loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

فخ الأدب الاستهلاكي: بروست والخروج عن مألوف اللغة

breakLine
2026-10-21

 

علي حبيب بيرماني | كاتب وأكاديمي عراقي


حث الناقد الإنكليزي جون روسكن على القراءة الجماعية؛ لأن القراءة عمل صداقة بين القارئ والكاتب.  يقسم روسكن الكتب إلى قسمين: اللحظية والخالدة: الأولى تلك الكتب الاستهلاكية المكتوبة لزمنها فقط "مثل الصحف، والروايات السطحية، والكتيبات العابرة". يرى أنها قد تحوي معلومات مفيدة، لكنها تظل أدوات مؤقتة لا تُشكل وعي الإنسان الحقيقي.

أما الكتب الخالدة فهي تلك الأعمال العظيمة للعباقرة والمفكرين عبر التاريخ، وهي كتب لا تنتهي صلاحيتها، بل تنتظر بصبر أن يُقبل عليها القارئ الحقيقي لتمنحه من كنزها المعرفي والأبدي.

وفي كتابه عن "ألبير كامو" يرى عبد المنعم الحفني أن طبيعة الأدب تتحدد بحسب الطبقة الاجتماعية القادرة على شرائه واستهلاكه: في المجتمع الزراعي القديم: كان الأدب متمثلاً في أدب "ألف ليلة وليلة" والمساجلات الشعرية، موّجهاً لطبقة الإقطاعيين والملوك التي تملك المال، فكان الأدب القديم يتسم بالاستعراض اللفظي.

أما في المجتمعات الصناعية: تظهر مرحلة ما يسميها الحفني بـ "أدب الموظفين"، إذ تبرز طبقة الموظفين والمثقفين كقوة أساسية مستهلكة للأدب، كونها تملك المال لشراء الكتب. وهذه الطبقة يصفها بأنها أنصاف المثقفين، فهي عندما تقرأ الأدب تقرأه بعجالة وتستهلك الأدب الخالي من الفكر العميق "أدب المغامرة والحب الرومانسي". فهو أدب مشكلة الآخر وليس الأنا، فالزمن المجدول يخلق إنساناً آلياً لا يصل إلى الفكر الإبداعي أو الفلسفي، وإنما تنحصر كلمة الفكر لديه في شقها العملي فقط.

حتى الأخلاق الوظيفية هي بدورها تتطابق مع المؤسسة ولا يكون منبعها فردياً، فيكون الذوبان في الجماعة هو الحل، ليس لأن الموظف يفتقد التفكير، بل لأنه يفكر كثيراً لكن بصورة عملية.

تتقاطع هذه الفكرة مع الانتحار الفلسفي، والذي مضمونه ليس قتل الجسد وإنما قتل التفكير الحر، لكنه عند كامو يكون مواجهة للعبث الذي يتجسد في صورة التكرار اليومي، ليحلّ محل السؤال الأنطولوجي في بحث الإنسان عن المعنى هموم عملية غايتها الترقية وزيادة المرتب الشهري.

فالثورة على القديم، والنشاط الذاتي، كلاهما يتضاءل بمرور الأيام ليصبح الذوبان في الجماعة حلاً مريحاً وهروباً من المعنى. لأن فعل القراءة هنا أصبح هدفه التسلية وليس الغوص في مشكلات الحياة، أو معالجة الأزمات أو البحث في الهوية، فالأدب الجيد لا يخلو من البحث عن الحقيقة، وهذه مهمة لا يضطلع بها الفيلسوف وحده.

فيشير جيل دولوز في سياق حديثه عن بروست "على النقيض من فكرة المنهج الفلسفي، يطرح بروست فكرة الإرغام والصدفة المزدوجة، فالحقيقة تعتمد على لقاءٍ مع شيء ما يرغمنا على التفكير والبحث عما هو حقيقي". (جيل دولوز: بروست والإشارات).

ليس الأدب ملاذاً للاغتراب، إنما هو فعل إشراك واشتباك يستنفر العقل والروح ليتماهى مع حقيقة الواقع ويشرح لب المشكلة بحثاً عن جوهرها.

يشبه روسكن فعل القراءة بمحادثة مع أناس أكثر حكمة من أولئك الذين بمقدورنا أن نحظى بفرصة التعرف عليهم عن كثب. أي إنه يستعيض عن الناس بالمفكرين إذ لا تقتصر الصداقة على الأحياء والمعاصرين فقط، بل هي فعل عابر للزمن.

بينما يعلق مارسيل بروست على هذه الفكرة بأنه "لا يمكن للقراءة أن تتنكر في هيئة محادثة، ولو كان ذلك مع أكثر أبطال الرواية حكمة، وبأن الاختلاف الجوهري بين الكتاب والصديق لا يُقاس بمدى الحكمة، ولكن بالطريقة التي نتواصل بها معهما...القراءة تتمثل بالنسبة لكل واحد منا في تلقي فكر آخر والتواصل معه، مع بقائنا بمفردنا، بمعنى أن نستمر في الاستمتاع بالقوة الفكرية التي تمنحها لنا الوحدة" (مارسيل بروست: عن القراءة).

ما يريد بروست قوله بأن الكتاب كيان صامت يمنحك تفكير الكاتب كاملاً دون أن يطالبك بأي رد فعل اجتماعي. إن الجهد الأسمى للكاتب - كما يرى بروست - مشابه لعمل الرسام، لا ينجح سوى في أن يرفع عن أعيننا جزئياً ستار القبح والعبث، الأمر الذي يتركنا فضوليين أمام الكون.

القراءة هي عتبة للكتابة شرط أن تقرأ شيئاً جيداً، وكما يقول في كتابه عن القراءة "الكتب الجميلة مكتوبة بلغة أجنبية" ولا يقصد بروست أنها تُكتب بلغة غير اللغة الأم، وإنما في تجاوز قواعد اللغة، وإخراجها من جذورها النحوية والقاعدية، فالمبدع هو هذا الفرد الذي يتمتع بقوة استثنائية، عبر دفعه اللغة وفتحها نحو حدها الأخير، بحيث يجعل اللغة غريبة عن نفسها.

وأنا أرى أن هذا الفعل لا يأتي إلا عبر التماهي التام مع اللغة وانخراط الكاتب معها: "يصير الرجل أثناء عملية الكتابة امرأة، حيواناً، جزيئة، أو يتلاشى كلية" (جيل دولوز: بروست والإشارات).

فهذه عملية تحول لا تُفقد الكاتب تفرده عبر فعل الصيرورة هذا، فبروست يبحث عن لغة للأقلية، وإن أمثلة دولوز المفضلة في إطار هذا التشبيه، هي ما فعله جيمس جويس، الذي كان يكتب بالإنكليزية ليقلبها من الداخل عبر خلقه لطرق كتابة أخرى ضمن قواعد ونحو اللغة الإنكليزية العادية، ولكن بدفعها إلى حدود هذيانها وتخريفها، حتى فتح جويس أمام اللغة الإنكليزية ممكنات ضمنية لم تكن تعرفها قبل عملية التحطيم التي أجراها، عبر كشف سياقات وإبداع لغة أخرى داخل اللغة نفسها.

والأغرب من ذلك ما فعله بيكيت الإيرلندي الذي كتب بالفرنسية، والذي لم يصبح كاتباً -برأي دولوز- إلا عندما نخر اللغة الفرنسية من داخلها وولد فيها أبعاداً وأساليب جديدة في القول، وكذلك كافكا التشيكي الذي كتب باللغة الألمانية.

فكانت محاولة بروست دفع الجملة التقليدية الفرنسية إلى الخروج عن حدود تحملها القصوى، وجعلها تهذي وتخرف بطريقة غير مألوفة، حتى إن أندريه جيد رفض نشر الجزء الأول من روايته (بحثاً عن الزمن المفقود) واعتبره ثرثرة لا تتمتع أبداً بعناصر الإبداع المعروفة، لكنه اعتذر في رسالة إلى بروست بعدما طبعها بروست في دار نشر أخرى، ليدرك أندريه جيد أن هذه الثرثرة ستكون واحدة من أعمال القرن التي غيرت أشكال الكتابة الروائية.

إن الأدب الذي يخرج باللغة عن أُطرها المألوفة هو وحده الكفيل بانتشال القارئ من فخ الأدب الاستهلاكي ومصيدة أدب الموظفين.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي