loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة نقدية في النص الشعري (هواء لقصب مشنوق) للشاعر هاني النواف

breakLine
2026-08-26

 

 

رياض عبد الواحد السعد |ناقد عراقي

 


ينفتح النص على ظاهراتية الاختناق والغياب، إذ لا تُقدَّم الأشياء بوصفها موجودات خارجية بل بوصفها آثارًا لما يحدث في الوعي والجسد. فالعتمة، الأرصفة، النافذة، الباب، الثقب، الرمل، والجدران تتحول إلى صور داخلية لوعيٍ فقدَ مركزه حتى يغدو المكان امتدادًا للجرح النفسي لا إطارًا له.
والذات هنا لا تتذكر الماضي بقدر ما تسكن بقاياه الحسية: خصلة الشعر في علبة الثقاب، الكلام المختبئ تحت الجلد، الشرفة المولودة في الصدر، والندوب التي تُخفى في الجيوب. إنها ظاهراتية الأثر، إذ لا يعود الغائب غائبًا تمامًا بيد انه يحضر بواسطة ما تركه في الجسد والذاكرة والمكان.
وتبلغ التجربة ذروتها حين يتحول الجسد إلى فضاء متشظٍّ: (خرجت من رأسه)، (عين رمليّة)، (لسان حافٍ)، (شظايا دم مذعورة) فتتراجع هوية الإنسان المستقرة لتحل محلها ذاتٌ تتلمس وجودها عبر أجزاء مبعثرة.
أما الخاتمة، (وهو يقبض على لون القصب) فتستعيد شيئًا من التماسك، لكن ليس بوصفه خلاصًا بل بوصفه قبضًا على آخر علامة حسية للوجود،  فالقصب هنا يبدو كأنّه هواءٌ هشّ لذاتٍ معلّقة بين الاختناق والبقاء.
لذلك فإن النص، ظاهراتيًا، لا يحكي مأساةً بقدر ما يجعلنا نختبرها من الداخل: جسدًا، وذاكرةً، ومكانًا، وغيابًا يتخذ هيئة الأشياء.

النص:


(هواءٌ لقصبٍ مشنوق)

العتمَةُ تأبَى السكونَ
تشتعِلُ مثلَ سدرَةٍ مركونَةٍ طويلاً

يسقُطُ
محاصَراً بزحامٍ تخثَّرَ علَى الأرصفَة
وبإنصاتٍ عصِيٍّ
يُعشِبُ في نشوَةٍ
تُراقِصُ بلَلَ الأطراف
لتغسِلَ ضفائِرَها المتأخرَة بالحِنَّاء

شعرَةٌ واحدَةٌ من خصلِ شعرها 
محفوظَةٌ في علبَةِ ثقاب
وكلامٌ سقَطَ علَى حافَّةِ الطاولة 
قبلَ أن يختَبِئَ تحتَ الجِلد
ولِدَت شُرفَةٌ في صدرِهِ

ثُمَّ أغلَقَ ضحكَتَها
كَي لا تختلِطَ بماءِ الأجساد
لم يكُن يدرِي أنَّ اسمَها
موجودٌ قبلَ صوتِهِ
حتَّى صارَ شقّاً مليئاً بالخِرَقِ الملوَّنَة

لا لَم تكُن في الجسَدِ
إنَّما كنتَ طفلاً يسكُنُ الفجر
يعودُ منَ النافذَةِ المغلقَة
كَي يوقِدَ لَكَ الظلال

كانَ يمشِي في متاهَةٍ
نزعَت فناراتِها
ومثلَ حفرَةٍ تمُدُّ يدَها
تصعَدُ إلى ما تبقَّى
من خوفِهِ الصغير

ألقَى في وجهِها حجَراً
وأغمَضَ عينَيهِ
فصارَ طمياً
يلتَهِِمُ خواءَهُ

لَم يبقَ
إلَّا بابٌ أورَقَ عتبَةً تجلِسُ وحدَها
وثقبٌ غامِقٌ يملأُ فراغَهُ
بأصداءِ المارَّة
وأزِقَّةٌ مطويَّةٌ
أنكَرَت أقدامَهُ

وفي مكانٍ ما
عظامٌ لا يعرفُها العابرون
ممدَّدَةٌ علَى الرملِ
كشجرَةِ توتٍ هرمَة
نحرَها شخصٌ لَم يولد

وكانَ الأجدَرُ
أن يترُكَ وجهَهُ
إلى إيماءَةٍ عادت مكرَّرَةً
في امتدادِها البارِدِ

حامِلاً جدرانَها
بأذرُعٍ خرَجَت من رأسِهِ
كانَ يشرئِبُّ نحوِها
بعينٍ رمليَّةٍ
بلسانٍ حافٍ يقرِضُ أسنانَهُ
وشظايا دمٍ مذعورَةٍ
تنهَشُ لحظَةَ اليقين

ثُمَّ انحَنَى دونَ فَمٍ
يرعَشُ مثلَ شيءٍ لا اسمَ لَهُ

مهتاجاً يفرُكُ في ممَرٍّ ضيِّقٍ
زغَبَ الرعشات
برائحةٍ حمَلَها الغبار
ينثُرُها علَى سريرٍ أعرَج

كالُعشبِ المبلول
خرَجَ من سماءِها
بأثرٍ لقدَمٍ موشومٍ علَى الصدرِ

كانَ نصفُهُ معلَّقاً
خلفَ ما غادرَهُ الغياب
حامِلاً تجاعيدَ أكبرَ منهُ
يخبِّئُ ندوبَها في جيوبِهِ

يعودُ منهُ شيءٌ صغيرٌ
يسعُلُ حولَ نفسِهِ

حامِلاً ملامِحَ خيبَةٍ
تَجُسُّ صقيعاً شارِداً
تغدو موجاً عتيقاً
يلطِمُ أعذاقَ الضَّوءِ
واتِّساعٌ تلوَّنَ بالسكوتِ
بسطوعٍ خفيفٍ
ينهمِرُ علَى الوجهِ

وهوَ يقبِضُ علَى لونِ القَصَب

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي