loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

حين تكتب مريم كي لا يموت ما عاشته: قراءة ثقافية في رواية (برديات مريم) للكاتب عمار الجماعي

breakLine
2026-08-22

نجاة نوار
ناقدة | تونسية

 

تُقرأ بعض النصوص مرّة واحدة ثمّ تُطوى وتُنسى أحداثها، وتبقى كتب أخرى تحفر فينا طويلا بعد أن نطويها. فأثرها لا ينتهي بانتهاء آخر صفحة بل يبدأ وهذا ما لمسته اثر قراءة أولى لرواية ”برديات مريم” للكاتب عمار الجماعي، لأن ما تقترحه الرواية لم يكن استعادة لسنوات ثقيلة من تاريخ تونس، و سرد لمحنة امرأة وجدت نفسها في قلب مطاردة سياسية عاتية، وإنما هو محاولة للاقتراب من الإنسان حين تدهمه السياسة في أكثر أمكنته حميمية: بيته، وأسرته، وأطفاله، وذاكرته، وحتى نومه.
إنها رواية تجعلنا نعيد طرح السؤال القديم: ماذا يحدث للإنسان حين تتحول الدولة إلى مصدر خوف؟ وماذا يبقى منه حين يصبح الاختباء أسلوب حياة، ويغدو الصمت ضرورة، ويصبح الطفل شاهدًا على ما لا ينبغي لطفل أن يعرفه؟ لكن السؤال الأهم، في تقديري، هو: كيف تستطيع امرأة أن تحمي معنى الحياة في زمن يُراد لها فيه أن تعيش على هامشها؟
هنا تبدأ مريم. وهنا تبدأ الرواية.
1/من «ملف» مجهول إلى امرأة لها اسم:
من المداخل الفنية اللافتة في الرواية أن الحكاية لا تصل إلينا بوصفها تجربة عاشها الكاتب بنفسه، وإنما تأتيه في صورة ملف يحمله إليه صديق، فيقرأه ويتأثر به، ثم يقرر أن يحول مادته إلى رواية. قد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد حيلة سردية، لكنه في العمق يفتح سؤالًا ثقافيًا بالغ الأهمية: من يملك حق رواية التاريخ؟
فالتاريخ الرسمي غالبًا ما يحتفظ بأسماء السياسيين، والقرارات، والمحاكمات، والسجون، والبيانات، والتواريخ الكبرى. أما ما يحدث في البيوت، وفي قلوب الأمهات، وفي عيون الأطفال، وفي ساعات الانتظار الطويلة، فكثيرًا ما يتوارى خارج الوثيقة الرسمية. وهنا تأتي مريم. إنها لا تدخل الرواية بوصفها اسمًا من أسماء التاريخ، وإنما بوصفها امرأة كانت في الظل، ثم خرجت من الظل إلى الكتابة. وهذا الانتقال بالغ الدلالة. لقد كانت في البداية زوجة رجل مطلوب، وأمًا لأطفال، وامرأة تخشى المداهمة. ثم يمنحها السرد اسمها الخاص: مريم. إن التسمية هنا فعل استعادة للهوية. فالسلطة حين تطارد الإنسان قد تحوله إلى «مطلوب»، أو «متهم»، أو «قريب فلان»، أو «ملف». أما الرواية فتعيد إليه اسمه وملامحه وذاكرته. لذلك يمكن اعتبار الكتابة في هذا النصّ تجاوز لوظيفة نقل الحكاية، حكاية مريم، لأنّها قامت بعملية استرداد سردي لإنسانيتها.
2/ مريم هامش الحكاية أم مركزها؟:
كان بإمكان الكاتب أن يجعل زوج مريم محور الرواية: الرجل المطلوب، والمطارد، والأسير، والهارب، والمنفي. لكنه اختار شيئًا أكثر جرأة و دلالة؛ أفرد مريم بالرواية. اختيار يغير زاوية النظر. فالرجل هو موضوع المطاردة، لكن مريم هي التي تعيش الامتداد اليومي للمطاردة. هو يُعتقل وهي تنتظر. هو يتعرض للتعذيب وهي تتلقى آثاره النفسية. هو يهرب. وهي تحمل الأطفال وتواجه المجهول. هو يعبر الحدود وهي تدبر أمر الأسرة، وتحمي أبناءها، وتعلمهم، وتخفي خوفها. ومن هنا لا تعود مريم مجرد «زوجة المعارض»، وإنما تصبح شاهدًا على الكلفة الإنسانية والسيكولوجية للفعل السياسي. إنها تنقلنا من السؤال: ماذا فعلت السلطة بالرجل؟ إلى سؤال أعمق: ماذا فعلت السلطة بعائلته؟
وهذا هو أحد أذكى التحولات في الرواية.
3/ العنف لا يحتاج دائمًا إلى الضرب:
يصل إلى مريم في إحدى صفحات النصّ، نبأ اعتقال زوجها، ويظهر أثر التعذيب في جسده. لكن الرواية لا تجعل العنف محصورًا في جسد المعتقل. مريم تنتظر أمام الباب بعين على الشارع، وأخرى على ولدها. وتسأل: هل هو بخير؟ وهل عذبوه؟ هل رأيته؟ هل لمسته؟ وهل اعترف بشيء؟ إنها أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تكشف نوعًا آخر من العنف يمكن أن نسميه عنف الانتظار. فالمرأة التي لا تعرف ما يحدث لزوجها تعيش في منطقة معلقة بين الأمل والموت. لا خبر كاملًا. ولا يقين. ولا قدرة على الفعل. وهنا يصبح الجهل نفسه أداة للتعذيب. فالسلطة لا تحتاج أن تصل إلى مريم في كل لحظة كي تؤلمها؛ يكفي أن تجعلها تعيش في ظل احتمال ما قد يحدث. وهذا ما يجعل القمع في الرواية يتجاوز الجسد إلى الوعي.
4/ من السجن  المكان إلى سجون النفس:
من أكثر الجمل دلالة والتي أوردها الكاتب في وصف معاناة مريم تلك التي تصف كيف صنعت المداهمات من الخوف كوابيس ومخايل نهار، حتى صارت مريم «تنام مستيقظة». هذه ليست مبالغة شعرية. إنها وصف لحالة  من الهشاشة الانسانية العميقة: حين يصبح الخطر جزءًا من البنية الداخلية للإنسان فالمداهمة قد تقع مرة، لكن الخوف منها يتكرر كل يوم: صوت على الباب. خطوات في الشارع. أزيزسيارة تتوقف. طرقات مفاجئة. رجل غريب. كلها تتحول إلى احتمالات. وهكذا تنجح السلطة في شيء أشد قسوة من المراقبة المباشرة: تجعل الإنسان يراقب العالم بنفسه، في كل لحظة، خوفًا من أن يأتي الخطر. وهنا يتحول البيت إلى جهاز إنذار دائم. لا نوم كاملًا. لا راحة كاملة ولا ثقة كاملة. حتى الهدوء يصبح مشبوهًا.
5/ البيت: ملجأ أم سجن؟
في «برديات مريم» تتخذ صورة البيت معنى مركبًا. فالبيت هو المكان الذي يفترض أن يمنح الإنسان أمانه الأول. لكن بيت مريم يتحول إلى شيء آخر. إنه يحميها من الخارج، لكنه يعزلها عن الحياة. يمنحها سقفًا، لكنه يسلبها الحركة. ويحفظ أبناءها من الخطر، لكنه يحرمهم من المدرسة والشارع والطفولة الطبيعية. إنه ملجأ وسجن في الوقت نفسه. ومن هنا تصبح صورة «الكهف» في نهاية الرواية ذات دلالة عميقة. فالكهف ليس مكانًا جغرافيًا فقط. إنه حالة الانكفاء الإجباري التي تركها الخوف في داخل مريم. ولهذا حين تطلب في النهاية العودة إلى «كهفها»، لا ينبغي أن نقرأ الأمر ببساطة على أنه رغبة في الرجوع إلى مكان قديم؛ بل يمكن أن نفهمه باعتباره تعبيرًا عن إنسانة تغيرت علاقتها بالعالم. لقد صار العالم الخارجي، بعد كل ما عاشته، أقل ألفة من المكان الذي كان في يوم ما سجنها.
6/ بطولة امرأة لا تحمل سلاحا: 
في أحد أكثر مشاهد الرواية توتّرا، تقف مريم وحدها أمام رجال السّلطة في مداهمة لبيتها تطلب منهم ألّا يطلقوا النّار فهي “وحيدة وخائفة”. هذه اللحظة على إيجازها تختزل جوهر شخصيتها. مريم لا تدخل معركة سياسية ولا تحمل سلاحًا. ولم ترفع شعاراتٍ ولم تحاول أن تكون بطلة بالمعنى التقليدي. إنها امرأة تريد أن تحمي أطفالها. وهنا تعيد الرواية تعريف البطولة. البطولة ليست دائمًا أن تنتصر على الخصم؛ أحيانًا تكون أن تمنع الخصم من تحطيم من تحب.  سلاح مريم الوحيد هو صبرها وكتمانها وفطنتها وأمومتها وقدرتها على الاحتمال.. ثم تأتي الكتابة، في النهاية، بوصفها السلاح الذي يبقى بعد أن تهدأ المطاردات. السّلاح الذي به ستقاوم ارتعاش يديها ورحلات التّيه التي تُغيّبها.
7/  الأمومة فعل مقاومة:
لا تقاوم مريم من أجل بقائها الشخصي. إنها تقاوم من أجل الأطفال بالدّرجة الأولى فحين يُحرمون من المدرسة، لا تسمح للحرمان بأن يتحول إلى مصير فتصنع لهم مدرسة في البيت. وتتحول هي إلى المعلمة والمربية. وهنا تبلغ الأمومة في الرواية مستوى يتجاوز وظيفتها العاطفية التقليدية.  وتصبح فعلًا ثقافيًا مقاومًا. فالسلطة تستطيع أن تمنع المدرسة، لكنها لا تستطيع أن تمنع الأم من فتح كتاب. يمكنها أن تغلق باب المؤسسة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تغلق باب المعرفة. وهكذا يصبح التعليم شكلًا من أشكال النجاة. بل ربما كان أهم من النجاة الجسدية. لأن مريم لا تريد لأبنائها أن يبقوا أحياء فقط؛ تريد لهم أن يبقوا أسوياء، قادرين على التفكير، وقادرين على بناء حياة مختلفة.
8/ الطفولة المُصادرة:
يتجاوز حضور الأطفال في الرواية الدور الثانوي ليصبحوا مقياسا حيّا لما تفعله السياسة حين تتسلّل إلى الحياة اليومية؛ طفل بلا مدرسة، طفل لا يركض في الشارع، طفل يتعلم الخوف قبل أن يتعلم العالم، طفل يعرف معنى المداهمة قبل أن يعرف معنى اللعب. وحين يصل هؤلاء الأطفال إلى سويسرا، يكون طلبهم الأول شديد البساطة: أن يصرخوا ملء حناجرهم. أن يركضوا في أمان. أن يتنفسوا هواءً حرًا. ما أبسط هذه المطالب، وما أعمقها!
فالرواية لا تقدم الحرية في صورة نظرية مجردة. لا تتحدث عنها باعتبارها مفهومًا سياسيًا فقط. إنها تجعل الحرية شيئًا يمكن للطفل أن يتنفسه. شيئًا يمكن أن يمارسه بالجسد. أن يجري ويصرخ ويذهب إلى المدرسة. أن يفتح الباب دون خوف. وهنا يصبح الاستبداد أكثر وضوحًا: إنه لايكتفي بمنع الإنسان من الكلام السياسي، بل يمتدّ ليُصادر الحياة الطبيعية.
9/  المدرسة التي لم يدخلها الأطفال تكتشف تفوقهم:
من أجمل مفارقات الرواية أن اللجنة التعليمية في سويسرا تكتشف أن مستوى أبناء مريم العلمي أعلى من مستوى أطفال درسوا في مدارسهم. هذه المفارقة تحمل معنى رمزيًا كبيرًا.
لقد حُرم الأطفال من المدرسة، لكنهم لم يُحرموا من التعليم. فمريم صنعت، في قلب العزلة، مؤسسة بديلة. وهنا يمكن القول إن الرواية تضع أمامنا صورتين متقابلتين: المؤسسة التي حُرم منها الأطفال، والأم التي رفضت أن تحرمهم من المعرفة. وهو ما يجعل مريم في الوقت نفسه:أمًا، ومعلمة، وحارسة، وصانعة مستقبل. فإذا كانت بالكتابة تحفظ الماضي، فإنّها بالتعليم تحفظ المستقبل. وهذه الثنائية مهمة جدًا في بناء شخصية مريم.
10/ الجسد السياسي: حين تدخل الدولة إلى الأسرة
تكشف الرواية كذلك أن السياسة لا تقف عند أبواب البيوت. إنها تدخل إلى الأسرة. تراقبها وتسأل عن الزوج وتستجوب الطفل وتضغط على المرأة وتحول البيت إلى مساحة للاشتباه. حتى تفاصيل الإنجاب والحياة العائلية تظهر في سياق سياسي يضع الجسد والأسرة ضمن دائرة تدخل السلطة. وهنا يمكن قراءة الرواية من زاوية الجسد السياسي: الجسد الذي لا يعود ملكًا لصاحبه بالكامل حين تصبح السلطة معنية بمراقبته وتحديد حركته وعلاقاته واختياراته. ولعل مأساة مريم تكمن في أن حياتها الخاصة لم تعد خاصة. الحب يصبح مشتبَهًا. الأمومة تصبح موضع ضغط. الأطفال يصبحون وسيلة للوصول إلى الأب. والبيت يصبح عنوانًا للمراقبة. وهكذا يتضح أن الاستبداد لا يحتاج إلى أن يسكن القصر الرئاسي وأجهزة الدّولة فقط؛ يمكنه أن يصل إلى غرفة نوم الأسرة ويحكم قبضته إنه يمدّ أذرعه إلى الأرحام “يحدّد نسلها” لكنّ مريم تقاوم سياستهم بآخر أسلحة المرأة: خصوبة رحمها.
11/ من تونس إلى الجزائر: المنفى لا ينهي الخوف:
حين تتمكن مريم وأسرتها من مغادرة تونس والوصول إلى الجزائر بلا جوازات ولا وثائق رسمية، يبدو الأمر وكأن الأسرة أخيرًا نجت. لكن الرواية ترفض هذا الخلاص السهل. فالجزائر أيضا تعيش اضطرابات وملاحقات ومداهمات ودماء. وهكذا لم يوقف المنفى  المأساة بل انتقل بها إلى مكان آخر. مريم تهرب من وطنها، لكنها لا تستطيع الهرب من الخوف الذي استقر في داخلها. وهذا واحد من أكثر أبعاد الرواية إنسانية: الحدود تستطيع أن تنقل الجسد، لكنها لا تمحو ذاكرة الخوف و يصبح المنفى الحقيقي أن تحمل وطنك الجريح داخلك حيثما ذهبت.
12/ سويسرا: حين تكتشف الأسرة معنى الأشياء العادية:
الوصول إلى سويسرا لم يكن انتقالا مجاليا من بلد إلى بلد بل انتقال نفسي من الخوف إلى الحياة. من “الكهف” إلى المدرسة ومن الخوف إلى  الأمان ومن الهدوء إلى الحركة ومن ظلمة الكهف  إلى ضوء الشارع وهوائه. هذه الأشياء التي تبدو عادية بالنسبة إلى معظم الناس تصبح بالنسبة إلى أبناء مريم امتيازات مكتشفة حديثًا. وهنا تنجح الرواية في أن تجعل القارئ يرى قيمة الأشياء التي اعتادها. قد لا نفكر كثيرًا في معنى أن يذهب الطفل إلى المدرسة. لكن حين نقرأ عن طفل حُرم منها، نفهم أن المدرسة ليست بناءً فقط. إنها اعتراف بالمستقبل. وقد لا نفكر في معنى أن يركض الطفل في الشارع. لكن حين نعرف أن طفلًا عاش سنوات وهو يخشى الأعين والمداهمات، نفهم أن الركض قد يكون صورة كاملة للحرية.
13/ العودة إلى تونس: حين يعود الجسد ويبقى المنفى:
ثم تأتي الثورة ويسقط النظام وتعود مريم إلى تونس. لكن الرواية لا تقدم العودة بوصفها خاتمة سعيدة جاهزة. وهنا تكمن شجاعتها الفنية. فالإنسان لا يتعافى تلقائيًا لأن النظام تغير. السنوات لا تعود والأطفال الذين كبروا في الخفاء لا يستعيدون طفولتهم. والمرأة التي عاشت الخوف طويلًا لا تستطيع أن تأمر قلبها بأن ينساه. تزور مريم قبري والديها. وهذه الزيارة وحدها تحمل ثقل سنوات المنفى كلها. كأنها تعود لتبحث عن الجزء الذي فقدته من نفسها. لكنها تنهار أمام حال الوطن. وتطلب العودة إلى كهفها. وهنا تبلغ الرواية إحدى أكثر مفارقاتها إيلامًا: الوطن الذي عادت إليه لم يعد قادرًا على أن يكون وطنها الداخلي. لقد رحل الأحبّة وتغيرت البلاد و تغيّرت مريم أيضًا.
ربما يكون من السهل أن نروي سقوط النظام باعتباره نهاية الحكاية. لكن عمار الجماعي لا يفعل ذلك. فهو يترك مريم أمام سؤال أكثر قسوة:هل يكفي أن يسقط الظالم كي يشفى المظلوم؟
الجواب الذي تقترحه الرواية يبدو أقرب إلى النفي. فالسياسة تستطيع أن تتغير بسرعة. أما النفس البشرية فتحتاج إلى زمن آخر. قد ينتهي الاعتقال، لكن الخوف يبقى. قد تُفتح الأبواب، لكن اليد تظل مترددة في لمس المقبض. قد يسقط النظام، لكن ذاكرة المداهمة تظل مستيقظة. وهنا تصبح مريم مثالًا على أن العدالة السياسية لا تكتمل إلا بالاعتراف بالجرح الإنساني.
14/ البرديات: الكتابة ضد النسيان
لماذا كتبت مريم؟ ليس من أجل الأدب. ولا من أجل الشهرة. ولا لأنها كانت تريد أن تصبح كاتبة. كتبت لأنها كانت تحتاج إلى أن تقول ما حدث. والأهم أنها كتبت كي لا تغفل ذاكرتها. وهذا تختصر فلسفة الرواية: الكتابة لاتكتفي بتسجيل الماضي لتوثيقه؛ إنها توثقه لتقاوم محوه. فالإنسان الذي عاش الألم قد يتمنى أن ينساه. لكن الشفاء لا يكون بالنسيان.. حين ننسى ما حدث، نترك الحقيقة بلا شاهد. وحين نكتب، نقول: لقد حدث، لقد رأيت، لقد عشت و لقد تألمت. ولذلك فإن البرديات تصبح أرشيفًا مضادًا للأرشيف الرسمي. إنها لا تسجل ما قرر التاريخ أن يحتفظ به فقط، بل ما كان يمكن أن يضيع أو ماتعمّد إسقاطه.
15/ من الوثيقة إلى الأدب: من يحمل ذاكرة الآخر؟:
يعود بنا البناء السردي إلى «الملف» الأول. هناك امرأة تكتب. وهناك كاتب يقرأ. وهناك رواية تولد. وهذا يجعل العمل قائمًا على علاقة ثلاثية: مريم التي عاشت، ومريم التي كتبت، والكاتب الذي أعاد تشكيل ما كتبت. وهذه العلاقة تطرح سؤالًا أخلاقيًا وفنيًا مهمًا:
ماذا يعني أن يحمل كاتب ذاكرة شخص آخر؟
في تقديري، تكمن قيمة الاختيار في أن عمار الجماعي لم يلغ مريم ولم يُصادر صوتها لكي يحل محلها، وإنما جعل كتابتها هي أصل الحكاية. فيتحوّل عمله الرّوائي إلى مجرّد توثيق ونقل “صادق ومحايد” لبرديّاتها” وبذلك تصبح الرواية مساحة عبور من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.
لماذا «برديات»؟ اختيار كلمة «برديات» في العنوان شديد الإيحاء. البردية شيء هش في مادته، لكنه قادر على البقاء عبر الزمن. وهذا يشبه مريم. جسدها يتعب، يديها ترتعشان، ذاكرتها تثقلها، لكن ما كتبته يمكن أن يبقى. إن البرديات تحمل هشاشة الإنسان وقوة الذاكرة في الوقت نفسه. ولذلك يمكن أن نقول إن عنوان الرواية يقوم على مفارقة جميلة: مادة هشة تحمل حقيقة عصية على المحو.
تصبح صورة مريم ذات اليدين المرتعشتين، في نهاية النّصّ، شديدة الدلالة. فهذه اليد حملت أطفالًا. وفتحت كتبًا. وخبأت أسرارًا. وتدبرت شؤون بيت في الخفاء. وعبرت الحدود. ثم أمسكت القلم. والآن ترتعش. لكنها تكتب. وهنا تنتصر الكتابة على الجسد. قد ينهك الإنسان، لكن ذاكرته تستطيع أن تبقى. قد يرتجف القلم، لكن الجملة يمكن أن تكون أكثر ثباتًا من اليد التي كتبتها. ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن مريم لا تكتب لتنتصر على الآخرين؛ إنها تكتب لكي تستعيد نفسها. فالكتابة عندها نوع من التداوي. أن تضع الألم خارج الجسد قليلًا. أن تحوله إلى كلمات. أن يصبح للجرح شكل. وللخوف اسم. وللصمت صوت.
16/ بطولة لا تصفق لها الجماهير:
تقدم الرواية مريم بطلة بمواصفات بشريّة، بعيدا عن الصّفات الأسطورية للأبطال الخارقين. وهذا تحديدًا ما يجعلها مقنعة. إنها تخاف، تنهار، تتردد، تشتاق، تشتد ثم تضعف لكنها تستمر. وهذه البطولة  حقيقيّة لأنّها أكثر إنسانية. فالإنسان لا يكون بطلاً لأنه لا يخاف. بل لأنه يفعل ما يجب فعله رغم خوفه. ومريم تفعل ذلك طوال الرواية. تخاف على زوجها وتخاف على أبنائها. تخاف من المداهمة وتخاف من الحدود وتخاف من المجهول. لكنها تستميت في حماية أطفالها وتستمر في تعليمهم. وهنا يكمن جوهر شخصيتها. إنها لا تستطيع تغيير التاريخ الكبير، لكنها تستطيع أن تمنع التاريخ من سحق بيتها بالكامل.
من الممكن أن تُقرأ «برديات مريم» من منظور نسوي، لكن قوتها لا تأتي من الشعارات.
إنها لا تقول لنا إن المرأة قوية. بل تجعلنا نرى كيف تصبح المرأة قوية لأن الحياة لا تترك لها خيارًا آخر. قوة مريم ليست في خطابها، بل في أفعالها اليومية. إنها القوة التي تُمارس في صمت: أن تلد طفلها وحيدة بركن البيت، أن تطعم الأطفال، أن تعلمهم، أن تخفي خوفها، أن تتدبر أمر الرحيل و أن تحمي سرًا. أن تتحمل المنفى، أن تعود، ثم أن تكتب. وهذه قوة لا تحتاج إلى إعلان صاخب ولا شعارات لكي تكون حقيقيّة.
17/ الطفل في الرواية: الضحية التي لا صوت لها:
إذا كانت مريم هي المركز، فإن الأطفال هم مرآة ما تفعله المأساة بالجيل القادم. فالاستبداد لا يكتفي بإيذاء من يعارضه. إنه يترك آثارًا في أطفال لم يختاروا شيئًا. وهذا يجعل السؤال الأخلاقي في الرواية أكبر من الصراع السياسي: أي ذنب لطفل حتى يرث خوف أبيه؟ وأي ذنب لطفل حتى يعرف السجن قبل المدرسة؟ وأي ذنب له حتى يصبح الهروب جزءًا من طفولته؟ من هنا تتجاوز الرواية السياسة إلى الإنسانية. إنها تجعلنا لا نسأل: من كان على حق؟ بل نسأل: ماذا حدث للإنسان؟ وهذا سؤال الرواية الحقيقي.
18/ التاريخ الذي لا تدوّنه  الكتب الرسميّة:
لعل أهم ما يفعله عمار الجماعي في هذا النّصّ أنه يستعيد حقبة مظلمة لا من خلال الوثيقة السياسية بل من خلال الأثر الذي تركته في حياة إنسان واحد وعائلته الصّغيرة فالتاريخ الذي جرى في أروقة المحاكم والمكاتب والشوارع منقوص لأنّ هناك تاريخ آخر: تاريخ المرأة التي انتظرت و تاريخ الطفل الذي حُرم من المدرسة وتاريخ البيت الذي خاف من الطرق على الباب و تاريخ الأم التي صارت معلمة وتاريخ العائلة التي عبرت الحدود بلا وثائق. تاريخ المنفي الذي حمل وطنه في قلبه و تاريخ العودة التي لم تكن شفاء. وتاريخ اليد التي ارتعشت وهي تكتب. هذا هو التاريخ الذي تستعيده «برديات مريم».
19/ الكتابة وصفة للعلاج:
بعد كل هذه الرحلة، أميل إلى القول أن «برديات مريم» رواية عن محاولة إنقاذ الانسان من كلّ ما مرّ به. من كلّ ما يلاحقه. تهرب مريم من الملاحقة، ثم من الخوف، ثم من المنفى. ثم تعود إلى الوطن. لكن الهروب الأكبر يحدث داخلها: محاولة الهروب من ذاكرة ظلت تطاردها حتى بعد أن انتهت المطاردات. ولهذا كانت الكتابة ضرورية. فالإنسان لا يستطيع دائمًا أن يغير الماضي. لكنه يستطيع أن يمنحه معنى. ومريم تفعل ذلك بكتابة بردياتها. لقد عاشت سنوات في الصمت لأن الصمت كان شرطًا للبقاء. ثم كتبت لأن الكلام أصبح شرطًا لاستعادة الذات. وهكذا تنتقل من الصمت إلى الكتابة، ومن الخوف إلى الشهادة، ومن الضحية إلى صاحبة الذاكرة.
20/ خاتمة:  جعل الكاتب مريم محور الرواية، ومنحها دور البطولة فنقل التاريخ من مكاتب السلطة إلى قلب البيت. هناك، حيث نكتشف أن السياسة تتعدى مفهوم الأحزاب والتنظيمات و قرارات. لتصير في وجهها الآخر أمّا تنتظر. وطفلا لا يذهب إلى المدرسة، وطرقات على الباب. وعيونا تراقب الشارع. وخبزا قليلا. وحقيبة تُعد على عجل. ووداعا لا تستطيع الأم أن تنطق به. ثم يدا مرتعشة تمسك قلمًا. رواية توسّع مفهوم الاستبداد ليقاس أيضا بعدد الأحلام التي لم تُعش، وعدد الطفولات التي سُرقت، وعدد الأمهات اللواتي تعلمن كيف يخفين خوفهن كي لا يخاف أطفالهن. ولذلك مثّلت مريم، صورة لكل إنسان حاول أن يحمي ما تبقى له من كرامة حين ضاقت به الأرض. وهي صورة الأم التي لم تستطع أن تمنح أبناءها وطنًا آمنًا، لكنها منحتهم شيئًا أثمن: منحتهم القدرة على أن يظلوا بشرًا. أما بردياتها، فشهادة على إن الذاكرة، حين تجد يدًا تكتبها، تستطيع أن تقاوم النسيان والموت معا. وأن الإنسان قد يخسر وطنًا، وبيتًا، وسنوات من عمره، وقد ترتعش يداه من ثقل ما عاش. لكنه يستطيع، مع ذلك، أن يمسك القلم ويكتب: كنت هنا. وهذا ما حدث.

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي