مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. فاضل علي/كاتب عراقي
ثمة مفكرون يكتبون عن الفلسفة، وثمة قِلّة نادرة تكتب الفلسفة ذاتها وهي تُعيد تشكيل أدواتها من الداخل. إلى هذه القِلّة ينتمي الدكتور محمد حسين الرفاعي، المفكر وعالِم الاجتماع العراقي الذي لم يكتفِ، منذ 2016 وحتى اليوم، بأن يكون قارئًا للمعرفة السوسيولوجية الوافدة من الغرب، بل انتصب سائلًا لها، ناقدًا لشروط تكوّنها، وباحثًا عن إمكان ميلادها من جديد على أرض عربية لم تألف أن تُنتج مفاهيمها بل أن تستوردها.
حين يصبح السؤال مشروعًا
كل مشروع فكري كبير يبدأ بجرح. وجرح الرفاعي هو ذلك السؤال الذي طالما أرّق الوعي العربي الحديث: كيف نفكر بأدوات لم نصنعها؟ كيف نُنتج معرفة بمجتمعنا وإنساننا دون أن نظل أسرى مفاهيم وُلدت في سياقات أخرى، لتاريخ آخر، لأزمات أخرى؟ لم يهرب الرفاعي من هذا السؤال ولم يكتفِ بترديده شكوى كما فعل كثيرون قبله؛ بل حوّله، بصبر الباحث ودأبه، إلى مشروع معرفي متكامل امتد على تسعة كتب وأكثر من عقد من الزمن.
في "إشكالية التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر" (2016)، لم يكن الرفاعي يبحث عن توليفة سهلة بين الأصالة والمعاصرة كما فعل غيره، بل كان يمهّد الأرض لسؤال أعمق: ما الذي يجعل معرفة ما "علمية"؟ ومن يملك حق تعريف العلمية أصلًا؟
إبستيمولوجيا كفعل تحرّر
في "إبستيمولوجيا السوسيولوجيا" (2018)، انتقل الرفاعي من موقع الناقد إلى موقع البنّاء. لم يعد الأمر يتعلق بمساءلة المعرفة الوافدة فحسب، بل بصياغة أدوات جديدة كليًا لفهم كيف تتشكل المعرفة الاجتماعية بالأساس. هذا التحول ليس تفصيلًا أكاديميًا عابرًا؛ إنه إعلان استقلال فكري، محاولة لانتزاع حق التنظير من احتكار المركز الغربي.
ثم جاءت ثلاثيته حول الآيديولوجيا في عام 2020 وحده - إنجاز يندر أن يحققه باحث في سنة واحدة - لتُظهر أن الرفاعي لا يكتب بترف الوقت، بل بإلحاح من يشعر أن المشروع يجب أن يُنجز، وأن التأجيل رفاهية لا يملكها من يحمل هَمّ تأسيس حقل معرفي بأكمله.
حين تلتقي المنهجية بالإنسان
ما يميز الرفاعي عن كثير من "فلاسفة المنهج" أنه لم يحبس نفسه في أبراج التجريد. ففي عام 2022، وفي لحظة نضج فكري لافتة، أصدر ثلاثة كتب متزامنة: واحد يؤصّل لبنية البحث العلمي ذاتها، وآخر يفكك الفرق الدقيق بين الميثود والميثودولوجيا، وثالث ورابع يطبّقان كل هذا الجهاز المفاهيمي على أسئلة الهوية والأخلاق والمواطنية والديمقراطية في "مجتمعات مأزومة" - وأي وصف أدق من هذا لواقعنا العربي الراهن؟
هنا يكمن سرّ تأثير الرفاعي: إنه لا يكتب المنهجية من أجل المنهجية، بل يكتبها لأن المجتمعات المأزومة تحتاج أدوات تفكير غير مأزومة لكي تفهم أزمتها.
إرث لا يزال يُكتب
تسعة كتب، صادرة عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير في بيروت وتونس، ليست مجرد قائمة ببليوغرافية، بل هي أثر لعقل لم يتوقف عن السؤال، ولم يقنع بجواب جاهز. لقد أسّس الرفاعي، بمفرده تقريبًا، حقلًا معرفيًا كان غائبًا: سوسيولوجيا المعرفة في البلدان العربية، لا كترجمة ولا كاستنساخ، بل كولادة.
وككل مشروع تأسيسي حقيقي، فإن قيمته لا تُقاس بما أنجزه فحسب، بل بما فتحه من أفق للباحثين القادمين: أفق أن يفكروا بأنفسهم، من داخل شرطهم التاريخي، دون أن يستعيروا عيون الآخرين ليروا بها أنفسهم.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي