مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. رسول بلاوي
ناقد | إيراني
الملخص:
يمثل اللون ملمحاً جمالياً في الشعر و يُعدُّ عنصراً مهماً من عناصر البناء الفني، بما يحمل من دلالات ذات علاقة مباشرة بالرؤية الفنية، ففي معظم الأحيان لا يرِد اللون فيما وصف له، بل يكشف عن إحساس الشاعر؛ فهو مبعث للحيوية والنشاط والراحة والاطمئنان، ورمزٌ للمشاعر المختلفة من حزن وسرور.
اللون من أهم ظواهر الطبيعة وأجملها، ومن أهم العناصر التي تشّكل الصورة الفنية، لما يشتمل عليه من الدلالات الفنية والنفسية والاجتماعية والرمزية. لذلك ينبغي دراسة اللون في الشعر من خلال ربطه بسياق النص الشعري، فالسياق الشعري هو الذي يحدد وظيفته وفاعليته.
يتناول هذا البحث دراسة الألوان ودلالاتها في شعر الشاعر العراقي يحيی السماوي دراسة دلالية أسلوبية، ويهدف إلى إحصاء الظواهر اللونية في شعره وإبرازها؛ وقد اعتمد البحث منهج التحليل والوصف والإحصاء في تناول الألفاظ اللونية. فالسماوي من الشعراء المعاصرین الذین قاموا بتوظیف الألوان الرمزیة علی مستوی وسیع. وتشیر نتائج هذا البحث الی أنّ الشاعر اعتمد في استخدامه للون علی ألوان بعينها وهي علی الترتيب حسب قوة ظهورها لديه: الأخضر والأبيض والأسود والأحمر والأصفر والأزرق.
الکلمات الدليلية: الشعر العربي الحديث، يحيی السماوي، الألوان، الرمز.
المقدمة:
اللون من أهم وأجمل ظواهر الطبیعة ومن أهم العناصر التی تشكّل الصورة الأدبیة لما یشتمل علیه من شتى الدلالات الفنیة، الدینیة، النفسیة، الاجتماعیة، الرمزیة والاسطوریة. و يبرز اللون کعنصر من أهم عناصر الجمال التي نهتم بها في حياتنا، وعلی الرغم من تعدد الألوان المحيطة بنا التي تزخر بها الحياة من ألوان طبيعية متمثلة في الأزهار و النباتات والحيوانات والسماء والأرض والبحار إلا أن الإنسان لم يقنع بهذه الألوان و أضاف إليها من فنه وعلمه الکثير من الألوان.
و الأدیب یستثمر الألوان لخلق التوازن والتناسب والوحدة والإنسجام التی هي من أهم مباني علم الجمال. بحیث یعتقد بعض كبار الشعراء أنه لابد من تدمیر الواقع الخارجي لخلق واقعیة جدیدة ولحصول هذا الغرض لابد من الالتجاء الى الألوان؛ اذن التدقیق فی الآثار الأدبیة یرشدنا الى أن استخدام اللون فی هذه الآثار لیس صدفة ولیس لتنمیق الكلام فحسب بل له ارتباط وثیق بجمیع المستویات البنیویة والبلاغیة والتعبیریة للنص الأدبی.
يسعين الشاعر بالألوان، ليعبّر عن عُمقه العاطفي وجوهره الفکري، و کأنه رسامٌ عارفٌ بخفايا الألوان ودلالاتها وعلاقاتها بالإنسان، بل إن «الصور والألوان تنطلق من جوانية الشاعر، وخبرته البصرية، ووعيه التاريخي، وحفرياته الأسطورية، وتجربته النقدية، وتجواله ومشاهداته التشکيلية، وتتنوع اهتماماته بين الفنون، بحيث تصبح الصورة ليست مجرد أداة للمعرفة فحسب، وإنّما أداة للحرية أيضاً» (نشوان، 2004م: 126).
لكل لون معنى نفسيٌّ یتكون نتیجة لتأثیره الفیزیولوجی على الانسان. کما یقال إن الوقت يمضي بسرعة تحت أشعة خضراء ويمضي ببطء تحت أشعة حمراء، فاللون الأخضر لون هادئ، ومریح للأعصاب مما یشعر بمرور الوقت ضعیفا وأما اللون الأحمر فمشهور بأنه لون مثیر ومهیج ومقلق ويؤدي الى الشعور بالملل مما یجعل المرء یشعر بأن الوقت لا یمضی.
فإن وجود لون واحد في قصيدة شعرية بإمکانه أن يُسفِر عن عدة أغراض، فهو في قصيدةٍ ما قد يشکل محوراً رمزياً يدور حوله النص، و هو في قصيدة ثانية قد يکون أسلوباً فنياً من الأساليب الکثيرة في النص، وهو في قصيدة ثالثة يفتقد الطاقات الرمزية والتعبيرية کلها ليحاکي اللون الموجود في الواقع ذاته؛ فَوَصفُ العشب بأنه أخضر في قصيدةٍ ما لا يضيف رؤيا جديدة الی ذلک العشب کونه أخضر حقاً في الواقع، فيتطابق هنا – من وجهة نظرٍ لسانية – الدال والمدلول في الشعر والطبيعة معاً.
إن ولوج اللون في الشعر الحديث كان ولوجاً معقداً، حيث ابتعد اللون عن محوره البصري ليلامس المنظومة الصوتية التي تحكم الشعر ومختلف اتجاهات الأدب الأخرى، الأمر الذي جعل من هذا التعقيد مسوغاً للبحث في عالم اللون المنطوي تحت عالم الشعر، أضف إلى ذلك أن البحوث والدراسات التي عالجت اللون في سياق القصيدة العربية الحديثة كانت نادرة غير متكاملة، تجتزىء محوراً ما لتبني حوله ماترمي إليه، فأضعفت تلك البحوث حقيقة اللون بدلالاته المتعددة، ومرجعيته الفكرية والاجتماعية والثقافية والنفسية. وذلك التعقيد يتخذ مستويات متفاوتة في النص الشعري الحديث، إذ يبدو اللون الواحد عند شاعر ما مختلف الدلالات من قصيدة إلى أخرى، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، ويعود الأمر إلى تحوّل في الموقف الفكري الذي أنجزته الظروف المحيطة، كما أن بعض الألوان تكتسب خصوصية اجتماعية دينية في مرحلة زمنية معينة، أضف إلى ذلك أن بعض الألوان تتخذ طابعاً اشارياً في مرحلة ما، وتتخذ طابعاً رمزياً في مرحلة أخرى، وربما تتخذ منحى العلامة...الخ، كل ذلك يستدعي من المرء الوقوف على دقائق الأمور التي تحيط باللون في سياق معين، وفي مرحلة زمنية معينة.
ويحيی السماوي بما امتلک من خيال وشاعرية أدرک ما للألوان و الخطوط الحرکية من قيمة إيحائية وتأصيلية في بناء الصورة الشعرية، وقد اعتمد في استخدامه للون علی ألوان بعينها وهي علی الترتيب حسب قوة ظهورها لديه: الأخضر والأبيض والأسود والأحمر والأصفر و الأزرق.
ويمکننا القول وعبر استقراء فني لشعر السماوي، إنه من أکثر الشعراء العرب المعاصرين ولعاً باستثمار الطاقات الفنية – التشکيلية – للّون في شعره، بما يتفق و أطروحته الشعرية إذ يسعی الی جعل قصيدته ملوّنة، لا بل يجعل من نفسه شاعراً ملّوناً يرتدي الألوان کلها ويظهر في کل مناسبة بلون مختلف.
خلفية البحث:
الدراسات التي تناولت تجربة الشاعر يحيی السماوي نخصّ منها بالذکر کتاب حسين سرمک حسن، الموسوم بـ”إشكالية الحداثة في الشعر السياسي/ يحيی السماوي أنموذجاً“، و کتاب محمد جاهين بدوي الموسوم بـ”العشق و الإغتراب في شعر يحيی السماوي”، وکتاب فاطمة القرني الموسوم بـ”الشعر العراقی في المنفی/ السماوی نموذجاً”، وکتابي عصام شرتح الموسومين بـ”آفاق الشعریة/ دراسة فی شعر یحیی السماوي” و”موحيات الخطاب الشعري/ دراسة في شعر يحيى السماوي”.
ومن الدراسات التي تناولت الألوان في الشعر منها کتاب ماجد فارس قاروط الموسوم بـ“تجليات اللون في الشعر العربي الحديث”؛ ورسالة احمد عبدالله محمد حمدان الموسومة بـ“دلالات الألوان في شعر نزار قباني” في جامعة النجاح الوطنية، ودراسة حيدر محمد جمال سيد احمد تحت عنوان “إيقاع الألوان في شعر عزالدين المناصرة” المنشورة في مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، ومقال مشترک لمحمد مهدي سمتي ونرجس طهماسبي نگهداري تحت عنوان “الالوان الرمزية في اشعار صلاح عبدالصبور” المنشور في مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية و آدابها.
اللون الأخضر:
اللون الأخضر هو لون الحیاة والحركة والسرور لأنه یهدئ النفس ویسرها وهو تعبیر عن الحیاة والخصب والنماء والأمل والسلام والأمان والتفاؤل وهو لون الربیع والطبیعة الحیة والحدائق والأشجار والأغصان والبراعم.
يعد اللون الأخضر من أکثر الألوان وضوحاً واستقراراً في دلالاته، وهو من الألوان المحببة ذات الإيحاءات المبهمة «لإرتباطه بأشياء مهمة في الطبيعة أصلاً، کالنبات والأحجار الکريمة، ثمّ جاءت المعتقدات الدينية وغذّت هذا الارتباط بالخصب و الشباب و هما مبعث فرحة الانسان» (عمر، 1997م: 210).
یعتبر الأخضر فی الفكر الديني رمزا للخیر والأیمان وأنه أكثر شیوعا فی الروایات العربیة والاسلامیة وقباب المساجد واستار الكعبة وعمائم رجال الدین.
والشاعر يحيی السماوي استخدم هذا اللون بکثرة في شعره لدلالات شتّی؛ فاللون الأخضر من الألوان المحببة والمقدسة عنده لأن الأخضر يذكّر الشاعر بمظلومية أهل البيت (ع)، فاللون الأخضر هو شعار كل الذين يرجع نسبهم إلى الإمامينِ المعصومينِ الحسن والحسين عليهما السلام . يقول الشاعر في هذا السياق:
رأيتُ عصفورين مذبوحين
تحت شرفة خضراء کالعشبِ
يسيلان ندیً.. و ضوءاً.. (قليلک لا کثيرهن: 79)
ففي هذا المقبوس الشرفة الخضراء ترمز للأفق الأخضر أو الربيع، وترمز أيضا للحلم الجميل بالحياة الرغيدة. فکما أسلفنا إن اللون الأخضر في الذاكرة الشعبية العراقية هو لون “السادة” المنحدرين في نسبهم من اهل البيت المعصومين، و هذه الرمزية ترکت أثراً بالغاً علی الشاعر بالنسبة لاستدعائه للون الأخضر في دلالاته المختلفة.
و من دلالات الأخضر علی الخصوبة و الحياة قول الشاعر:
لو کنتُ ربيعاً
لما ترکتُ صحراءَ
الّا و أقمتُ فيها
مهرجان خضرتي.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 127)
و في المقطع التالي يقول:
يحدث أن أطهّرَ الحقول من كلِّ الجرادِ البشري
في بساتين الفراتين
وفي “الجليل”… “يافا” … ورياض ” الناصره” ..
وأُسرجَ الخضرةَ في القفارِ
حتى تستحيلَ جنّةً أرضيّةً
ضاحكةَ السِلالِ.. (قليلک لا کثيرهنّ: 58 و 59)
فـهو يريد أن “يُسرِج” الخضرة في القفار حتی تستحيلَ جنّة أرضيّة “ضاحکة السّلال”، و لا يخفي ما في کلمة “يسرج” في هذا السياق من احتمالها لونين من الدلالة؛ فهي تحتمل أن تکون من “الإسراج” أي وضع السرج علی صهوة الخضرة؛ فتغدو فرساً أخضر ذا ينعٍ ينطلق في القفار الصُّفر؛ فتصبح ربوعاً خضراء ذات بهجة، کما يحتمل أن يکون الإسراج من السراج: المصباح؛ فيکون المعنی أن الخضرة تغدو مصباحاً ينير الصحاري والقفار بأضوائه الخضراء، رمز الخضب والحياة والتجدد و النماء (بدوي، 2010م: 108 و 109).
وقد يکون الأخضر لون الحياة والقوة و نضارة الشباب:
ولک اخضراري ما حييتُ
ولي جفافکَ يا حبيبي.. (الأفق نافذتي: 147)
هنا يخاطب الوطن و يفدّيه بحياته وشبابه، قائلاً له: لک كلّ غراسي وحصاد ربيع عمري، وأما أنا فسأقنع منك بكل قليل وسأرتوي حتى بالعطش.
وفي المقتبس التالي أيضاً يدلّ الأخضر علی النضارة و حيوية الشباب:
أُدركُ أنَّ ليلتي قاربتِ الهَزِيعَا
وأنَّ سنديانتي لمّا تَعُدْ ضاحكةَ الوردِ…
ولا ربابتي تُثْمِلُ في لحونِهَا الجُمُوعَا..
أُدركُ أنَّ نَجْمَكِ الصبوحَ
لازال على عادتِهِ سطوعا…
وأنَّ من حولكِ ألفَ عاشقٍ
يحلمُ لو خرَّ على يديكِ – من صبابةٍ- صريعا
لكنَّ قلبي لم يَزَلْ طفلاً
وبستاني يفيضُ خضرةً (نقوشٌ على جذعِ نخلة: 158- 159)
هذا الإحساس اليائس يأتي دلالة على إحساس الشاعر بالعقم وتصحر الأشياء وفقدانها بريقها من حوله؛ فالربابة لم تعد كما كانت تبث لحونها العذبة في نفس المرء؛ والسنديانة التي تذكره بوطنه أصبحت كظيمة فقدت بريق ضحكتها؛ ولم يعد لها هذا البهاء الساطع؛ لكن الشاعر رغم ذلك كله لا يزال يفيض خضرة وأملاً وثباتاً وعشقاً.
ويستخدم السماوي الأخضر لوناً للنضوج، فيقول مخاطباً ابنته الشيماء:
يا ابنتي التي غدت لي أمّاً
لن أنصحکِ..
فأنا متيقّنٌ انّ عشبَ رأسک
أکثر خضرةً من عشب رأسي (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 82)
لقد أعتبر الشاعر ابنته “الشيماء” أمّا له لنضوجها فلا يجد حاجة لتقديم النصيحة لها.
أمّا اذا اتّصلَ هذا اللون بالعيون فيدلّ علی السلام و البراءة، ففي المقطع التالي يصف عيون والدته:
خضرةُ عينيها
أغوت الفراشات بالاقامة
في بيتنا الطيني! (السابق: 61)
و في الحقيقة ان والدة الشاعر رحمها الله كانت لها عينان خضراوان، کما أن الشاعر أيضاً أخضر العينين؛ فنراه يقول في ما يلي:
انّ عاشقتي تحبُّ کما أُحِبّ
و تشتهي مثلي رغيفَ أمان
و طفلاً أخضر العينين
ضحکتهُ دعاءُ أذان (هذه خيمتي فأين الوطن: 41)
کانت حبيبته/ زوجته تتمنى أن يرزقها الله منه طفلاً يحمل ملامح يحيی.
ومن دلالات اللون الأخضر، السرور والبهجة:
کان لي في سالف العصر وطنْ
ضاحک الأنهار
لا يعرف غير الفرح الأخضر في حقل الزمنْ (السابق: 73)
فالعراق قبل مجيء صدام حسين وحزب البعث كان يعيش الفرح الجميل وكأن الحياة كانت ربيعا قبل حلول خريف البعث في العراق.
وأيضاً يکون لون الربيع والطبيعة الحية:
انا لا أعرفني..
أينَ أقيمُ الآن؟
لا عنوان لي
کيف اهتديتْ؟
فتعرّفتَ الی جفني و سفحٍ
يختفي في حضنه الأخضر بيتْ؟ (لماذا تاخرت دهرا: 88)
ففي المقطع إشارة إلى حقيقة جغرافية وهي أنّ بيته في أديلايد يقع فعلاً في حضن سفح جبلي شديد الخضرة محاطٍ بالغابات وقريب ٍ من البحر.
وفي مقطع آخر يقول الشاعر:
نامي علی هُدبي
لتنهضَ الخضرة في العشبِ
وتمطر الأشعار
من فمک العذب (عيناکِ لي وطن و منفی: 113)
في هذا المقطع يخاطب الشاعر زوجته ومدينة السماوة معا: لا تغادري عينيّ، لأن وجودك أمام عينيّ يجعل صحراء وجودي كالحقول المعشبة حتى لو كان عشب هذه الحقول يابساً، وبمعنى آخر: إن وجود الحبيب قربه يُقلل من ثقل صخور الغربة.
تقوم أصوات کلمة “الأخضر” ولا سيما صوتي «الخاء والضاد» المتعانقين زخماً شعرياً و کثافة إيقاعية يندر وجودها في اشتباک صوتين آخرين، متناسبة في ذلک مع عمق المستوی الدلالي للون في درجاته المختلفة في النص (عبيد، 2005م: 113).
إن هذا التکرار المهيمن للون الأخضر يسهم في إبراز دلالة عمق الحياة وسعتها في الحدث الشعري. فتکرار اللون هنا يتجاوز الدلالة الوصفية العامة له، ليتحول الی حياة کاملة مفعمة بالأمل دافقة بالعطاء ومسلحة بقدرة کبيرة علی استشراف المستقبل، إن إيقاع اللون هنا هو إيقاع الحياة بکامل حرکتها وديناميتها وطفولتها.
اللون الأبیض:
للأبيض تقاليد رمزية عالية التداول في صنع الدلالة وترميزها في أفق الاستخدام المعنوي و السيميائي، فهو في السياق الدلالي العام «رمز الطهارة والنور والغبطة والفرح والنصر و السلام» (همام، 1930م: 7)؛ کما انه وفي السياق ذاته و الرؤية ذاتها «رمز للصفاء، و نقاء السريرة، والهدوء والأمل، وحبّ الخير والبساطة في الحياة وعدم التقيّد والتکلّف» (عبو، 1982م: 137).
فاللون الأبيض بکلّ ما يحمله من معاني الإيجاب الظاهرة والرمزية التي أشرنا اليها، ينحرف أحياناً في بيئات وأمکنة وأحياز وأزمنة وأوقات معينة الی معانٍ تناقض تلک المعاني التقليدية وتقف علی الضدّ منها تقريباً؛ فهو مثلاً رمز للحزن لدی بعض الأمم ومنها أمة الصين، علی النقيض من دلالته علی الفرح والبهجة والسعادة عند الکثير من الأمم الأخری (جواد، 2009م: 44).
اهتم العرب قديماً بتميز الأبيض بألوان خاصة، تحدد صفاته ودرجاته، فقد رتب الثعالبي درجات الأبيض علی النحو التالي: “أبيض، ثم يقق، ثم لَهِق، ثم واضح، ثم ناصع، ثم هجان، وخالص”.. (الثعالبي، 2001م: 112).
وفي العصور القديمة کان اللون الأبيض مقدساً ومقصوراً علی آلهة الرومان، وکان يضحی له بحيوانات بيضاء، وعند المسيحيين عادة ما يرمز للمسيح بثوب أبيض دليلاً علی الصفاء و النقاء والخلو من الدنس، وفي مصر القديمة کان الفرعون يرتدي تاجاً أبيض ليرمز لسيطرته علی مصر العليا مما يشير الی انها کانت تعيش بسلام و طمأنينة.. (عمر، 1997م: 163).
وقد ورد هذا اللون في شعر السماوي دالا علی معانٍ مختلفة أهمّها النقاء:
ورسالة بيضاء من عَتَبٍ
مُبَللةً بدمع ندامةِ القلب الموزّع
بين مفتاح الغدِ الماضي
وباب المستحيل (بعيداً عنک قريباً منک: 195 و196)
أيضاً في المقتبس التالي:
سينفضُ التاريخ من صفحاته البيضاء
الساسة الذين ملأوا:
بطوننا بالقررة..
وآذاننا بالخُطب..
وأيامنا بالوعود.. (مسبحة من خرز الکلمات: 100)
کما استخدم السماوي اللون الأبيض للدلالة علی الطهارة:
کنتُ أرجو أن أری شرشفها
يُشبه في بياضه
فستان عُرس غادتي الزهراء (بعيداً عني قريبا منک: 119 و120)
وفي ما يلي الأبيض لون الأمل:
يا أبا ذرّ الغفاري ألا قمتَ بنا؟
إفتنا ما عاد خيطٌ أبيضٌ بين حجاب الليل
والصبح.. (البکاء علی کتف الوطن: 44)
وأيضاً يکون اللون الأبيض لون البراءة:
ستون – أو کادت – ولم أعرف بها
للغدر خطواً والرياء مقولا
عفّ السّريرة و السرير وبردتي
بيضاء ردناً حاسراً و ذيولا (لماذا تأخرت دهرا: 82)
وقول الشاعر مخاطباً ابنه علي:
أليس حماقةً أن تُحِبَّ العراقَ مثلي؟
وأن يکون قلبک
أکثر بياضاً من ريشِ «حمامة بيکاسو”
في زمن
اکثر سواداً من دخان قنابل البنتاغون؟ (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 83)
و لکن عندما يتّصل هذا اللون بالعدو المحتل يتحوّل رمزاً للقتل والدمار ففي قصيدته التالية عن البيت الأبيض يعلن أن:
ما يلوح في الأفق
ليس بيتا أبيض
إنه: جبل
من أكفان ضحاياه (السابق: 133)
أي أن البياض المغدور والمتراكم يمكن أن يكون سوادا وبلا رحمة. وفي مقطع آخر يقول الشاعر:
ثمة بياض
أكثر عُتمة من قعر بئر
في ليلٍ
يتيم القمر والنجوم
بياض الكفن والبيت الأبيض مثلا (مسبحة من خرز الکلمات: 47).
هنا، يعتمد الشاعر إيقاع الحكم بوميض السخرية والفكاهة من خلال تفسير الألوان وفلسفته في تأويلها، وقلب مداليلها أحياناً، فاللون قد ينطوي على منظور مغاير لمدلوله، فكما أنَّ اللون الأبيض يدل مثلاً على السلام والطهر والبراءة، فقد يدل أحياناً على مدلول مغاير لمدلوله، إذْ يدل – في بعض الأحيان- على الجريمة والقتل والظلم كالبيت الأبيض مثلا، أو بياض الكفن (شرتح «م»، 2011م، موقع المثقف).
وقد يتحوّلُ اللون الأبيض الی شيءٍ مزعجٍ حينما يتعلّق الأمر بشعر الرأس:
البحرُ في عينيکِ يا حلوتي
والزبدُ الأبيضُ في مفرقي (عيناک لي وطن و منفی: 159)
هذه الدلالة التي اتّفق الشعراء العرب من سالف العصور علی وصفها بالمزعجة لأنّها إيذانٌ بأفول زمن الشباب و ميلاد زمن المشيب الذي يمهّدُ لنهاية وشيکة.
ومن الدلالات السلبية التي استخدمها الشاعر للون الأبيض هي الدلالة علی الجوع والقحط، کما في المقبوس التالي:
موائدنا تخلو من الدسم..
قدورنا بيضاء.
وأعذاق نخيلنا
لم تَعُد تسيل عَسَلا.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 174)
اللون الأسود:
اللون الأسود هو اللون الأکثر هيمنة علی حياة البشر، والأکثر تدخّلاً في مصائرهم منذ أقدم الأزمنة وفي معظم الثقافات علی مرّ العصور أيضاً، والأکثر تشکيلاً لتقاليدهم و حساسية لتعاملهم مع الأشياء في الحياة، والأوسع استجابة لخوفهم وأحزانهم ومعاناتهم والتفافهم حول ذواتهم و تشبّثهم بالمکان (جواد، 2009م: 44).
فهو کثيراً ما يرمز – عادةً وعموماً – «الی الخوف من المجهول والميل الی التکتّم، ولکونه سلبي اللون يدل علی العدمية و الفناء» (عمر، 1997م: 186)، و يرمز أيضاً الی «الحکمة والرزانة، ولذلک يتّخذه کثير من رجال الدين شعاراً لهم» (ظاهر، 1979م: 55).
ويدل علی المستوی الدبلوماسي «علی قيمة صاحبه ومرکزه الاجتماعي والرسمي، ولذا يُلبَس في المآتم والاحتفالات الرسمية» (عبو، 1982م : 137)، دالاً علی الوقار والعظمة وعلوّ المکانة (العمري، 1989م: 19).
دلّت علی اللون الأسود في اللغة الفاظ کثيرة في الأغلب تجمع علی انه ضد الجمال، وکل ما هو سيء، و وصفوا تدرجه، “أسود، أسحم ثم جون وفاحم وحالک وحانک ثم انه حلوک، وسحوک، ودجوجيٌ، ثم غربيب، وغدافي، وخُداريّ” (الثعالبي، 2001م: 118).
ومن دلالاته الحزن والتشاؤم، فقد کان العرب يتشاءمون حتی من مجرد النطق بهذا اللون وأحد مشتقاته (عمر، 1997م: 201).
وکانت للعرب أيام وحروب، “فکانت عبارة يوم أسود کناية عن التشاؤم به وتوقع الشر” (الثعالبي، 2001م: ص120).
ويتکرر اللون الأسود في شعر السماوي بمعان مختلفة ودلالات متنوعة، حسب السياق الذي يشتمل عليه، أبرزها لون الحزن والمآسي بالدرجة الأولی في تشکيل صور الشاعر:
تـَعِـبنا يا عـــراقُ.. وأرهـَقـتـْنـا
رحى الأيـــامِ.. أدمـَـنـّا الحِـدادا
أرى عشـراً مَـضينَ ولا صباحٌ
يُـزيـلُ بـنور طـلعَـتِـهِ السَّــوادا (السماوي، 1419هـ، صحيفة المدينة).
فلم يكن شاعرنا بعيداً عما يجري على أرض الوطن الأم من حروب إلى حصار أنضبَ العروق وأجدب الحرث وأقفر أرض العراق.
وفی المقطع التالي يريد الکتابة بحبرِ أسود وذلک لأن الشاعر يريد کتابة مآسي العراق التي أحلّت به واللون الأسود يدلّ بطبيعته علی المصائب والماسي:
أريد لي عشرين يداً..
وورقة بمساحة غابة استوائية..
وقلماً بحجم نخلة..
مع بئرمن حبر أسود..
فأنا أريد أن أكتب قصيدتي الأخيرة
عن العراق (جرح باتساع الوطن:26)
وقد يکون الأسود لون الخوف من المجهول:
وقال لي
حذارِ أن تقربَ من تفّاحةِ اللذاذة السوداء
أو تجرحَ جفنَ وردةٍ
فـ”آدم” مازال حتی اليوم
يبکي و ليس من مقيل (بعيدا عني قريباً منک: 215)
وفي ما يلي الأسود لون السرية و الغموض:
أعرني مصباحک
فالليل
أکثر سواداً من عباءة أمي.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 143)
وأحيانیاً يدلّ عل العار والخباثة عندما يتصل بالساسة العراقيين في المنطقة الخضراء:
فکيف اذن تُسَمّی “المنطقة الخضراء”
تلک الطعنةُ السوداء
في جسد الوطن الأبيض؟ (السابق: 90)
وأيضا يقول الشاعر في ساسة “البيت الأبيض”:
أوشِکُ أن أؤمن
انّ الله
يُحِبُّ العبدَ
علی قدر کراهته
لآلهة “البيت الأسود” في واشنطن.. (السابق: 123)
وفي هذا السياق يقول الشاعر عن مصير الخونة:
ستتدلّی حتماً:
الزهورُ من الشُرُفات..
العناقيدُ من الأغصان
الحقائب المدرسيةُ من ظهور الأطفال..
وخونة الوطن من الحبالِ..
الحبال المتدلية
من سقف الصفحات السوداء
في کتاب التاريخ! (السابق: 88)
وقد يکون الأسود لوناً لا دلالة له (لون طبيعي):
في أسواق “أديليد”
وَجَدَ اصدقائي الطيبون
کلّ مستلزمات مجلس العزاء:
قماشٌ أسود..
آيات قرآنية للجدران.. (السابق: 44)
وفي مثل الأسود حضوراً ودلالةً، سواد الليل والسّخام. يقول الشاعر في رثاء الطيبة أمه:
کيفَ أغفو؟
سوادُ الليلِ
يذکّرني بعباءتها.. (السابق: 147)
وأيضاً يقول:
وسوادِ ليلِ المقلتينِ
و هدبها وبياضِ جيدِ (قليلکِ لا کثيرهن: 110)
ويستخدم “السخام” بدل اللون الأسود کما في المقتبس التالي:
قال: فاخلعه من القلب
کما تخلع ثوباً
کان کالآس بياضاً
ثمّ أضحى خَلِقَ الرّدنِ
موشّیً بالسّخام (بعيداً عني قريباً منک: 144)
يکون الأسود لوناً محبباً للنفس حيناً و بغيضاً أحياناً أخری وذلك حسب موطنه و سياقه الذي يقع فيه؛ في المقطع التالي يکون للون الأسود دلالة إيجابية:
عباءتها الشديدة السواد
وحدها اللائقة
علما لبلادي (شاهدة قبر من رخام الکمات: 67).
يقترح السماوي عباءة امه الشديدة السواد علما للبلاد، وكأنّ السماوي يريد القول: إن ظلام الديكتاتورية والإحتلال قد جعلت نهارات العراق أكثر سوادا من عباءة أمي. و فی المقطع التالي يقول الشاعر:
كيف أغفو؟
سواد الليل
يذكرني بعباءتها
وبياض النهار
يذكرني
بالكفن (المصدر السابق:47)
وفي مقطع آخر يقول:
ثمة سواد
أكثر بياضا من مرايا الصباح ..
الحجر الأسود
وشاماتك مثلا... (مسبحة من خرز الکلمات: 47)
السواد، كما هو معروف بأنه لون الحداد والموت، فقد يدل على الجمال والطهر والقدسية كالحجر الأسود وشامات المحبوبة، إذْ يدل الحجر الأسود على الكعبة الزهراء وشامات الحبيبة على جمالها؛ هكذا يعمد يحيى السماوي إلى خلق لغة جدلية مثيرة في قصائده، من خلال اعتماده على عنصر المفاجأة والدهشة في طريقة تشكيل الجملة من جهة وطريقة قلب المداليل وعكسها من جهة ثانية، ليؤكِّد مهارته الفنية، وقدرته على الخوض في أشكال الكتابة الإبداعية كلها (شرتح «م»، 2011م، موقع المثقف ).
اللون الأحمر:
يعد اللون الأحمر من اوائل الألوان التي عرفها الإنسان في الطبيعة، “فهي من الألوان الساخنة المستمدة من وهج الشمس و اشتعال النار والحرارة الشديدة و هو من أطول الموجات الضوئية” (عمر، 1997م: 201)، وهو لون البهجة و الحزن وهو لون العنف ولون المرح، والحزن ومن أکثر سمات هذا اللون ارتباطه بالدم فهو لون مخيف نفسياً و مقدس دينياً.
ويرمز الأحمر في الديانات الغربية الی التضحيات في سبيل المبدأ و الدين، وهو رمز لجهنم في کثير من الديانات، ويرمز اللون الأحمر عند الهندوس الی الحياة والبهجة، وله علاقة بالدم عند ولادة الطفل وتدفق الدماء وبعض القبائل تلطخ المولود بالدم حتی يکون له فرصة في العيش مدة طويلة (القرعان، 1984م: 128-124).
کذلک اللون الأحمر لون القوة والحیاة والحركة وأما عاطفیا فیعتبر اللون الأحمر لون الحب الملتهب والتفاؤل والقوة والشباب.
أكثرَ الشعراء القدماء من استخدام هذا اللون نتیجة وعیهم الجمالي والمعرفي لدوره فی أصل الوجود والواقع، لذلك تنوعت الفاظه و كثرت لتعبر عن ماهیته وقیمته ومدى نقائه ودرجة تشعبه.
اللون الأحمر قد يردُ صريحاً أو ضمنيّاً في الشعر. و عندما يکون ضمنيّاً يُشار له بعدّة أشياء من أبرزها: الدم والنار. والملاحَظُ أنّ اللون الأحمر في شعر السماوي (دماً و ناراً…) غالباً ما يحمل الدلالة الإيجابيّة! و هذا ليس بمستغرب علی شاعرٍ ثائرٍ يرفض الظلم والاستبداد.
يمثل اللون الأحمر رمزاً لتجربته الحزبية في التعبير عن الإنسان المقهور والصراع اليومي من أجل حياة کريمة. وقد استخدم اللون الأحمر بدلالاته الحقيقية التي ترمز الی شعار الحزب الشيوعي (الصمادي، 2001م: 198).
فقد ورد اللون الأحمر في دواوين السماوي بکثافة کلون أساسي، تتعدد دلالاته من استخدام لآخر، وکثافة تکراره جعله ضمن مفهوم الموتيف.
الأحمر لون جنسي هجومي، فقد يقف هذا اللون جنسياً في الموقع الأول ونجده في قصائده يتحدی المنظور الاجتماعي ويبوح بجرأة عن رغبة بدائية ويثير کل دلالات النشاط الجنسي وکل أنواع الشهوة؛ وتدرجا من الشکل الحسي الصارخ إلی الرغبة الکامنة الهادئة:
وصَحَبتها في رحلتينِ..
وحينما أفلستُ:
بعتُ الخاتمَ الذهبيَّ و السّلسالَ..
عِشنا ليلةً حمراءَ
في نُزلٍ
يُطلُّ علی مضيقِ “الدّردنيل” (بعيدا عني قريباً منک: 191 و 193)
وفي المقطع التالي يقول:
شفتاي – لا البساط الأحمر –
فرشتهما..
لجلالة شفتيکِ (السماوي «ع»، 2011م، موقع المثقف)
ويأتي الأحمر رمز الحب وامتلاء الحياة بالعاطفة المتوثبة:
تسألني: ما اسمُ التي تغيظنا
بثغرها الضّوئيّ کالياقوتة الحمراءْ؟
وشرشف الوسادة الزرقاءْ..
الملاءة الناعمة البيضاء (بعيداً عني قريباً منک: 153و 154)
وقد يکون الأحمر لون الحقد والثأر:
لَسنا “هنوداً حمراً”
فلماذا يريدون إبادتنا؟ (مسبحة من خرز الکلمات: 101)
ويأتي هذا اللون ليدلّ علی النضال والشهادة:
أمسِ رأيتُ الجثثَ الملقاةَ في الشوارع الخلفيّة
لکنما الثقوبُ في ظهورها
تنبُتُ کالزنابقِ الحمراء (هذه خيمتي فأين الوطن: 26)
اللون الأصفر:
یعتبر اللون الأصفر من أشد الألوان فرحا لأنه منیر للغایة ومبهج. هذا اللون یمثل قمة التوهج والإشراق ویعد أكثر الألوان اضاءة ونورانیة، لأنه لون الشمس مصدر الضوء وواهبة الحرارة والحیاة والنشاط والسرور. واستخدمه المصریون القدماء رمزا لآلهة الشمس وللوقایة من المرض.
للون الأصفر دلالة اخرى تناقض الأولى وهی دلالته على الحزن والهم والذبول والكسل والموت والفناء ربما الدلالة هذه ترتبط بالخریف وموت الطبیعة والصحارى الجافة وصفرة وجوه المرضى.
من المعروف أنّ اللون الأصفر ظلّ يحمل الدلالة السلبيّة فهو «لون المرض والانقباض. ولقد يرتبط اللون الأصفر بِشِعرِ الحزن والتبرُّم من الحياة والتحفُّز نحو عالمٍ أطهر» (کرم، 1949م: 94)، فحينما نأتي لعالم النبات يکون اللون الأصفر هو المعاکس للون الأخضر؛ وبالتالي فإنّه يتحمّل الدلالة العکسيّة له من جدب ومحولٍ وشحوب، حتی أنّ الفلّاح يتشاءم منه تماماً مثلما يتفاءل باللون الأخضر..
هذا اللون مختلف في دلالته بحسب السياق فمنه ما يعني الذبول والجفاف والمرض، ومنه القاتم ما دل علی الماء الآسن، ومنه الفاقع الذي يسر الناظرين کما في الآية الکريمة 69 من سورة البقرة.
ولعلّ أبرز دلالات هذا اللون في شعر السماوي، الذبول و الموت والفناء، کما في المقبوس التالي:
مثلما ينفض البدويّ عباءته بعد العاصفة..
وکما تنفضُ الريحُ الأوراقَ الصفراء من الشجرة..
سينفضُ التاريخ من صفحاته البيضاء
الساسة الذين ملأوا:
بطوننا بالقررة..
وآذاننا بالخُطب..
وأيامنا بالوعود.. (مسبحة من خرز الکلمات: 100)
فـ”الأوراق الصفراء” توحي بالذبول والخواء لإرتباطها بالخريف وموت الطبيعة، کما ان “الريح الصفراء” في المقطع التالي تدلّ علی الفتن و المحن والظروف القاسية:
سقطَ الديکتاتور..
فمتی تسقط الديکتاتورية؟
کم “ثمود” يجبُ أن تندثر
وکم “عاد” يتعيّن دفنها
ليکفّ ملوکُ الطوائف
عن إثارة غبار الفتنة؟
الريحُ الصفراء
لم تبقِ من الرمال
ما يکفي النعامة لدفنِ رأسها (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 79 80)
ومن الدلالات الإيجابية لهذا اللون عند الشاعر قوله:
کانت أمي
تملأ الإناء الفخار قرب نخلة البيت
تنثرُ قمحاً و ذرة صفراء.. (المصدر السابق: 54)
فاللون الأصفر من الألوان المتقلبة، وليست له ايحاءات ثابتة، يستمد دلالته أحياناً من لون الذهب، وأخری من لون النحاس، وأحياناً من ضوء الشمس عند المغيب، وتارة من بعض الثمار کالليمون والتفاح، والطيب مثل الزعفران، وأحياناً يستمدها من النباتات الذابلة، حين تجف فيميل لونها الی الإصفرار (مختار، 1997م: 36).
اللون الأزرق:
یعتبر اللون الأزرق لون الوقار والسكینة والهدوء والصداقة والحكمة والتفكیر، واللون الذی یشجع على التخیل الهادئ والتأمل الباطني ویخفف من حدة ثورة الغضب ویخفف من ضغط الدم ویهدئ التنفس.
کره العرب اللون الأزرق، والعيون الزرقاء فاتهموا أصحابها بالکذب و اللؤم والشر (الحطاب، 2003م: 85). وکان اللون الأزرق في العيون علامة فارقة للأعجمي الرومي وکل أعجمي حتی قيل عن شديد العداوة “إنه عدو أزرق” (الأندلسي، 1995م: 56) ويقال في العدو (هو أزرق العين، وإن لم تکن زرقاء). فقد عرف العرب اللون الأزرق في عيون الجواري والقيان منذ عهد الجاهلية عن طريق قوافل التجار التي کانت تحمل الرقيق من بلاد فارس و غيرها. کما عرف العرب القدامی اللون الأزرق في عيون الغزاة الروم؛ ولذلك لم تأت أوصافها في شعر التراث إلا نادراً.
للأزرق دلالات واسعة ومختلفة، وربما يعود ذلک لأسباب منها تفاوت درجاته من الفاتح الی القاتم، فالقاتم منه يقترب من اللون الأسود؛ لذا فهو يثير النفور و الحقد والکراهية، وقد ارتبط بالغول والجن والقوی السلبية في الأرض، بينما يرتبط الأزرق الفاتح بالماء والسماء، فهو مناسب للهدوء والبرودة، وبقيت تدرجات هذا اللون بين هذين الحدين (حمدان، 2008م: 51).
وللون الأزرق مکانة خاصة في العبرية وأهلها، فهو لون الرب يهوه، بهذا أصبح هذا اللون مقدساً عند اليهود، وأما لدی الصينيين فاللون الأزرق رمز للموت (عمر، 1997م: 164)، مع أن تدرجات الألوان تعطي دلالات خاصة، فالأزرق القاتم يدل علی الخمول والکسل والهدوء والراحة، کذلك في التراث فهو مرتبط بالطاعة والولاء والتأمل والتفکير، وأما الفاتح فهو يعکس الثقة والبراءة والشباب، ويوحي بالبحر الهادئ و المزاج المعتدل کما في المقطع التالي:
حين يکون الحبُّ إناءً خزفيّاً
أو دورقْ..
حين يکونُ حديثاً تحتَ ضبابَ الخوفِ ووهماً ليس يُصَدّقْ:
يسقط عندي العاشق والمعشوقُ
ويخلعُ بحر الحبِ الثوبَ الأزرقْ (عيناك لي وطن ومنفی: 155)
لم يرد اللون الأزرق في شعر السماوي إلّا لدلالات ايجابية، توحي بالوقار و السکينة والهدوء والصفاء، کما جاء في البيت التالي:
خُذي دمي و لترسمي بعضَهُ
ورداً علی قميصکِ الأزرقِ (المصدر السابق: 159)
وأيضاً يقول:
تسألني: ما اسمُ التي تغيظنا
بثغرها الضّوئيّ کالياقوتة الحمراء؟
وشرشف الوسادة الزرقاء..
الملاءة الناعمة البيضاء (بعيداً عني قريباً منک: 153و154)
ويقول الشاعر في رثاء والدته:
مرّةً لسعت نحلةٌ جيدَ أمي..
ربما ظنّت نقوش جيدها وروداً زرقاء
لتصنع من رحيقها عَسَلا.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 61).
النتيجة:
لقد وجد الشاعر العراقي يحيی السماوي طاقات غنية في اللون لايمكن اغفالها فاتخذ منه أداة للافصاح عن مشاعره، أو تجسيد أفكاره.
وأهم النتائج التي توصل إليها البحث هو دور الألوان في المواقف المختلفة و دلالاتها حسب السياق التي ترد فيه، فالأخضر لون الحیاة والحركة والسرور؛ والأبيض رمز للصفاء، ونقاء السريرة والسلام؛ والأسود يدل علی العدمية والفناء والحزن، وأحياناً الی الحکمة والرزانة وقد يدل على الجمال والطهر والقدسية كالحجر الأسود وشامات المحبوبة؛ والأحمر من أکثر سماته ارتباطه بالدم فهو لون مخيف نفسياً ومقدس دينيا، وأما عاطفیا یعتبر لون الحب الملتهب والتفاؤل والقوة والشباب؛ والأصفر لون المرض و الانقباض والجفاف؛ الأزرق لون الوقار والسكینة والهدوء والصداقة والحكمة والتفكیر.
و ممّا توصّلنا له في هذه الدراسة أن اللون من أهم ما يميز عناصر الصورة عند السماوي، حيث لعبت المفردات اللونية العديد من الوظائف داخل صوره الشعرية، واستطاعت أن تضيف لها قيمة عالية ومذاقاً خاصاً.
المصادر والمراجع:
الأندلسي، ابن عبد ربه (1995م): العقد الفريد، ج3، بيروت، دار الفکر.
بدوي، محمد جاهين (2010م): العشق والاغتراب في شعر يحيی السماوي، دمشق، دار الينابيع، ط1.
الثعالبي، ابو منصور عبدالملک ابو محمد (2001م): فقة اللغة، تحقيق جمال طلبة، بيروت، دار الکتب العلمية.
جواد، فاتن عبدالجبار (2009م): اللون لعبة سيميائية/ بحث إجرائي في تشکيل المعنی الشعري، عمان، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.
الحطاب، محمد جميل (2003م): العيون في الشعر العربي، دمشق، مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع، ط3.
الحطاب، محمد جميل (2003م): العيون في الشعر العربي، دمشق، مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع، ط 3.
حمدان، احمد عبدالله محمد (2008م): دلالات الألوان في شعر نزار قباني، رسالة جامعية، جامعة
السماوي، يحيی (2003م): الأفق نافذتي، إديلايد، استراليا.
(2008م): البکاء علی کتف الوطن، دمشق، التکوين.
(2010م): بعيدا عني..
قريبا منک، ط1، دمشق، دار الينابيع.
(1993 م): جرح باتساع الوطن، الناشر عبد المقصود محمد سعيد خوجة، جدة.(2010م): شاهدة قبرمن رخام الکلمات، ط2، دمشق، دار التکوين.
(1415هـ): عيناك لي وطن ومنفی، ط1، جدة، منشورات دار الظاهري.
(2006م): قليلک.. لا کثيرهنّ، جدة، منتدى الإثنينية.
(2010م): لماذا تأخرت دهراً، دمشق، دار الينابيع.
(2008م): مسبحة من خرز الکلمات، دمشق، دار التکوين.
(2005م): نقوش على جذع نخلة، استراليا، منشورات مجلة کلمات – سيدني.
(1997م): هذه خيمتي.
فأين الوطن؟ ط1، ملبورن، استراليا، مطبوعات R.M.Gregory
(1419هـ): «قصيدة يا ملح الهوى ياصبر»، صحيفة المدينة، جدة.
الصمادي، امتنان عثمان (2001م): شعر سعدي يوسف، ط1، بيروت،المؤسسة العربيّة .
ظاهر، فارس متري (1979م): الضوء و اللون، بيروت، درا القلم، ط1.
عبو، فرج (1982م): علم عناصر اللون، إيطاليا، ميلانو، دار دکفن، ج2.
عبيد، محمد صابر (2005م): جماليات القصيدة العربية الحديثة، دمشق، منشورات وزارة الثقافة.
عمر، احمد مختار (1997م): اللغة و اللون، القاهرة، علام الکتب، ط2.
العمري، زينب عبدالعزيز (1989م): اللون في الشعر العربي القديم، القاهرة، مطبعة الأنجلو المصرية.
القرعان، فايز عارف سليمان (1984م): الوشم و الوشي في الشعر الجاهلي، رسالة جامعية، جامعة اليرموک.
کرم، أنطوان غطّاس (1949م): الرمزيّة و الأدب العربي الحديث، بيروت، دار الکشّاف.
مختار، احمد (1997م): الدلالات النفسية و الاجتماعية، ط2، القاهرة، عالم الکتب.
نشوان، حسين (2004م): «المعجم اللوني في شعر عزالدين المناصرة»، الأردن، مجلة أفکار، تصدر عن وزارة الثقافة، عدد 189، تموز.
همام، محمد يوسف (1930م): اللون، القاهرة، مطبعة الاعتماد، ط1.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي