مقالات ادبية واجتماعية وفنية
شاهر خَضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
دخلتُ ديوان آية ضياء كما يدخل المرء ظلَّه ببطء، وبشيء من الخوف، وبشيء من المعرفة القديمة؛ ومنذ الصفحة الأولى أدركت أنني لا أقرأ شعراً، بل أقترب من جرح يتكلم بلغته الخاصة.
لم تربطني بالعراق معرفة مباشرة، ولم أزره في حياتي؛ لا لسوء الحظ فقط، بل لأن جواز السفر السوري كان يحمل تلك الجملة: "كل دول العالم ما عدا العراق"، لكن في الشعر - هيهات هيهات - أنّى للأنظمة أن تمنع الضوء والهواء؟ لم أكن أحمل جوازاً يسمح أو يمنع؛ فالشعر العراقي كان دائماً أُمّاً، ومن يحتاج إلى جواز ليعيش مع أمّه.
علاقتي بآية ضياء ليست علاقة معرفة، ولا علاقة مكان، وإنما علاقة نصّ فقط. الشعر وحده هو الذي يتيح لي الاقتراب، وهو الذي يحدد لي المسافة، وهو الذي يمنح قراءتي نبرتها الخاصة: قراءة لا تمدح، ولا تحاكم، وإنما تصغي.
{آية ضياء، المولودة في بغداد عام 1993، تنتمي إلى ذلك الجيل العراقي الذي فتح عينيه على بلد يتغير بعنف، ويحاول رغم ذلك أن يحتفظ بحساسيته الداخلية. هي صحفية وشاعرة وقاصّة في أدب الطفل، حاصلة على شهادة الماجستير في الإعلام من جامعة بغداد، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق. فازت بجائزة الإبداع العراقي لعام 2023 عن قصتها "قندول في الظلام" في فئة أدب الطفل، كما صدر لها في هذا المجال "قندول في الظلام"، وشاركت في "كتاب الحكايات" بجزأيه الأول والثاني، إلى جانب مجموعتها الشعرية "شيءٌ وعشرون شوقاً".
لكن هذه المعلومات، على أهميتها، لا تقول الكثير عن صوتها الشعري الحقيقي؛ فالشعر، في النهاية، لا يُعرَّف بالسيرة بقدر ما يُعرَّف بالطريقة التي يرتجف بها داخل اللغة.}
منذ الصفحة الأولى، أدركت أنني لا أدخل ديواناً، بل أدخل حساسية كاملة. لم أفتح "شيءٌ وعشرون شوقاً" كما يفتح القارئ كتاباً جديداً، ولا كما يفتح الناقد ملفاً يريد تفكيكه. دخلته كما يدخل المنفيُّ بيتاً لم يره من قبل، لكنه يشعر أنه يعرفه بطريقة غامضة. هذا النوع من الدخول لا يشبه القراءة، بل يشبه الاستقبال؛ استقبال لغة لا تريد أن تُعجِب، ولا تريد أن تُدهِش، بل تريد أن تقول ما لا يمكن قوله بطريقة أخرى.
العنوان نفسه كان أول إشارة إلى أنني أمام تجربة لا تبحث عن الوضوح. "شيءٌ وعشرون شوقاً" عنوان لا يقدّم نفسه بسهولة. كلمة "شيء" ليست تنكيراً لغوياً، بل مساحة مفتوحة لا يمكن ضبطها. ثم يأتي الرقم "عشرون" ليضيف طبقة أخرى من الالتباس. الشوق هنا ليس حالة عاطفية، ولا رغبة، ولا حنيناً؛ الشوق يتحول إلى مقياس وجودي، إلى طريقة لفهم الذات. العنوان لا يشرح الديوان، لكنه يضع القارئ في مكانه الصحيح: أنت لا تدخل نصوصاً تبحث عن يقين، بل نصوصاً تبحث عن شكل للعيش.
تبدأ الشاعرة بـ "يا…". نداء بلا منادى، صوت بلا وجهة. هذا النداء لا يستدعي أحداً، بل يكشف فراغ العلاقة بين الذات والعالم. تقول:
"يا .. تذهبُ حافيةً
يا .. تعودُ بأكثر من قدم
يا .. تخرجُ بنيّةِ التيه"
هذه الجمل لا تصف حركة، بل تصف حالة. التيه ليس نتيجة، بل قرار. والعودة ليست نجاة، بل عودة محمّلة بما لم يكن موجوداً أصلاً. ثم تأتي الجملة التي تلخّص طبيعة الديوان كله:
"جمع نداءات تتنكّر بزيّ يد"
الصوت يتحول إلى حركة، واللغة إلى جسد، والكتابة إلى محاولة للإمساك بالعالم قبل أن يفلت. آية ضياء لا تكتب بالكلمات، بل تكتب بما يشبه الأعضاء: اليد، الرئة، العين، الجلد. كل عضو يتحول إلى وسيلة تعبير.
في قصيدة "وجود مقدس" تقول:
"لا تلمني إن لم أعد أنا كما أنا أو لم يعد لدمي لون الكرز"
هذه الجملة لا تتعلق بتبدّل نفسي، بل بتبدّل داخلي عميق. الدم نفسه تغيّر. اللون الذي كان رمزاً للحياة فقد دلالته. هذا توصيف لحالة وجودية: كائن خرج من الحرب ولم يعد يعرف شكله، جسد فقد قدرته على التعرف إلى ذاته.
وفي "صور للنسيان" تقول:
"في الصورة إثبات لذنب الوجه في الذاكرة"
الصورة ليست ذكرى، بل وثيقة اتهام. الوجه مذنب لأنه تغيّر، والذاكرة تتحول إلى محكمة لا تبرّئ أحداً. الذاكرة هنا ليست حنيناً، بل عبئاً؛ كل صورة تذكّر الذات بما فقدته، وبما لم يعد ممكناً استعادته.
وحين نتابع قراءة الديوان، نكتشف أن آية ضياء لا تكتب القصيدة بوصفها وحدة مستقلة، وإنما بوصفها جزءاً من موجة نفسية واحدة تمتد من أول الكتاب إلى آخره. هذا الامتداد لا يأتي من تكرار الموضوعات، بل من طبيعة التجربة نفسها. الشاعرة تتحرك داخل حالة واحدة تتغير طبقاتها فقط، كأن الديوان كله نَفَس واحد طويل، يتصاعد وينخفض، لكنه لا ينقطع. هكذا يتكوّن أمامنا سرد داخلي لا مجموعة قصائد متجاورة؛ خيط واحد يربط الذاكرة والحنين والخوف والجسد والوطن واللغة، لا بوصفها موضوعات، بل طبقات لصوت واحد يحاول أن يجد صيغة للتعبير عن نفسه.
هذا النوع من الاعتراف لا يأتي من رغبة في البوح، وإنما من ضرورة. الشاعرة لا تكتب لتشارك الآخرين تجربتها، بل لأنها لا تملك وسيلة أخرى لفهم ما حدث لها. الكتابة هنا محاولة لإعادة ترتيب الداخل، ولهذا تبدو الجمل كأنها تُكتب من مكان ضيق لا يسمح بالاستطراد ولا بالزينة اللغوية. كل جملة تأتي محمّلة بما يكفي من المعنى لتقف وحدها.
في مقابل هذا الانكشاف الداخلي، تظهر الذاكرة بوصفها عبئاً. في قصيدة "صور للنسيان" تقول:
"في الصورة إثبات لذنب الوجه في الذاكرة"
الصورة، التي يُفترض أن تحفظ اللحظة، تتحول إلى دليل إدانة. الوجه مذنب لأنه تغيّر، ولأن الزمن ترك عليه أثراً لا يمكن إخفاؤه. الذاكرة هنا ليست مساحة للحنين، بل للمحاسبة. كل صورة تذكّر الذات بما فقدته، وبما لم يعد ممكناً استعادته.
هذا التحول في وظيفة الذاكرة ينعكس على بنية الديوان كله. النصوص لا تتعامل مع الماضي بوصفه زمناً منتهياً، بل بوصفه حاضراً مستمراً. الماضي لا يعود في شكل ذكريات، بل في شكل أثر: أثر على الجسد، على اللغة، على طريقة النظر إلى الأشياء. ولهذا يبدو الحاضر هشّاً، كأنه مبني على طبقات من الوجع القديم.
من هنا نفهم لماذا يظهر العراق في الديوان بوصفه جسداً لا بوصفه وطناً. العراق ليس مكاناً، بل ندبة. وحين تقول الشاعرة:
"لكل عراقي تسعة وثلاثون موتاً يشبهه"
فهي لا تقدّم رقماً، بل خلاصة تجربة. العراقي لا يموت مرة واحدة، بل على مراحل. الموت هنا ليس نهاية، بل جزء من الحياة اليومية. ولهذا يتحول الوجع العراقي في الديوان إلى وجع وجودي، لا سياسي.
في هذا الجزء من الديوان، يتضح أن آية ضياء لا تبحث عن شاهد، ولا عن قارئ يتعاطف معها، ولا عن ناقد يفسّر نصوصها. هي تكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي تتيح لها أن ترى نفسها بوضوح. ولهذا تبدو النصوص موجّهة إلى الداخل، لا إلى الخارج. القارئ يدخل إلى هذا العالم لأنه يصادف الباب مفتوحاً، لا لأنه مدعو.
هذه السردية الداخلية، التي لا تعتمد على الحكاية بل على تراكم الإحساس، هي ما يمنح الديوان قوته. إنه ليس ديواناً عن الحزن، بل عن بنية الحزن. وليس ديواناً عن العراق، بل عن الإنسان الذي يحاول أن يعيش رغم العراق.
حين نصل إلى منتصف الديوان، يتضح أن الحب عند آية ضياء ليس موضوعاً عاطفياً، ولا مساحة للطمأنينة، بل اختبار للهوية. الحب لا يظهر كعلاقة بين شخصين، بل كعلاقة بين الذات وظلّها. في قصيدة "ذات بيننا" تقول:
"كان يمكن أن لا أحبك لو أنني ببساطة لم أخلق"
الجملة لا تبدأ من الحب، بل من الوجود نفسه. كأن الشاعرة تقول إن الحب ليس خياراً، بل نتيجة لكونها موجودة. الوجود هنا عبء، لا حالة ثابتة. ثم تضيف:
"أو أن أكون معنىً طفولياً بدلاً عني ينام إلى جانب دميته الصوفية في الليل"
هذه الصورة تكشف رغبة في العودة إلى مرحلة ما قبل الوعي؛ مرحلة لا تعرف الحرب ولا الفقد. الطفولة هنا ليست حنيناً، بل احتمالاً للنجاة. الذات تريد أن تتخفف من ثقلها، أن تعود إلى بساطة لم تعد ممكنة. وهكذا يصبح الحب مرتبطاً بالذاكرة، والذاكرة نفسها مشروخة؛ كل ذكرى تحمل أثراً، وكل أثر يذكّر الذات بما فقدته.
وفي مقطع آخر تقول:
"أحالف حظ الشبابيك فجراً حين أطل منها لكي أراك وعجباً… لا أراك"
هذا ليس غياباً عاطفياً، بل اختلالاً في العلاقة مع العالم. الشاعرة تبحث عن الآخر في نافذة يفترض أن تمنح رؤية واضحة، لكن الرؤية لا تتحقق. الشبابيك تتحول إلى مساحة لا تقدّم شيئاً. الفشل هنا ليس فشل حب، بل فشل تواصل. المسافة بين الذات والآخر ليست عاطفية، بل وجودية.
من هنا نفهم أن الشاعرة لا تكتب الحب بوصفه علاقة، بل بوصفه محاولة لترميم ما لا يمكن ترميمه. الحب ليس وعداً، هو محاولة للنجاة. ليس اكتمالاً، إنما جهداً للحفاظ على ما تبقى من الذات. ولهذا تبدو قصائد الحب محاطة بظلّ من الخوف: الخوف من الفقد، من التلاشي، من أن يتحول الحب نفسه إلى جرح جديد.
هذا الخوف لا يظهر كضعف، بل كحساسية عالية تجاه العالم. آية ضياء تكتب من منطقة قريبة جداً من هشاشتها، لكنها لا تسقط فيها. الهشاشة هنا ليست انكساراً، بل قدرة على الإحساس. قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. ولهذا تبدو الجمل كأنها تُكتب من مكان داخلي جداً، مكان لا يسمح بالزينة ولا بالاستعراض.
في هذا السياق، يظهر الوطن مرة أخرى، لكن لا بوصفه مكاناً، بل بوصفه أثراً. العراق في هذا الديوان جرح لا يلتئم. تقول:
"لم أكن أعلم بأن أوطان ذات بيننا ستمنع النهر من الانعطاف"
النهر، رمز الانسياب، يفقد قدرته على الحركة. الوطن يتحول إلى عائق نفسي، لا سياسي. العودة ليست مستحيلة جغرافياً، بل مستحيلة داخلياً. الوطن هنا ليس مكاناً يعود إليه الإنسان، إنما مكان يعود إليه الألم.
هذا الفهم للوطن ينعكس على فهم الشاعرة للزمن. الزمن في الديوان لا يتحرك إلى الأمام، إنما يدور. الماضي يعود باستمرار، والحاضر يتكرر، والمستقبل يبدو غامضاً. كل لحظة تحمل أثراً من لحظة سابقة، وكل محاولة للانفصال عن الماضي تفشل لأن الماضي ليس زمناً، بل أثراً متجدداً.
في هذا الجزء من الديوان، يتضح أن الشاعرة لا تبحث عن حل ولا عن مخرج. النصوص لا تقدّم إجابات، إنما أسئلة معلّقة تتعلق بالهوية والحب والذاكرة والقدرة على الاستمرار. الشاعرة لا تشرح، بل تصف ما يحدث للذات حين تصبح محاصرة بين الماضي والحاضر، بين الحب والفقد، بين الذاكرة والواقع.
هذه السردية الداخلية تمنح الديوان عمقه الحقيقي. الشاعرة لا تكتب عن التجربة... تكتب من داخلها. ولهذا تبدو النصوص كأنها تُكتب لحظة قراءتها، كأنها لا تزال تتشكل. القارئ لا يقرأ نصاً مكتملاً، بل تجربة تتنفس.
حين نقترب من القسم الأخير من الديوان، يتضح أن آية ضياء لا تتعامل مع الموت بوصفه نهاية، إنما بوصفه خبراً يومياً. الموت ليس حدثاً استثنائياً، بل جزء من الإيقاع العام للحياة. في قصيدة "كسرة صبر" تقول:
"لكل عراقي تسعة وثلاثون موتاً يشبهه"
هذه الجملة لا تبدو مبالغة، إنما توصيفاً دقيقاً لواقع عاشه جيل كامل. العراقي لا يموت مرة واحدة، بل على مراحل: في الحرب، في الانتظار، في الغربة، في الخوف، وفي محاولات النجاة التي لا تكتمل. الموت هنا ليس نهاية، إنه تجربة متكررة تترك أثراً جديداً على الجسد والذاكرة.
هذا الوعي يجعل النصوص تتحرك داخل منطقة لا تبحث عن معنى للموت، ولا تحاول تفسيره. الشاعرة لا تقدّم رؤية فلسفية أو رمزية، بل تقدّم تجربة إنسان يعيش في بيئة يكون فيها الموت جزءاً من الحياة اليومية. ولهذا لا تتعامل النصوص مع الموت بوصفه فناءً، بل شرطاً يفرض على الإنسان إعادة التفكير في كل شيء: في الحب، في الذاكرة، في الوطن، وفي نفسه.
في قصيدة "غريق" يظهر هذا بوضوح. تقول:
"الغريق الذي في رأسي يجرب النجاة برئتين معطلتين"
الغرق هنا يحدث في الداخل. الرئتان المعطلتان ليستا وصفاً جسدياً، إنما توصيفاً لغياب القدرة على التنفس النفسي. النجاة ليست مستحيلة، لكنها غير مضمونة. كل محاولة تواجه عائقاً داخلياً. ثم تضيف:
"ولا حوت هنا يحسم الأمر"
لا معجزة، لا قوة خارقة، لا خلاص جاهز. النجاة، إن حدثت، تحدث ببطء وبجهد وبلا ضمانات.
في هذا السياق، يظهر الوطن مرة أخرى، لكن بوصفه زمناً متجمّداً. الوطن لا يتحرك ولا يتطور، بل يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى عبء. العودة إلى الوطن تبدو عودة إلى جرح لا يلتئم.
وفي نهاية الديوان، لا تقدّم الشاعرة خاتمة ولا خلاصاً. النصوص تنتهي كما بدأت: مفتوحة على الأسئلة والاحتمالات والغموض. وهذا ليس نقصاً، إنما جزء من طبيعة التجربة. التجربة التي تصفها الشاعرة ليست تجربة يمكن إغلاقها، بل تجربة مستمرة، لا تنتهي بنهاية القصيدة ولا بنهاية الديوان.
حين نصل إلى الصفحات الأخيرة، يتضح أن آية ضياء لا تكتب من أجل أن تُفهم، بل من أجل أن تتنفس. الكتابة هنا وسيلة للبقاء، لا للتواصل. كل جملة تأتي كأنها محاولة لإعادة ترتيب الداخل. ولهذا تبدو القصائد كأنها تُكتب من منطقة ضيقة لا تسمح بالثرثرة أو الزينة. كل كلمة تأتي في مكانها لأنها لا تملك مكاناً آخر تذهب إليه.
في هذا الجزء من الديوان، يظهر الشوق بوصفه مركز التجربة. الشوق ليس رغبة في الوصول أو اللقاء، الشوق رغبة في الاستمرار. يتحول إلى طريقة للعيش. تقول الشاعرة:
"أما في سجلات الشوق إليك فأنا أبلغ منه شيئاً وعشرين شوقاً"
هذه الجملة لا تتعلق بالعدد، بل بالفائض. الشوق هنا حالة تتجاوز اللغة، ولهذا تلجأ الشاعرة إلى الرقم لا للدقة، إنما للإشارة إلى ما لا يمكن التعبير عنه. الرقم اعتراف بالعجز، لا تحديد.
هذا الفائض ينعكس على بنية الديوان. النصوص لا تبحث عن اكتمال أو نهاية، إنها تتحرك داخل دائرة من الإحساس المتراكم. كل قصيدة تضيف طبقة جديدة، لا لأنها تكمل ما قبلها، بل لأنها تكشف جانباً آخر من التجربة. التجربة ليست خطّية، إنها دائرية؛ كل شيء يعود ويتغير في الوقت نفسه.
في هذا السياق، تظهر الطبيعة بوصفها شاهداً. الشجرة، النافذة، النهر، الضوء… كلها تتحول إلى عناصر تشارك في التجربة. تقول الشاعرة:
"حتى الشجرة التي اتكأت عليها بالأمس وأنا أكتب لك اشتياقاً… ستسترق النظر أيضاً لمعرفة من يقع عليه كل هذا الشوق"
الشجرة لا تبقى خارج التجربة، بل تدخل فيها. الطبيعة تتحول إلى شريك، والشوق يفيض إلى الخارج حتى يصبح العالم نفسه جزءاً من التجربة. التفاصيل الصغيرة تتحول إلى عناصر أساسية في بناء الحساسية الشعرية.
وفي مقابل هذا الفيض، يظهر الخوف. ليس خوفاً من الفقد أو الموت، بل خوف من أن يتحول الشوق نفسه إلى عبء. الشوق، الذي يُفترض أن يكون دافعاً للحياة، يتحول إلى ثقل. الذات تتردد بين الاقتراب والابتعاد: الاقتراب يحمل خطر الانكشاف، والابتعاد يحمل خطر الفقد. هذه الثنائية تجعل التجربة أكثر تعقيداً.
هذا التعليق يظهر في الجمل القصيرة التي تأتي كأنها تنهيدة. الجمل لا تشرح، إنما تشير. الإشارة ليست ضعفاً، بل وعياً بأن اللغة لا تستطيع قول كل شيء. ولهذا تلجأ الشاعرة إلى الصمت. الصمت هنا جزء من اللغة، يكمل ما لا تستطيع الكلمات قوله.
وفي هذا الجزء من الديوان، يتضح أن آية ضياء لا تبحث عن قارئ يفهمها، إنما عن قارئ يصغي. الإصغاء فعل مشاركة، لا تلقٍّ. القارئ يدخل النص بوصفه شاهداً، لا متلقياً. الشاعرة لا تطلب موافقة أو تعاطفاً، بل حضوراً. والحضور هو الشرط الوحيد لفهم التجربة.
هذا النوع من الكتابة يجعل الديوان يتحرك داخل منطقة حساسة جداً؛ منطقة لا تعتمد على الحكاية أو البناء التقليدي، بل على الإحساس. الإحساس هو البنية، وهو اللغة، وهو الزمن. ولهذا تبدو القصائد كأنها تُكتب من داخل لحظة واحدة ممتدة لا تنتهي.
*
على مستوى البنية الشعرية، ينتمي ديوان "شيء وعشرون شوقاً" إلى ما يمكن تسميته بـ شعر الحساسية الداخلية؛ شعر لا يقوم على البناء الملحمي ولا على التجريب اللغوي الصارخ، بل على تكثيف التجربة الوجدانية في صور قصيرة ومشحونة بإيقاع نفسي. هذا النوع من الكتابة يضع الشاعرة ضمن جيل يكتب من الداخل، لا من الخارج؛ جيل يبحث عن جملة صادقة أكثر مما يبحث عن "قصيدة كبرى".
لغة الديوان تقوم على اقتصاد محسوب: جمل قصيرة، انقطاعات، مساحات بيضاء، وصور تعتمد على المفارقة أكثر من اعتمادها على البلاغة التقليدية. هذا الاقتصاد ليس ضعفاً، بل جزء من طبيعة التجربة. فالشاعرة لا تكتب لتُدهش، إنما لتُفصح. ولهذا تأتي الصور محمولة على توتر داخلي، لا على زخرفة لغوية. قوة الديوان تكمن في هذه الهشاشة المتماسكة: هشاشة الإحساس، وتماسك الجملة.
أما الصورة الشعرية، فتميل إلى تجسيد المعنوي: الشوق يتحول إلى جسد، الذاكرة إلى محكمة، الغرق يحدث في الرأس، واللغة تمشي على أطراف أصابعها. هذا التجسيد يمنح النصوص طابعاً حسياً، ويجعل التجربة أقرب إلى القارئ، ويكشف قدرة الشاعرة على تحويل التجربة الشخصية إلى صورة قابلة للتداول الشعري.
ويضع الديوان نفسه ضمن سياق الشعر العراقي المعاصر، حيث تتقدم ثيمتا الفقد والنجاة المؤجلة بوصفهما محورين أساسيين. غير أن الشاعرة لا تكتب الفقد بوصفه حدثاً سياسياً، بل بوصفه تجربة وجودية. الفقد هنا ليس فقد وطن فقط، إنه فقد يقين ولغة وصورة قديمة للذات.
وإذا كان يمكن تسجيل ملاحظة نقدية، فهي أن بعض المقاطع تعتمد على الإحساس أكثر من اعتمادها على البناء، مما يجعل بعض القصائد تبدو كأنها ومضات أكثر من كونها نصوصاً مكتملة. غير أن هذا جزء من طبيعة الكتابة نفسها: كتابة تعتمد على اللمعة، لا على الامتداد.
في المحصلة، يقدم الديوان صوتاً شاباً يكتب بصدق، ويبحث عن لغته الخاصة، ويقف في منطقة حساسة بين التجربة الشخصية والوجدان الجمعي. وهو ديوان لا يدّعي أكثر مما يقدّم، لكنه يترك أثراً واضحاً:
أثر اللغة حين تكتب خوفها وشوقها بيد واحدة.
أيّار – مايو 2026
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي