loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

في معاني نصوص حسين السّيّاب الشّعرية ضمن "عزف الرّمال"

breakLine

 

 

محمد بن جماعة/شاعر وناقد تونسي

 

"عزف الرّمال" عنوان لا يخلو من طرافة، اختاره الشّاعر حسين السياب لمجموعته الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق سنة (2022)، فهل شكل هذا العنوان الصدى المناسب والحقيقي في كامل النصوص المُدرجةِ الثمانية والثلاثين؟ حتى يكون بين دندنة وإيقاع وبين حركة مستمرة وسكون. بين جفاف لذرات الرمل وتصادم متصل ومحاكاة لكثبان الصحراء، بين وحشة الطريق وفراق الحبيب وبين سراب يخاتل العطشى، بين التّيه بحثاً عن السعادة وبين الظفر بواحات البهجة استئناسا بالحاضر والماضي والتاريخ، بين القفر والعمارة، بين الألم والحزن وبين رحلة عنوانها العشق والحبّ.

"سلاماً لشمسٍ 
تشرقُ على بغداد
تغازلُ النهرَ
تلاعبُ موجةً هاربةً من الضفافِ
تملأُ بالنورِ كأسَ أبو نُوَاس
وتمضي...
إلى حيثُ خطَّ الله لها مساراً
في الطرقاتِ المعبدةِ بدمِ الأنبياء
ثمَّ تهوي بكلِّ ألقها في بابل..
تتعشقُ بماءِ الفرات
تُراقصُ ظلَّ نخلةٍ
وتغفو بأحضانِ عشتار..."
ص: 11

والفاعل هي الشمس التي لم تفارق بغداد، وما اكتنزه العراق من حضارات لن تنكرها البشريةُ السابقة واللاحقة.. إشراقة فخر واعتزاز في منطقة الرافدين بآلهة الحبّ والجمال والخصوبة "عشتار"، فكانت القصيدة الافتتاحية لمحاور اهتمام مختلفة أبرزها فزعُ "النهر" من طريقه الموحش، الذي امتلأ بالمتربصين بمساره الطبيعي فحرموه من الراحة في سريره فلا هو يتقبل الخلاص، ولا هو يستسلم للجلاد..

"كيفَ يستقيمُ النهرُ
في مسيرهِ
وقد نُصِبت له الكمائنُ
من كلِّ حدبٍ وصوب
وأعوانُ الحجاج
ما زالوا يتربصونَ بهِ 
مدججينَ بالسيوفِ والأحقاد!
وهو يلوذُ ما بين البساتين والحشائش
مذعوراً كطفلٍ فقدَ أمه
ذاتَ حلمٍ..
كمنْ أغرقته الظنونُ
وولّى هارباً بلا وجهةٍ ولا أمل..
لا طريقَ يُرشدهُ إلى برٍّ من الأمان 
لا خلاصَ ولا استسلامَ
أمّا الموتُ على أيدي الجلاد
أو الموتُ خوفاً من ليلٍ أسدل ستارَهُ وأطبقَ فمه
يقتصُّ من النهرِ 
كلَّ ذنوبِ الأوطان...!" 
ص: 12

ليزداد نسق الوجع والتوجس والرّيبة من كلّ ظلام أو ظلم ومن "الوحشة" الجاثمةِ ظلالُه هنا وهناك على الأرض، لتمحو أحلام الأطفال وسائر الأجيال. فبدا تشكيلا وهندسة لوجع متكرر ختامه ابتلاع لكلّ ما هو مضيء ويانع، مقابل تسابيح دون أفعال:

" نحتاج
إلى الكثير من الحبِّ
لنسدّ رمق هذا الوحشِ
الذي يتربّص بنا منذ دهر
فاغرا فاهاً عظيما
يبتلع أحلام الأطفال والنّساء
يهرس بأضراس الزّمن
كلّ الأمنيات.." ص: 14

ويمضي الشاعر حسين السياب في تثبيت تعلّقه بالوطن ليكون زينة هويته وشغفه الأوّل ووجهته النّهائية رغم تراكم أحداث موجعة استباحت حرمة الأرض ومن دبّ عليها، ورغم انتشار الموت بين الآلاف النّابضين بالحياة والحبّ، تقدم نحو المجهول ولفّ الحزن روحه..

" صمت رهيب
يطبق على المكان
والزّمانِ
قيض يقتصّ من ربيعي
الذي شارف على الذوبان
في بحر الشّوق.. " ص: 18

ليستمرّ الوحش مهدّدا وجاثيا وغافيا على الوطن "منذ ألف عام" ومع هذا التّصوير المتشنج تتأكد قيمة النّهر والنخيل المنحسرة والمتراجعة وهي رموز المقاومة والصبر والحياة والخصوبة..

"يشرب النّهرُ ماءه
وتموت النّخلة
واقفةً بلا كفنٍ.." ص: 20

وتطفو من جديد ملامح حزن أعمق لدى الشاعر لتتشكل قصيدة نثر من قطرات الدم:

"بين حفّارِ القبور وأصحاب الفجور
يترنحُ ذاك السّومريُّ الحزينُ..
يتمتمُ ترنيماتٍ مبهمة
يسذكرُ وطناً
جراحه تنزُّ حروفَ ألمٍ
تتشكّلُ قصيدةَ نثرٍ..
تبوحُ رغمَ الوجعِ عن أملٍ
والليلُ حتى مطلعِ الفجرِ
يرسمُ الكَلمَ ويؤطّرُ النصَّ بالسوادِ
وبعض ألمٍ
يصوغُ من قطراتِ الدمِ 
إمضاءً لشاعرٍ
يطوفُ في رأسهِ سفاحٌ
يُلوّحُ في يده فأسٌ
وعلى صدرهِ نوطُ خيانةِ الوطن." ص: 22  

تعلّق آخر يحاصر الشّاعر إلى جانب "تسابيح الوطن''نصافح "تسابيح المرأة'' ف "تسابيح الشّوق''..

" تلك امرأة
تغزل الشّمس
صباحا من وجنتيها
نوراً يشعّ.."

" تلك امرأة ينحت
النّهر خصرها" ص: 23

فيسير بنا الشاعر بين جمل الوجد والعشق والوله متشبّثا بتحقيق الصور والمشاهد ليحافظ على حرارتها وتتابع نبضها لتأكيد الشّوق وفتنة التّعلّق:

" حين داعبت جيدك بقبلاتٍ
من شوقٍ
فتنهدت
حتّى احمرّت أوراق
الشّجر خجلا.. 
فاض العشق غزلاً
وأمطرت السّماء
قطراتٍ قطرات.." ص: 25 ..

فهل يكون الغزل وطنا آخر يلوذ إليه الشّاعر ليرمّم وجدانه المنكسر جراء الخذلان الاجتماعي والحضاري الذي تجرّعه في أرضه منذ زمان بعيد؟.. لتصير المرأة شكلا حقيقيا محقّقا للطّمأنينة والرّاحة النّفسية؟ لذلك غيّر حسين السّيّاب الوصف من القبح والتّشنيع إلى الافتتان والمدح والتغزّل ونقل كل حركات فنون الحبّ دون شرط.. إنّها مكانة المرأة في جوهر "عزف الرّمال".. 
إنّ التّعلق الحسّي بالمعشوق: ( الوطن ) / ( المرأة )  لم يُذهب عن الشّاعر التعلّق بالسّماء وما حوت من جمال لم يتغيّر في طبيعته، كالشمس والغيم والنّجم والقمر، ولم يلغ هذا الانجذاب الطّاغي نحو الجسد انجذابا نحو ما هو كائن على الأرض من حسن دقيق التكوين كقوس قزح والنهر والجبال والنخيل والخيل والورود والأنهار والبحر، وتعاقب الليل والنّهار.. كلّها تصبّ في الإيحاء بافتتان غير منقطع، وانصهار تامّ في بوتقة اللّغة القريبة من لسان الشّاعر حسين السّياب الذي جمع التفاصيل المؤثثة والمنعشة للخيال وقنص الصور للكشف عن نفسه المُحدِّثة بكلّ حرص.. بفيض الجمال والتّوق إليه كلّ حين، وكأنّنا أمام صفقة بينه وبين كلّ هذا الجمال الكوني لتحقيق الإشباع الوظيفي حسّا ومعنًى قد يلغي به المتلقي دون قصد لتتحقّق ذاتيّة نشوى بعناصرها ومكوّناتها اللّفظية:

"وحده الكتاب
ينير دربي..
وحدها الكلمات 
تطفئ نار الشّوق..
وحدها الحروف
المعتّقة تسكر عقلي
فأترنّح بين الهمزة والفاصلة
وحده اللّيل يواسي
غربتي
لأنسى كلّ الهموم والمحن.."
ص: 37

إنّ الحياة " السّعيدة " باتت رهن محاكاة الطّبيعة والتّمتّع بها والتّلذّذ بهباتها لذلك:

" أفرد جناحيَّ
أمشي على الغيم
أشاكس الرّيحَ .." ص: 44

ومعاشرة الصّور الحيّة:

" على مهلٍ يجري النّهر
يعلّمني الحياة
والرّحيل.. 
أغنّي له.. بصوت يملأ أعماقه حزنًا 
ونمضي بعيدا.." ص: 45

نحن في محطّة شديدة الاتّساع أكّدها الشّاعر قبل الانطلاق في تنزيل قصائده في " الإهداء " ص: 5..  فقال:

" كلّ الكلمات..
محطّات روحي التي تنتظر وجهك..
وأنا
أصبر كالسّنين ورقة، ورقة
وحدودي معك فضاء حبّ وقصيدة..."

بيان صريح تربّعت على عرشه روح الشّاعر المنصفة لذاتها بذاتها.. لا تتراجع في القول والتلميح بضرورة التّجاوز لكلّ أشكال القلق مهما تسبّبت مصادره في الضّجر القلق:

" هناك 
حيث اللاّشيء
أحدّق في البعيد
ولا أرى إلاّ الخواءَ
ضجر يخترق مفاصل الأيّام
قلق يبعثر سكينة الرّوح../

تناولت الرشة
وكتبت..
منفى بعيد
لا وطن في الأفق
هي روحي كلّ مساء.." ص: 51+52

حتّى وإن كانت المرأة خير ملجإ أمام خيبات الشّاعر المتكرّرة سواء في وطنه أو في ماضي علاقاته الإنسانية وآلاف الذكريات الغابرة.. تزاحمت في أغلب قصائده معاني الألم والقلق والحزن من جهة ومعاني الحبّ العميق الذي لم تدم لحظاته النابضة بل افتقدها بعد أن تشرّبها وجرّبها سريعا.. لم تدم ولم تبق ولم تكن لتملأه سعادة أبديّة، فيدخل حسين السّياب هذا الشّاعر المتجدّد مساحات تقصر وتطول لتجسيم هذه الأحاسيس المتناقضة المتراكمة بين يأس وأمل، وبين كره وحبّ، وبين صبر وتعجّل، وبين تعاسة وسعادة، وبين صدق وخيانة.. كلّ هذه النداءات تبرز منذ منتصف المجموعة "عزف الّمال" ولعلّ القارئ الفطن يلاحظ أهمّية وقيمة الاختيار في عناوين النصوص تباعا فهي هامسة بطبعها وجرسها بكنه المواضيع – المفاتيح: مثل: أوهام/ موقد / نبيذ الصّبر / لغز عنيد/ عيون المها/ مشهد جنائزي/ طبول النشوة/ المشهد الأخير/.. 
"عزف الرّمال" عنوان جامع يحيل إلى منطق موسيقي لحني، إمّا إلى موعد فرح أو إلى لقاء جنائزي أو إلى موعد لدق طبول الحرب، والمكان لا يمكن أن يكون إلاّ في صحراء لتخبر الرّمال بطبيعتها عن الجفاف والقحط، والصّورة التي نتلقّفها هي مشهد وصوت احتكاك ذرّات بلّورية شديدة الصّلابة إذا ألقي بها في طبق من نحاس أو حديد تحدث صوتاً ورنيناً يغيب ويتلاشى تدريجيّا كلّما شارف الطّبق على الامتلاء...
تلك بعض معاني نصوص الشاعر العراقي حسين السياب التي حاول فيها - وبنجاح - السّير في عوالمها حتّى وإن تحدّث فيها عن مدينته فهو يتحدّث عن مدننا العربية، وإن تحدّث عن شغفه وعشقه للوطن فهو يلامس وطننا الكبير، وإن برع في مغازلة المرأة فهو يتحدّث على لسان الملايين منّا وإن شخّص بعض القلق وأسبابه صافح بذلك المتلقّي اطمئنانا لما أتى به وتوصّل إليه من خلال مرئيّاته الشعريّة:

" مازلت أبحث في كومة
من ذكريات
علّني أجد بين السّطور
نورا لقلبي.. "

 

 


 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي