مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عذراء حسين العبودي/كاتبة عراقية
تُعدّ الخاتمة من أهم المكوّنات الفنية في البناء الشعري إذ تمثّل اللحظة الأخيرة التي يترك فيها الشاعر أثره في المتلقي وهي ليست نهاية شكلية للنص بقدر ما تمثّل ذروة دلالية وجمالية تتكثف فيها الرؤية الشعرية ومن هنا تبرز أهمية دراسة شعرية الخاتمة في شعر الشاعر حمد محمود الدوخي الذي استطاع أن يمنح خواتيم قصائده حضوراً فنياً مميزاً يجعلها جزءاً فاعلاً في إنتاج المعنى لا مجرد خاتمة للنص
إن المتأمل في شعر الدوخي يلحظ أن الخاتمة عنده تتجاوز الوظيفة التقليدية المتمثلة في إغلاق النص لتتحول إلى فضاء تأويلي مفتوح يدعو القارئ إلى إعادة النظر في مجمل القصيدة فالدوخي لا يقدّم أجوبة نهائية بقدر ما يثير أسئلة جديدة كما في خاتمة قصيدته (أسرار) إذ يقول:_
إذن
أنت من كسر الفأس
في حقل أمي
الأمر الذي يجعل القارئ شريكاً في بناء الدلالة وذلك من خلال التنقيص بوصفه لفظة بصرية لها معانيها التي تنطوي عليها ضمن سياقها هذا بمعنى أنه ترك هذا الفراغ ليملأ من قبل القارئ النموذجي وهذه السمة تمنح النص الشعري حيوية واستمرارية تتجاوز لحظة القراءة الأولى
ومن وجهة نظري فإن أبرز ما يميز خاتمات الدوخي هو قدرتها على تحقيق التوازن بين الإيحاء والوضوح فهي لا تقع في الغموض المفرط الذي يقطع الصلة بالمتلقي ولا في المباشرة التي تفقد الشعر طاقته الجمالية كما في خاتمة قصيدته (يأتيك هذا الصوت) إذ يقول:_
يا قارئي إن حروفي مُدىً
لا تبك لو تجرحك الأحرفُ
وهنا نجد الشاعر يوظف الصورة الشعرية والرمز والإيقاع الداخلي ليصوغ نهاية تبقى عالقة في الذاكرة وكأنها الخلاصة الشعورية والفكرية للنص بأكمله
كما تتجلى شاعرية الخاتمة في اعتماده على النهايات المفتوحة التي لا تغلق أفق التأويل فالقارئ يخرج من القصيدة وهو يشعر بأن النص ما زال مستمراً في داخله كما في خاتمة قصيدته (إلى الأزرق البعيد) والتي يقول فيها:_
دعني أموت غداً تزورك إبرة
من ليل أمي تشتريك وترتقُ
دعني ستحملك الطيور إلى الفضا
وسيستظل بظل سعفك بيدقُ
وغداً ستجمعك السنابل بيدراً
تبقى على كتف الربى تتأنقُ
وغداً ستلتف البحيرة حولنا
وتتم أغنيتي وحقلي ينطقُ
وغداً ستنفضح البلاد جميعها
بدمي القتيلةُ والسنين تحققُ
وهنا نجد الدوخي يؤكد على انفتاح خاتمته على المقبل من التأويل بدلالة سيطرة لفظة (غداً) على توجيه البث الشعري وهذا الأسلوب يعكس وعياً فنياً بأهمية التفاعل بين النص والمتلقي ويؤكد أن الشعر الحقيقي لا ينتهي عند آخر كلمة مكتوبة بل يبدأ منها أحياناً
وتبرز أيضاً الخاتمة الاستفهامية في عدد من نصوصه حيث يوظف السؤال بوصفه أداة فنية تكشف القلق الوجداني والإنساني الذي يعتمل في التجربة الشعرية فالسؤال في خاتمة القصيدة لا يُطرح طلباً للإجابة وإنما لإثارة التفكير وتعميق الإحساس بالموقف الشعري كما في خاتمته في قصيدة (مواويل لسيدة الماء) بقوله :_
ماذا تكتب؟
هه!
أكتب عينيك وأنا
أهرب من صبح
نيساني يتربص
ظلمة وجهي
لم أفهم
وأنا كذلك
وهنا ومن خلال هذه الجملة الحوارية المطولة تتحول الخاتمة إلى نقطة توتر دلالي تمنح النص بعداً فكرياً إضافياً
أما الخاتمة الرمزية فتظهر من خلال اعتماد الشاعر على صور وإشارات ذات أبعاد متعددة تجعل النهاية قابلة لقراءات مختلفة فالرمز عند الدوخي لا يؤدي وظيفة زخرفية بل يسهم في تكثيف التجربة الشعرية وإثراء أبعادها الدلالية وهذا ما تحقق بخاتمة قصيدته (عذابات) بقوله:_
النخلة أختي
من تمسح دمع التين عن الساقين؟!
الشجرة تكتب اسمي
وأبي بخطى ديك يذرع هذي الأرض .. أبي يعرفها
جلدي يلتم على البحر
فأموت
كما نجد أحياناً خاتمات تقوم على المفارقة إذ يفاجئ الشاعر القارئ بتحول دلالي غير متوقع كما في قصيدة (أجراس)في قوله:_
واليوم لو سألوك عن غرقي بوجهك
ألف عام .. ألف عام تنكرُ
ويمل صبرك دائماً تتأخرُ
بين الزوايا واللقاء مسيرُ
هكذا يعيد الدوخي ترتيب المعاني السابقة ويمنح النص عمقاً فنياً أكبر
وخلاصة القول إن شعرية الخاتمة عند الشاعر حمد محمود الدوخي تمثل ركناً أساسياً في تجربته الشعرية لأنها تجمع بين التكثيف الدلالي والبعد الجمالي والقدرة على تحفيز التأويل وأنا أرى أن نجاح الدوخي في بناء خاتمات مؤثرة يعود إلى إدراكه العميق لوظيفة النهاية في النص الشعري إذ يجعلها لحظة إشعاع فني تتجاوز حدود الإغلاق لتصبح مفتاحاً جديداً لقراءة القصيدة وفهم أبعادها الفكرية والجمالية.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي