مقالات ادبية واجتماعية وفنية
زينب طارق/كاتبة عراقية
للإنسان قاربٌ لا يُرى، يُبحر به وسط عاصفة التجربة، وكثيرًا ما يغرق حين لا يجد شراعًا يُنظّم الريح. هذا الشراع هو الحكاية: منذ اكتشف ثيودور ساربن أن العقل لا يعيش الحوادث خامًا، بل يحبكها في سردٍ يمنحها اتجاهًا، صار واضحًا أن الإنسان كائنٌ يُبحر بقصصه لا بوقائعه وحدها، وأن ذاكرته تنتقي من زبد الأمواج ما يخدم الوجهة التي اختارها لنفسه.
من رحم هذا الاكتشاف، وُلد العلاج بالقراءة: الرواية بوصفها ميناءً مؤقتًا يرسو فيه القارئ التائه، ويعير جسده لبطلٍ خيالي كي يختبر عبره عاصفةً شبيهة بعاصفته، من دون أن يغرق فعليًا. وفي بريطانيا، تحوّل هذا الميناء إلى محطة رسمية ضمن الرعاية الصحية عبر مبادرة «Reading Well»، حيث يصف الأطباء الكتاب كما يصفون الدواء، ويوصون بقراءةٍ كما يوصون بجرعةٍ دقيقة؛ لا لتلغي الألم، بل لتمنحه لغةً واتجاهًا.
لكن كل ميناءٍ معرّض لتجّار يبيعون وهم الوصول. يحذّر ستيف ساليرنو من صناعة «الزيف» (SHAM)، التي تُغري التائه بشراء خريطةٍ تلو أخرى، وتُقنعه بأن جمع الخرائط بديلٌ عن الإبحار، من دون أن تحمله سفينةٌ واحدة فعليًا نحو اليابسة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل الكتاب قاربٌ صالح؟ بل: هل تنزل إلى الماء، وتجدّف بيديك نحو شاطئك الخاص، أم تكتفي بالنظر إلى الشراع من بعيد، وأنت واقفٌ على الرصيف، تُصفّق للريح طويلًا ولا تُبحر أبدًا؟.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي