loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

في متاهة الحلم والتاريخ: قراءة نقدية في الكتاب السردي (أحلام أحلام) للكاتب أنطونيو تابوكي

breakLine
2026-06-20

علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي

 


تعد (أحلام أحلام) للكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي واحدة من أكثر التجارب السردية تفرداً في الأدب الإيطالي المعاصر، فهي عمل يقف على الحدود الفاصلة بين الرواية والمجموعة القصصية والتأمل الفلسفي، ويجعل من الحلم مادته الأساسية ومن التاريخ مادته الخام.
لا يهتم تابوكي هنا بإعادة سرد حياة الشخصيات التاريخية أو الفنية التي يستحضرها، بل يتسلل إلى مناطقها الأكثر غموضاً عبر أحلام متخيلة تكشف ما عجزت عنه السير الذاتية والوثائق.
نشر تابوكي هذا العمل عام 1992، وجعل منه معرضاً أدبياً لعشرين شخصية من التاريخ والأسطورة والفنون، متخيلاً الأحلام التي ربما راودتها في لحظات حاسمة من حياتها. 
ينطلق تابوكي من فكرة مدهشة - ما الذي يمكن أن يكشفه حلم واحد عن شخصية تاريخية أكثر مما تكشفه كتب السيرة - ولهذا لا يروي حياة الشخصيات، بل يتسلل إلى ليلها الداخلي، فبدلاً من الوقائع والأحداث نجد ديدالوس و أوفيد و كارافاجيو و ليوباردي و بيسوا وغيرهم وهم يواجهون ذواتهم العميقة عبر رؤى حلمية تتجاوز التاريخ نحو الجوهر الإنساني. 
فالشخصيات التي صنعت التاريخ أو الأدب أو الفن لا تظهر بوصفها رموز مكتملة ومنتصرة، وإنما بوصفها كائنات قلقة، مأهولة بالهواجس والأسئلة والندم والرغبات المكبوتة. ومن خلال هذا المنظور ينجح الكاتب في تحويل الحلم إلى سيرة مضادة، سيرة لا تبحث عما فعلته الشخصيات في حياتها بقدر ما تبحث عما كانت تخشاه أو تتمناه في أعماقها.
ان جمالية النص تبرز في قدرته على تجاوز الواقعية التقليدية نحو فضاء شعري كثيف، حيث تتداخل الأزمنة وتختلط الحدود بين الماضي والمستقبل، وبين الذاكرة والنبوءة، وبين الحقيقة والخيال، فالحلم عند تابوكي ليس وسيلة للهروب من الواقع، بل أداة لكشف طبقاته الخفية واستنطاق المناطق المعتمة في التجربة الإنسانية، لذلك تبدو الشخصيات وكأنها تعيش لحظة مواجهة مع ذواتها العارية بعيداً عن الأقنعة التي فرضها عليها التاريخ.
إن القارئ لا يلتقي هنا بكبار الشعراء والرسامين والفلاسفة كما عرفهم العالم، بل كما ربما عرفوا أنفسهم في لحظات الوحدة والشك.
وتبرز في العمل أيضاً رؤية خاصة للزمن، إذ لا يظهر بوصفه خطاً متتابعاً من الأحداث، وإنما متاهة من الذكريات والاحتمالات والصور المتكسرة، فالأحلام تسمح للشخصيات بأن ترى ما لم يحدث بعد أو أن تستعيد ما ضاع إلى الأبد، وكأن الماضي والمستقبل يذوبان في لحظة حلمية واحدة، ومن خلال هذه الرؤية يؤكد تابوكي أن الحقيقة الإنسانية ليست ما يمكن تدوينه في كتب التاريخ، بل ما يظل كامناً في أعماق الوعي واللاوعي معاً. ولهذا تتحول الأحلام إلى مرايا متشظية تعكس جوانب متعددة من الشخصية من دون أن تمنح صورة نهائية أو مكتملة عنها.
برأيي فإن (أحلام أحلام) تعد متمكنة بوصفها احتفاءاً بالأدب والفن وقدرتهما على منح الموتى حياة جديدة. فتابوكي لا يكتب عن شخصيات من الماضي بقدر ما يحاورها ويستدعي أصواتها إلى الحاضر، محولاً الكتابة إلى فعل إنصات وتأمل واستحضار جمالي. ومن هنا تتجلى فرادة العمل الذي لا يعتمد على الحبكة أو التشويق بقدر اعتماده على التأمل العميق في معنى الوجود والذاكرة والإبداع.
إن (أحلام أحلام) ليست كتاباً عن الأحلام بقدر ما هي كتاب عن الإنسان نفسه، عن هشاشته وأوهامه وأسئلته التي لا تنتهي، وقد استطاع أنطونيو تابوكي أن يجعل من الحلم شكلاً من أشكال النقد التاريخي والوجودي، وأن ينزل بالشخصيات الكبرى من منصاتها الأسطورية إلى مستوى التجربة البشرية المشتركة. لذلك يخرج القارئ من هذا العمل وهو يشعر أنه لم يقرأ أحلام شخصيات بعيدة عنه، بل قرأ انعكاساً لأحلامه الخاصة، لأن الأحلام في النهاية هي اللغة السرية التي يتحدث بها البشر جميعاً مهما اختلفت أزمنتهم وأقدارهم.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي