مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
كان يا ما كان، في سالفِ الدَّهرِ والزَّمان، نظامٌ ديكتاتوري يحكم أحد البلدان، وكان رجال ذلك النظام يطربون لأغاني الغجريات، وتستهويهم طريقة رقص الغانيات، حتى غَدَوْنَ جزءاً من منظومةِ الحُكم، لا مجرَّد تسليةٍ لرجاله.
وللحُكّامِ فيما يعشقون مذاهب، وإن كانت أذواقهم تستحقُّ الكثير من التَّأمُّل! المشكلةُ، في نظري، ليست في أنَّ أصحابَ السُّلطةِ يحبُّون الغناء والرَّقص... المشكلةُ أنَّ خزينة الدولة نفسها كانت مفتوحة أمام أولئك النسوة حتى أصبحنَ يتمتعنَ بنفوذٍ يوازي نفوذ الوزراء والمديرين العامين. وكانت إحداهنَّ قادرة، بإشارة من إصبعها، أن تخلعَ مسؤولاً كبيراً من منصبه كما تخلع فردة حذائها في نهاية السهرة.
ثمَّ تغيّر النظام. وجاء نظامٌ جديد، وارتدى رجال السُّلطة فيه ثياباً جديدةً، ورفعوا شعاراتٍ جديدةً، وتحدَّثوا عن دولةٍ جديدةٍ... لكن يبدو أنَّ هناك شيئاً واحداً لم يتغيَّر: ذائقة السياسيين!
فالغجرياتُ تراجعنَ إلى الصفوفِ الخلفيةِ، وحلّت الفاشنستات محلَّهُنَّ!
والفاشنستا، لمن لا يعرف، كلمة حديثة نسبياً، ظهرت وانتشرت في تسعينات القرن الماضي، وهي في أصلها مزيج من كلمتي Fashion وista، وتشير إلى شخص يهتم بالموضة أو يعمل في مجالها، ويشتهر غالباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أما في بلاد القهرين، فقد اكتسبت الكلمة معنى آخر أكثر ارتباطاً بالواقع المحلّي: فتاة تعمل في صالون للحلاقة أو التجميل أو تقليم الأظافر، ثمَّ تجد نفسها، بطريقةٍ لا يفهمُها علم الاقتصاد ولا علم السياسة، جالسة في المقعد الأول في ملعبٍ أو نادٍ، أو في مناسبةٍ لا علاقة لها بأدوات الحلاقة؛ ليس هذا وحسب بل وتحمل في حقيبتها جوازَ سفرٍ ديبلوماسي!
وهنا تبدأ الحكاية...
رجالُ السُّلطةِ الجُدُد يقعونَ في حبائلِ الفاشنستات، لتنتقلَ العلاقةُ من صفحات التواصل الاجتماعي إلى صالونات النفوذ، ومن الصُّورِ إلى المقاعدِ الأولى، ومن المجاملةِ إلى الامتيازات.
فجأةً، أصبحت بعض الوجوه الجديدة تظهر في الأماكن العامَّة إلى جانبِ أصحابِ القرار. مقاعدُ الصفوفِ الأولى تُحجز لهُنَّ، والسيارات الفارهة تقف أمام بيوتِهنَّ، والهدايا تتدفَّق عليهنَّ، والعطايا تُنثر حولهنَّ كما تُنثر فوق العروس الدراهم.
ولكن هناك مشكلةٌ صغيرةٌ في هذه الحكاية العجيبة:
من أين يأتي المال؟
الحبُّ، كما نعرفُ، قد يكون أعمى، لكنَّه ليس مجاناً!
فالفاشنستا تريد سيّارة، والرِّحلة تريد طيّارة، والسَّهرة تريد فاتورة، والصُّورة تريد فستاناً، والفستانُ يريد حقيبة، والحقيبة تريد مجوهرات، والمجوهرات تريد مزيداً من المال... وهكذا تتحوَّل العلاقة العاطفية إلى مشروع استثماري، وتتحوَّل خزينة الدولة، في نظر الفاسد، إلى حسابٍ مصرفي شخصي مفتوح على مدارِ الساعة.
لذا فالسَّرقةُ لم تتوقَّفْ عند حدود الملايين، بل تجاوزت المليارات لتصلَ سقف الترليونات...
المفارقة العجيبة أيضاً هي أنَّ جدول الأعمال الديني لبعض الفاسدين، ممن يتربَّعون على المناصب العليا، أكثر انتظاماً من جدول أعمالهم الحكومي!
تسأل عن المسؤول: أين هو؟
يأتيك الجواب سريعاً: في العُمرة!
ثمَّ تعود فتسأل عنه بعد أسابيع قليلة، فتجد الجواب نفسه: في العُمرة!
ليس في العُمرة ما يُعيب، بطبيعة الحال؛ العيبُ أن تتحوَّلَ العبادةُ إلى ستارٍ يختبئ خلفه الفاسد... العيب أن يظُنَّ الفاسدُ أنَّ الطريقَ إلى بيتِ الله سيكفِّر ذنوبه، ولكن هيهات! فالدعاء لا يحوّل المال الحرام إلى مالٍ حلال، والعُمرةُ لا تمنحُ الفاسدَ براءةً من أموال الناس،
ولا تجعل وجهه أكثر نورانيّاً، إذا كان المال الذي في جيبه قد جاء من خزينةٍ أطفأ نورها!
فالذي يمدُّ يده إلى المال العام مرَّةً، قد يمدُّها ثانيةً، ثمَّ ثالثة، حتى تفقد الأرقام معناها. ملايين، ثمَّ عشرات الملايين، ثمَّ مليارات، وربما أرقام تتجاوز قدرة المواطن العادي على تصوّرها، بينما صاحبُ السُّلطة لا يزال يتحدَّث عن «خدمة الشعب» بوجهٍ ثابت!
والمفارقة أنَّ المال المسروق لا يختفي دائماً.
فحين تبدأ ساعة الحساب، تبدأ الأموالُ نفسها في الظُّهور كأنَّها كانت تنتظر لحظةً مناسبة لتشهدَ على أصحابِها.
أموالٌ مرصوصةٌ داخل الجدران.
وأموالٌ مدفونةٌ تحت الأرض.
وثرواتٌ مخبّأةٌ في أماكنَ لا تخطر على بالِ عفريتٍ من الجن.
وما كان بالأمس «راتباً» أو «هديّةً» أو «مكرمةً» يظهر فجأةً على هيئةِ ثروةٍ لا يستطيع صاحبها تفسير مصدرِها حتى لو امتلك قاموساً كاملاً من الحيل والأعذار.
إسطبلات للخيول، ومقتنيات فاخرة، وأثاث لا يعرف المواطن العادي إن كان يصلح لبيت أم لقصر، بل وحتى ملابس داخلية مصنوعة من الذهب الخالص!
وهنا تبلغ القصة ذروة العبث.
ففي بلدٍ يستطيع فيه الفاسد أن يحوّلَ المال العام إلى ذهبٍ يلامس جسده، هناك مواطن لا يستطيع تحويل راتبه إلى قوتٍ يكفيه حتى منتصف الشَّهر.
المشكلة، إذن، ليست في الفاشنستا وحدها.
فالفاشنستا ليست هي التي وقَّعت على عقودِ الدَّولة، ولا هي التي تتحكَّمُ بالموازنة، ولا هي التي تملك مفاتيح الخزينة. المشكلة في المسؤولِ الذي جعل المالَ العام وسيلةً لإرضاء نزواته، وفي منظومةٍ سمحت له أن يتعاملَ مع أموالِ الناس وكأنَّها إرث عائلي.
قد تتغير أسماء النساء.
قد تتغير الموضة.
قد تنتقل السُّلطة من نظامٍ إلى آخر.
وقد تختفي الغجريات لتظهر الفاشنستات، ثمَّ تظهرُ بعدهُنّ فئة أخرى تحمل اسماً أكثر حداثة، لكنَّ شيئاً واحداً سيبقى هو نفسه ما لم تتغيَّر القواعد:
حين يغيب القانون، يتحوَّل صاحب السُّلطة إلى مموّلٍ، ويتحوَّل المالُ العام إلى غنيمةٍ، ويتحوَّل الجمالُ إلى بابٍ من أبوابِ النفوذ، وتتحوَّل الدَّولة كلُّها إلى صالون كبير... يدفع المواطن فاتورته!
هذه هي المأساة الحقيقية.
ليست المأساة أنَّ مسؤولاً أحبَّ فاشنستا.
المأساة أنَّ يدفعَ الشَّعبُ ثمنَ هذا الحبّ. وليست المشكلة أن يعيشَ شخصٌ حياةً مترفة.
المشكلة أن يكون ثمن التَّرف مدرسةً لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريقاً لم يُعبَّد، ووظيفةً لم تُخلق، ومالاً اقتُطع من قوت الناس ثمَّ انتهى به المطاف مدفوناً تحت الأرض أو مرصوصاً داخل جدار.
في الأنظمة التي تحترم المال العام، يسأل المسؤول: كم أنفقنا؟.
أما في الأنظمة التي استوطنها الفساد، فيسأل الفاسد سؤالاً مختلفاً تماماً:
كم بقي في الخزينة؟
والفرق بين السؤالين هو، باختصار، الفرق بين الدولة والغنيمة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي