يبالِ بكلِّ ما قيل عنه وعن أسبقيته في الرّيادة، أو أسبقية غيره، ولم يردْ على من تجاهله من النقاد، و لم يحاول لفت أنظارهم إلى ديوانه، كان زاهداً في ذلك. لقد شهد بأم عينه اغتيال حقّه في الرّيادة من مجايليه من الشعراء الذين طمسوا دوره وبقي صامتاً.
والسؤال الذي يطرح نفسه لم النقادُ والمنظّرون أغفلوا اسمه، ولم يذكروا فضله كما فعلوا مع نازك والبياتي والسياب في تلك الحقبة؟
بعضهم قال لأنه كُردي، فضنوا على الأعجمي بتفوقه، وبعضهم عزّا ذلك إلى عزوفه عن الشهرة فلا فرق عنده سواء ذُكر اسمه أم لا، بينما قال البعض إنَّ ترحاله المستمر وعدم مواكبته لما يجري في الساحة الأدبية العراقية هو السبب، وبعضهم قال هو ليس بمثقف إذ لم يُكملْ تعليمه مثل هؤلاء الرواد الثلاثة في العراق، والحقيقة أن الشاعر بلند كان يمضي في دربه زارعاً خطواته وحيداً، متألماً، زاهداً، منفياً ومجروحاً وحزيناً حتى لقّب بشاعرِ الحزن الأبدي، إذ لم تخلو قصيدة من قصائده من هذا الشعور الهادئ والمظلم الذي يكسوه، كان دائم التوق إلى وطنه وهو فيه، ويحنُّ إليه وهو تحتَ جناحيه، فما بالك حين يرتحلُ عنه ويحويه المنفى؟.
"بغداد
تلك الفاتنة السّمراء
لماذا ما عدتُ أراها
إلاَّ في ثوب حداد؟"
لقد غلبَ على شعره طابعُ الحبِّ المشوبِ بظروفٍ صعبة، مؤلمة، وصراعات عاشها الشاعر تجبره على أن يغادر أرض وطنه الذي حُرم منه.
لذا حملَ مشاعرَ الحزنِ والجرح، وراح يخبُّ في المنفى كأنه مطرود:
"ولدتُ خلفَ الباب
كبرتُ
خلفَ الباب
وخلفَ هذا الباب
كم مرّة صارَ الهوى في جسدي
مخالباً
وناب".
وكان ديوانه الأخير "دروب في المنفى" الذي صدر عام 1996 أي قبل ثلاثة أسابيع من رحيله كتب قصائده حين أدركَ أنَّ المنفى قدره المحتوم، فلا عجب أن يعنونه بهذا العنوان الدّال.
على دروب المنفى:
أخذ المنفى حيزاً كبيراً من حياة الشاعر، كان يهبط في أرضٍ ما زمناً، فتدفعه إلى أرض أخرى حتى كاد ألا يعرفها وألا تعرفه:
"وأنا منفيٌّ لا تعرفني أرض
فيضٌ إلاَّ من صمتٍ مرٍّ
إلاَّ من وحشة ميتٍ يبحثُ عن قبر
كيف أمدُّ إليكم سري؟
والسبب الرئيسي الذي دفعه لأن يغادر البلاد هو اعتقاله بعد انقلاب 8 شباط عام 1963، والذي أدّى بالإطاحة بالنظام، وبعدما صدر بحقه حكم الإعدام، بسبب انتماءاته السياسية وآرائه ومواقفه المعارضة وأفكاره اليسارية، لم ينفذ نتيجة صدور عفو عام في اللحظات الأخيرة من التنفيذ، اغتنم الشاعرُ الفرصة وغادر العراق إلى بيروت، إذ التقى بأدونيس حيث أسسا معاً مجلة "مواقف" وظلَّ في بيروت التي أحبّها، والتي أكسبته تجارب وخبرة، وكانت محطة مؤثرة في حياته إذ قال عنها: أدركتُ أنْ أكون ديمقراطياً، وأنْ أفهم الآخر، وأنْ أؤكد أنَّ كلَّ الأبواب مفتوحة بعضها على بعض.
ثم عاد إلى العراق مشوقاً، ولكن الأحوال السياسية لم تشجّعه على البقاء، رأى أموراً كثيرة قد تغيّرت، وجد اسمه مرفوعاً من مناهج التربية، وصوته الشعري متغيباً، وحضوره منسياً، وقتها حمل كلَّ ما يستطيع حمله من حبٍّ لبلده ومضى في بلاد الاغتراب حيث وصل إلى لندن عام 1982 وترأسَ تحرير مجلة "فنون عربية" مع جبرا إبراهيم جبرا وضياء العزاوي، وجد في المنفى مساحات تسعُ حراكه الأدبي، وقتها أسس اتحاد الديمقراطيين العراقيين عام 1983 وأراد بذلك أن يعوّض كلَّ شيءٍ ويرمم الرّوح المتعبة، لكنه المنفى ظلَّ قاسياً، وظلّت قصائده مشحونة بالحزن والقهر إذ كتبها بلغة شفافة تمتزجُ بين اللغة المفهومة والعمق الدلالي، لغة تستطيع أن توصل الأفكار وتخلقَ واقعاً يعبّر عن غربة الشاعر ومعاناته. قصائد كُتبت برؤية عميقة تعكسُ مرارة الاغتراب، والأرق، والشجن الذي لا يخبو:
"ما أكبر ذلَّ الغربة
ما أتعس أنْ لا تعرفَ نفسك إنساناً
إلاَّ في الغربة".
في كلِّ قصائد بلند الحيدري تجدُ أسلوباً ينحو باتجاه التكثيف والرّمزية، واستعمال لغة جميلة اعتمدَ فيها على الإيجاز المبهر، لا أعني قصر القصيدة وكلماتها القليلة، وإنما أعني ومضها الذاخر
فيها، والإشارات البرقية التي تعجُّ في داخلها:
"رغمَ الغدِ المفتوحِ في الأفق
أحسُّ بي
سأختنقُ
كأنني ابتلعت كلَّ أرضنا هواءها
ماءها
فليس في عروقها غير عروقي
تحترقُ".
مما يؤكد أنَّ بلندَاً الحيدري شاعرٌ محترفٌ يضعُ فكرته وينطلقُ بها في نصٍّ أنيق، شديد التكثيف، مفعم بالصور، وتغاصن الفنِّ مع الدراما، وتعدّد الأصوات والحوار.
حين قرأتُ قصائده للوهلة الأولى وجدتها خادعة كالسّراب، ما إن أقترب منها حتى تفرّ، وبعد أن كررتُ قراءتها وجدتُها تنفتحُ رموزها كزهرة اللوتس على تأويلات مبهرة، قصائد ذات صورٍ عميقةٍ تنمُّ عن نضجٍ فنيٍّ وفكري.
لقد آمن بلند بالشّعر كي يقطع مسافات في الدروب ليصعد إلى القمة، آمن به كقوّة قادرة على التعبير والتغيير، وإبداء الرأي بالقضايا الكبرى التي شغلته، قضايا الإنسان العربي وما يعتريه من قهر وظلم الحاكم وغربة واسعة لاتقف عند حدود الروح والجسد فحسب.
استطاع بشعره أن يكون صوتَ العراق، رافضاً الاستسلام و التبعية، رافضاً أن يكون فرداً من أفراد الجوقة المحنّطة. كانت به رغبة قوية للانعتاق من قيد الطاعة العمياء، رغبته هذه لم يحتكرها على نفسه، وإنما كانت رغبة كلِّ عراقي يعيش على أرض العراق من الشمال إلى الجنوب، فهو لم يدافع عن أبناء قوميته الكورد، ولم يفرّق بينهم وبين العراقيين العرب، كان جزءاً من عراق، ووجعاً من أوجاعه حتى كبر هذا الوجعُ وصار بحجم الإنسانية، وصار الإنسان أكبر معاناته، لهذا فضّل أن يهربَ من أسرة تضع ملعقة ذهبية في فمه مدى العمر ليتحوّل إلى شخص يسوحُ في شوارع وطنه، ويلتقط بعينيه وقلبه أوجاع ناسه.
في ديوانه "أغاني الحارس المتعب" والذي صدر عام 1971 نجدُ أنه كما في كلِّ دواوينه يجسّد فيه الشّاعر حالةَ القلق الوجودي والاغتراب الذي لا يفارقه، وهموم الإنسان الذي يواجهُ القهر والاستلاب، ففي الديوان ينصّب فيه الشاعرُ نفسه حارساً على كلِّ شيء، يحمّل نفسه هذا العناء، وهذا الوجع بلغة تمتازُ بالجرأة والأسئلة والموضوعات المهمة ، وقد أظهرَ في الديوان تغاصنَ الفنِّ التشكيلي وتوظيف الألوان، بالإضافة إلى تألق الحوار، وتعدّد الأصوات وتوظيف الجانب الدرامي داخل القصيدة:
"يرن.. يرن
من أنت؟
أما أنت
لقد أخطأت
وتموتُ على كفي السماعة".
عكسّ الدّيوان حالة الرّفض وتصدّي الحالات المأساوية، وبرع في تصوير الواقع المرير والصراع المتوتر.
بينما ديوانه "آخر الدّرب" فيندرجُ ضمن المرحلة المتأخرة من تجربته الشعرية، إذ تتسمُ قصائده بالعمق والفلسفة، والبحث عن الذات وأوجاع المنفى التي تكبرُ يوماً بعد يوم، وطعم الرّحيل المرِّ في الحلق، كما زخرفه الشاعر بتجربته السياسية، ومعاناته من السلطان الجائر، واصفاً مأساة وطن لم يستطع أن يكون حرّاً من قيود الظلم والفساد ،وطن مبتور الحلم:
"فإذا بالعراق وليمة
لجرادها
والدارُ نهبُ براثن
الغربان".
تبرزُ قدرةُ الشاعر بلند على انتقاء عناوين قصائده، بل وعناوين دواوينه، فالعناوين لا فتة ، متمّمة المعنى لبعضها البعض، تنبئُ عن أفكار الشاعر وحالته، وانفعالاته وهواجسه ومآسيه، تلخّصُ قصيدته المشربة بالحزن. كما تصلح العناوين لأن يكون كلُّ عنوان منها عنواناً لكلِّ قصيدة، بمعنى أنَّ كلَّ قصائده محملة بالآلام والأوجاع ومدارج القهر والمنفى..
من عناوين القصائد: يا أرض الأموات ..ألا موتي- عودة الضحية – الطرد – الطبيعة الغاضبة....."
أما عناوين دواوينه والتي تصلحُ أن تكونَ عناوين قصائد: خفقة الطين-خطوات في الغربة-دروب في المنفى...
والملاحظ أن عناوينه تُعدُّ عتبة رئيسية تقوم بوظيفة تعريفية لما في داخل النصِّ، إضافة إلى وظيفة جمالية تختزلُ وتدلُّ بهذا الإيجاز على معنى أكبر. لقد تعمّد الشاعرُ في قصائده لأن تكون مقتصدة لغوياً، مكثفة ودالة، كي تقوم بمحاورة وعي القارئ وثقافته وفتح شهيته على المتابعة.
آخر المحطات:
آخر عمره كان بلند الحيدري بصحبة الشّاعر اللبناني محمد علي فرحات حيث ذهبا لإحضار تذكرتي سفر، فتعرض الشاعر بلند لأزمة قلبية حادّة تطلبتْ دخوله المستشفى واجراء عمل جراحي وقبل دخوله كتب عن منفاه: كان المنفى قائماً في داخلي مذ وعيت نفسي، كان كائناً شعرياً وسياسياً في آن، والغربة بهذا المعنى كانت في داخلي.."
بعد العملية لم يحتملْ القلب بقية الألم وجرح القهر وخطوات المنفى التي اتسعت، فتوقف في السادس من آب عام 1996 عن سبعين عاماً ..
كان مدركاً أنه سيموتُ فكتبَ: "لكني وأنا في أرزل ما أملك من عمري، أخشى أن يدرك عيني الغمضُ".
كان حلمه أن يعودَ إلى وطنه ويهنأ بأرضه وسمائه وناسه، حلم أن يستدلَّ بالصّوى التي وضعها على جانبي الطريق، ولكنها اندثرت وعلاها تراب وغبار، وضاع الطريق، وانفتحت أمام خطوه دروبٌ كثيرة زادت من ضياعه، استنجد بتمرّده في ايجادها، لكنه لم يسعفه، فقد نفد كما كلِّ شيء يملكه، وظلَّ المنفى فاغراً فاه كالغول.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي