loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة وتأويل لقصيدة (رغوة الفراغ ) للشاعر كاظم مزهر.. رغوةُ الفراغ: أنطولوجيا القسر والوجود المعلّق

breakLine
2026-10-06

رياض عبد الواحد السعد 
ناقد | عراقي

 


المقدمة:
تنبني هذه القصيدة على مفارقة مركزية تبدو منذ النصيص: كيف يمكن للرغوة، بما هي أثرٌ هشّ، عابر، متكوّن من فقاعات هوائية سرعان ما تتبدد، أن تستقر في الفراغ الذي يبدو بدوره فضاءً بلا مادة ولا امتلاء؟ إن اجتماع (الرغوة) و(الفراغ) لا ينتج صورة مكانية فحسب إنما يؤسس منذ البداية لمعضلة وجودية: ذاتٌ تريد أن تثبت حضورها في عالم لا يمنحها يقينًا بالثبات.
من هنا لا تبدو القصيدة مجرد شكوى من الموت أو العدم أو القسر بل تتحول إلى مساءلة عميقة لشروط وجود الذات: من الذي يطلق السهم؟ من الذي يحدد الهدف؟ هل الإنسان هو الذي يختار طريقه، أم أنه (مجبر) على الانطلاق في مسار سبق أن رُسم له؟ وهل يستطيع الكائن أن يصنع معنى لحياته في عالم تتجاور فيه مفردات القوس، السهم، الخنجر، الشوكة، الحصى، الحدوة، الجلاوزة، الحبل، سقر مع مفردات الطيران، الهواء، النهار، الليل، الضحكات، السعادة؟
سأتناول النص من ثلاثة مستويات متداخلة:
المستوى السيميائي: عبر تتبع شبكة العلامات والثنائيات الضدية والتحولات الدلالية.
المستوى الوجودي: عبر مساءلة مفاهيم القلق، والوجود، والعدم، والموت، والاختيار، في ضوء أفق هايدغر.
المستوى التفكيكي: عبر الكشف عن التناقضات الداخلية التي تقوّض كل معنى نهائي تقترحه القصيدة لا سيما ثنائية الجبر/الاختيار والوجود/العدم واليقين/القلق.
تفكيك النصيص: (رغوة في الفراغ)
ليس النصيص تسمية خارجية للنص بل هو عتبة تأويلية تضغط القصيدة كلها في تركيب لغوي بالغ الكثافة.
(الرغوة): وجود بلا جوهر ثابت
الرغوة شيء مرئي لكنها لا تمتلك صلابة الشيء. إنها وجود مؤقت يتشكل فوق سطح آخر. ولذلك تحمل دلالات:
الهشاشة
الخفة
التلاشي
الانبثاق
الحركة
الوهم البصري
الوجود الذي يتكوّن في اللحظة نفسها التي يتهيأ فيها للانهيار.
وهذا يجعل (الرغوة).علامة مناسبة جدًا للذات الشعرية التي تقول:
(أطير في الفراغ)
فالذات موجودة بيد انها لا تمتلك أرضًا وجودية مستقرة.
(الفراغ): ليس غيابًا بسيطًا
الفراغ في النص ليس مجرد (لا شيء). إنه فضاء تتحرك فيه الذات:
(الفراغ الممتلئ بحراشف هابطة)
وهنا تحدث المفارقة الأساسية: الفراغ ممتلئ.
وهذه العبارة تفكك المعنى التقليدي للفراغ، فالفراغ ليس عدمًا خالصًا إنما فضاء تتراكم فيه آثار الأشياء الساقطة. ولذلك يمكن القول إن القصيدة تنتقل من:
فراغ = غياب
إلى:
فراغ = حضور مضطرب لما يتهاوى.
وهذه النقلة جوهرية في التأويل الوجودي لأن العدم عند هايدغر ليس مجرد (لا شيء) مقابل الوجود إنما ينكشف في تجربة القلق بوصفه ما يجعل الموجودات نفسها موضع سؤال.
حرف الجر (في)
الأكثر أهمية سيميائيًا ربما هو حرف الجر (في).
فالشاعر لا يقول: رغوة فوق الفراغ، ولا رغوة من الفراغ، بل:
(رغوة في الفراغ)
وهذا يعني أن الذات ليست خارج العدم لتتأمله إنما مغمورة فيه.
إنها لا تقف أمام الفراغ، إنها توجد فيه.
ومن هنا يصبح النصيص صياغة مكثفة لوجود الإنسان:
وجود هشّ، مؤقت، واعٍ بهشاشته، يعيش داخل أفق لا يستطيع امتلاكه أو تجاوزه.
البنية السيميائية للنص:
يمكن تقسيم العلامات الكبرى في القصيدة إلى مجموعة من الحقول الدلالية.
أ ـ حقل القسر
تتكرر مفردات وإشارات تدل على أن الذات لا تمتلك سيادتها الكاملة على وجودها:
(مجبر)
(قوس مجب)
(الرامي)
(السهم)
(القوة)
(الأهداف)
(الخنجر)
(شوكة)
(فخ)
(جلاوزة الرحيل)
هذه ليست مفردات متجاورة اعتباطًا بل تؤسس معجمًا للعنف الوجودي.
السهم لا يختار اتجاهه.
والقوس لا يسأل.
والهدف ينتظر.
والرامي يطلق.
وهنا تظهر الذات في موقع السهم أكثر منها في موقع الرامي.
لكن القصيدة تقلب هذه العلاقة في نهايتها عندما تقول:
(أقولُ خائن كبير، إلا أنهُ - أكثرُ مني - مجبر.)
هذه الجملة شديدة الأهمية لأنها تهدم الثنائية البسيطة بين الفاعل والمفعول به.
حتى (الخائن) نفسه مجبر.
أي أن النص ينتقل من سؤال:
من يقهرني؟
إلى سؤال أكثر رعبًا:
هل هناك أصلًا فاعل حر خارج شبكة القسر؟
السهم بوصفه علامة وجودية:
يقول النص:
حين انطلق السهمُ - من قوس مجبر
كان الوتر أيضا...)
إن صورة السهم من أكثر الصور تركيبًا في النص.
السهم عادة علامة على الاتجاه والغاية. إنه ينطلق من نقطة إلى نقطة أخرى. وبالتالي فهو يرمز إلى وجود غائي.
لكن الشاعر يسحب من السهم يقينه لأن:
(الأهدافُ - كما أراها - ثابتةٌ. فلماذا أطارد زوبعة)
هنا تحدث المفارقة:
الهدف ثابت لكن الذات تطارد الزوبعة.
أي أن العالم يبدو وكأنه يمتلك نظامًا لكن تجربة الذات لا تستطيع أن تجد هذا النظام.
وهذا يقودنا إلى مفهوم هايدغري بالغ الأهمية: الوجود الإنساني لا يُعاش أولًا بوصفه امتلاكًا لخطة يقينية بل بوصفه انكشافًا على عالم لم نختر شروط الدخول إليه.
فالإنسان، في المنظور الوجودي، لا يبدأ من نقطة محايدة؛ إنه يجد نفسه (ملقى) في العالم.
وهذه الفكرة نجد صداها الشعري هنا في الإحساس بأن الذات دخلت لعبة لم تضع قوانينها.
(مجبر) بوصفها العلامة المركزية:
لو أردنا اختيار كلمة واحدة بوصفها المفتاح السيميائي للنص فهي كلمة:
(مجبر)
فهي تظهر في البداية:
(من قوس مجبر)
ثم تعود في النهاية:
(إلا أنه - أكثر مني - مجبر.)
وهذه العودة تصنع قوسًا دلاليًا يحيط بالقصيدة.
البداية: مجبر
النهاية: مجبر
وبينهما رحلة كاملة في الموت، والعدم، والليل، والنهار، والقطيع، والوجود.
وهذا يعني أن القصيدة لا تنتهي بحل المشكلة بل تعود إلى أصلها.
إنها بنية دائرية للقلق.
ثنائية النهار والليل:
يقول الشاعر:
(أقرب شيءٍ إليّ النهارُ، يسلمني للّيل،
والليل كائن أمين.)
النهار عادة علامة على:
النور
المعرفة
الانكشاف
الحياة
أما الليل فهو علامة:
الغموض
الموت
المجهول
النوم
العدم.
لكن النص يقلب هذه الرموز.
فالنهار لا ينقذ الذات، بل:
(يسلمني للّيل)
والليل، الذي يُفترض أن يكون مخيفًا، يصبح:
(كائنًا أمينًا).
إننا أمام انقلاب سيميائي للقيم.
فالليل يصبح أكثر صدقًا من النهار، لأن النهار يوهمنا بالوضوح بينما الليل يكشف هشاشتنا أمام المجهول.
وهذا قريب من المناخ الوجودي الذي يجعل الإنسان في مواجهة حدوده لا حين يكون كل شيء واضحًا بل حين تسقط عنه ضمانات العالم اليومية.
الموت ليس نهاية بل حضورًا مستمرًا:
تتوزع علامات الموت في القصيدة:
(السبات)
(حدوة الموت)
(الرحيل)
(الميتين)
(سقر)
(العدم)
(الليل)
لكن الموت لا يظهر بوصفه حادثة مستقبلية فقط.
إنه حاضر في بنية الحياة نفسها.
وهنا يمكن استحضار هايدغر بقوة: الإنسان كائن يتجه وجوده منذ البداية نحو نهايته والموت ليس حادثًا خارجيًا يقع في آخر الطريق فحسب بل هو إمكان ملازم للوجود الإنساني.
ولهذا فإن عبارة:
(حدوة الموت تتسوّر جدران النوم)
شديدة الدلالة.
الموت لا ينتظر خارج الحياة، إنه يتسلل إلى النوم، أي إلى أكثر حالات الإنسان هدوءًا ولاوعيًا.
النوم والموت والعدم:
النوم في القصيدة ليس راحة:
(طعم السبات)
ثم:
(حدوة الموت تتسوّر جدران النوم)
إن النوم يتحول إلى حدّ فاصل بين الوجود والغياب.
وهذا يفسر لماذا يصبح السؤال:
(أم أحذيةُ جلاوزة الرحيل تركضُ في الممر إلى قلبي؟!)
السؤال هنا لا يطلب إجابة.
إنه سؤال وجودي خالص لأن الذات لا تعرف هل ما يقترب منها هو النوم أم الموت.
وهذا النوع من الالتباس هو أحد مصادر القلق الوجودي: أن تفقد الأشياء حدودها المطمئنة.
القلق الوجودي والـ(همّ) الهايدغري:
في الفلسفة الهايدغرية، لا يكون القلق مجرد خوف من شيء محدد.
الخوف له موضوع:
أخاف من شيء.
أما القلق فهو أكثر جذرية:
أقلق أمام انكشاف الوجود نفسه.
وهذا بالضبط ما يحدث في القصيدة.
فالذات لا تقول:
(أنا أخاف من الموت) فقط.
بل تسأل:
(ومن يقرع بابَ الأمسِ في أذني المؤصدة؟!)
ثم:
(وما أنا وسكونٌ أجهله)
ثم:
(لماذا أطارد زوبعة)
ثم:
(لا مخرجًا من عقد الحبل الكوني)
إن موضوع القلق هنا ليس شيئًا محددًا إنما العالم بوصفه شبكة من الأسئلة التي فقدت مركزها.
(الفراغ الممتلئ) والعدم الهايدغري
من أقوى المفارقات:
(الفراغ الممتلئ بحراشف هابطة)
فالفراغ هنا لا يعني غياب  الموجودات بل يكشف عن هشاشتها.
فالحراشف الهابطة توحي ببقايا شيء كان حيًا أو متماسكًا ثم بدأ يتساقط.
إنها صورة لوجود يتحول إلى أثر.
ومن منظور هايدغر يمكن قراءة ذلك بوصفه اقترابًا من تجربة انكشاف الموجودات على إمكان عدمها.
فالإنسان لا يرى العالم بوصفه مجموعة أشياء ثابتة فقط بل قد ينكشف له فجأة أن ما اعتاد أن يعدّه ثابتًا قابل للزوال.
من هنا تصبح (الرغوة) في النصيص صورة مصغرة للوجود البشري:
تظهر، تتشكل، تلمع، ثم تتلاشى.
تفكيك ثنائية (القطيع/الفرد):
تقول القصيدة:
(كم هو مستنقع:
رغبةُ النباح في القطيع)
ثم:
(شياهٌ تحلم بعشبة مستذئبة)
ثم:
(عبادةُ بعل، يهشّ ببوله، عن ذباب مزدحم.)
هنا ينتقل النص من الوجود الفردي إلى نقد الوجود الجمعي.
القطيع ليس مجرد جماعة، إنه حالة من فقدان الذات.
والأكثر إثارة أن الشاعر يستعمل:
النباح مقابل الشياه.
أي أنه يخلط بين الحيوانيات:
الشاة لا تنبح.
الكلب ينبح.
الذئب يفترس.
الإنسان يعبد.
لكن النص يخلق عالمًا مشوهًا تتداخل فيه الوظائف.
وهذا التشويه السيميائي يحاكي تشوه العالم نفسه.
فالقطيع يريد أن يتحول إلى مفترس، والشاة تحلم بـ(عشبة مستذئبة).
إنها صورة لعالم لم تعد فيه الحدود بين الضحية والجلاد واضحة.
(مجبر) والوجود الأصيل:
من منظور هايدغري، يمكن قراءة القصيدة بوصفها صراعًا بين:
الوجود الأصيل
و
الوجود في الـ(هم) أو الجماعة.
فالإنسان قد يعيش وفق ما يفعله الآخرون وما يفرضه الوسط الاجتماعي، فيفقد علاقته الخاصة بوجوده.
وهنا يصبح:
(رغبة النباح في القطيع)
علامة على الرغبة في الانتماء حتى لو كان هذا الانتماء يحطم فرادة الذات.
لكن المفارقة أن الشاعر نفسه لا يخرج تمامًا من هذا القطيع.
إنه يقول:
(اصطلحتُ مع الحياة بشوكة ملثمة)
أي أنه لا يعيش خارج العالم إنما يتفاوض معه، حتى عندما يرفضه.
وهذه نقطة مهمة: الأصالة ليست هروبًا من العالم إنما إعادة اكتشاف العلاقة معه.
(الشوكة) و(الخنجر): التفاوض مع الألم:
من أجمل العلامات في النص:
(روّضها خنجر)
ثم:
(واصطلحتُ مع الحياة بشوكة ملثمة)
الخنجر والشوكة علامتان للجرح.
لكن الشاعر يحولهما إلى أدوات للعبور والتصالح.
وهنا تحدث عملية سيميائية مهمة:
أداة الألم → أداة التكيف.
فالذات لا تتصالح مع الحياةعلى  الرغم من جراحها وإنما بواسطة جراحها.
وهذا ينسجم مع البنية الوجودية للنص: لا توجد حياة بلا انكشاف على الألم، ولا معنى جاهزًا يأتي من خارج التجربة.

(الله كريم) و(يحِلّها ألف حلّال)
هذه العبارات الشعبية في نهاية القصيدة ليست زخرفة لغوي بل تؤدي وظيفة سيميائية وفلسفية مهمة:
(لا أرى الغد أبعد من شاخصِ (الله كريم)
و:
(ولا مخرجًا من عقد الحبل الكوني أوسع من (يحِلّها ألف حلّال)
هنا يستدعي الشاعر المخزون الثقافي الشعبي لمواجهة القلق الكوني.
فالذات التي عجزت عن تفسير الوجود تستعين بصيغتين شعبيتين تمنحانها قدرًا من الاحتمال:
الله كريم = تعليق المستقبل على رجاء يتجاوز الذات.
يحِلّها ألف حلّال = الإيمان بأن العقدة مهما استعصت فثمة إمكان للخروج.
لكن الشاعر لا يجعل هذه الأقوال خلاصًا نهائيًا بل يأتي بعدها:
(مع ذلك)
وهذه العبارة الصغيرة تهدم اليقين من جديد.
إنها من أخطر أدوات النص.
فبعد كل أمل يأتي:
مع ذلك.
أي أن القلق أقوى من العزاء النهائي.
(مع ذلك): أداة تفكيك:
يمكن ان نعد (مع ذلك) نقطة انعطاف تفكيكية.
فالقصيدة تقدم احتمالًا:
(الله كريم)
وتقدم حلًا:
(يحِلّها ألف حلّال)
ثم تنقض الاطمئنان:
(مع ذلك فليس الهواء الذي يطوف في متاهات سقر
بأحر من تنهدي على ربوة الفراغ.)
هنا يتساوى هواء سقر مع تنهد الذات.
الجحيم ليس فقط مكانًا أخرويًا.
الجحيم أصبح خبرة شعورية.
والذات لا تحتاج إلى جحيم خارجي كي تعاني، يكفي أن تقف:
(على ربوة الفراغ.)
(التنهّد) بوصفه آخر علامات الوجود:
النص يبدأ بالحركة:
(انطلق السهم)
ثم:
(أطير)
ثم:
(أقفز)
ثم:
(أركل)
ثم ينتهي بـ:
(تنهدي)
أي أن الحركة الخارجية تتقلص تدريجيًا إلى حركة داخلية.
السهم ينطلق.
الذات تطير.
الذات تقفز.
ثم تتنهد.
إنها رحلة من الفعل إلى الوعي بالفعل.
وفي هذه النقطة يمكن قراءة القصيدة بوصفها رحلة من محاولة السيطرة على العالم إلى اكتشاف أن أقصى ما تستطيع الذات امتلاكه هو موقفها الداخلي من وجودها.
البنية التفكيكية الكبرى:
يمكن اختزال بنية النص في مجموعة من الثنائيات:
الطرف الأول
الطرف الثاني
القوس
السهم
الرامي
الهدف
الجبر
الاختيار
الحياة
الموت
النهار
الليل
الوجود
العدم
الفرد
القطيع
الحركة
السكون
الصوت
الصمت
الأمل
اليأس
الامتلاء
الفراغ
السماء/الطيران
الأرض/الطين
اليقين
القلق
لكن النص لا يسمح لأي طرف بأن ينتصر.
فالليل أمين، والنهار خائن.
والخائن مجبر.
والفراغ ممتلئ.
والسبات دواء وموت في الوقت نفسه.
والحياة مستنقع لكنها الشيء الذي يصطلح معه الشاعر.
والجحيم خارج الذات بيد انه في النهاية يشبه تنهّدها.
وهذا هو جوهر التفكيك: المعنى لا يستقر في قطب واحد بل كل قطب يحتاج إلى نقيضه لكي يتشكل.
الجسد بوصفه خريطة للوجود:
الجسد حاضر بقوة:
(ظهري)
(عينيه)
(أوردتي)
(فمي)
(قدميّ)
(قلبي)
(أقدامي)
(عظام الميتين)
وهذا مهم جدًا لأن القصيدة لا تتعامل مع الوجود بوصفه فكرة مجردة.
إن الوجود يُعاش بالجسد.
السهم يصيب.
الشوكة تجرح.
الخنجر يروّض.
الحصى يُركل.
الطين يُداس.
الموت يصل إلى القلب.
والعظام تبقى بعد سقوط الإنسان.
لذلك فإن الوجودية في القصيدة ليست تأملًا ميتافيزيقيًا باردًا إنما وجودية جسدية.
الطين والضحكات:
من أكثر الصور إشراقًا وسط هذا السواد:
(وصنعتُ من طين الضحكاتِ سعادةً منعشة.)
فالطين عادة علامة على:
الوحل
القذارة
الثقل
الهبوط.
لكن الذات تصنع منه:
(سعادة).
وهنا تظهر إحدى أهم إمكانات النص الوجودية:
المعنى لا يُعطى للإنسان إنما يُصنع داخل العالم الملتبس.
لا يجد الشاعر  السعادة جاهزة، إنه يصنعها من الطين.
وهذه ربما هي المقاومة الأكثر عمقًا في القصيدة.
القراءة الهايدغرية للقصيدة:
يمكن تلخيص العلاقة مع هايدغر في خمسة مفاهيم:
1. الوجود-في-العالم
ليست الذات خارج العالم كي تحكم عليه. إنها منخرطة فيه:
(اصطلحتُ مع الحياة)
2. الإلقاء في العالم
الذات لم تختر شروط وجودها، وهو ما يتردد في:
(مجبر)
والسهم المنطلق من القوس.
3. القلق
ليس خوفًا من شيء محدد إنما اضطراب أمام الوجود نفسه:
(أطير في الفراغ)
4. -الوجود نحو الموت
ليس الموت خاتمة فقط بل إمكان ملازم للوجود:
(حدوة الموت تتسوّر جدران النوم)
5. -الأصيل وغير الأصيل
يمثل القطيع  الانغماس في الوجود الجمعي:
(رغبة النباح في القطيع)
بينما محاولة الشاعر أن يصنع من (طين الضحكات سعادة) تمثل محاولة لاستعادة علاقة شخصية بالعالم.
النصيص  بوصفه خلاصة أنطولوجية:
يمكن الآن العودة إلى:
(رغوة في الفراغ)
لنجد أن النصيص يلخص القصيدة بأكملها.
الرغوة = الذات.
الفراغ = الأفق الوجودي الذي تتحرك فيه.
في = الانغماس وعدم القدرة على الوقوف خارجه.
أما كلمة (رغوة) فلا تعني أن الذات بلا قيمة بل تعني أن قيمتها لا تأتي من خلودها.
إن الإنسان، في هذا النص، لا يصبح مهمًا لأنه خالد بل لأنه واعٍ بفنائه وقادر، رغم ذلك، على أن يخلق معنى مؤقتًا.
ولهذا تبدو عبارة:
(وصنعتُ من طين الضحكاتِ سعادةً منعشة)
ربما أهم رد شعري على العدم في النص كله.
الخاتمة:
تكشف قصيدة (رغوة في الفراغ) عن كتابة شعرية تتحرك في منطقة شديدة الحساسية بين القسر والاختيار، الحياة والموت، الوجود والعدم، الفرد والقطيع. وهي لا تقدم إجابات نهائية لهذه الثنائيات بل تجعلها تتداخل وتتبادل مواقعها.
فالسهم مجبر، والقوس مجبر، والرامي نفسه ليس خارج منظومة الجبر؛ والليل الذي يبدو نقيض الحياة يصبح «أمينًا»، بينما النهار، الذي يمثل عادة النور والخلاص، يسلم الذات إلى الليل. والفراغ لا يعود غيابًا بل يتحول إلى فراغ (ممتلئ)، والجحيم لا يبقى مكانًا أسطوريًا إنما يصبح قابلًا للقياس بالتنهّد الإنساني.
ومن المنظور الهايدغري، تكمن قوة النص في أنه لا يحاول إخفاء هشاشة الوجود بل يجعل منها موضوعًا للشعر. فالذات ملقاة في عالم لم تختر قوانينه، محاصرة بإمكان الموت، ومهددة بالذوبان في القطيع، لكنها مع ذلك لا تتوقف عن محاولة صناعة معنى خاص بها.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة:
الإنسان (مجبر) على الوجود لكنه ليس مجبرًا بالضرورة على الطريقة التي يمنح بها هذا الوجود معناه.
لذلك فإن (الرغوة) ليست مجرد صورة للهشاشة، إنها أيضًا صورة للمقاومة. فالرغوة، رغم هشاشتها، تتكوّن. والذات، رغم معرفتها بأن الفراغ يحيط بها، تستمر في الطيران، والقفز، والركل، والضحك، وصناعة السعادة من الطين.
ومن ثم يمكن قراءة القصيدة كلها بوصفها محاولة للإجابة عن سؤال واحد مضمر:
كيف يستطيع كائنٌ مجبرٌ على الوجود أن يصنع، من هشاشته نفسها، سببًا للاستمرار؟
والجواب الذي لا تقوله القصيدة صراحة لكنها تتركه يتشكل في مساحاتها البيضاء، هو:
بأن يحوّل العدم من نهاية إلى مجال للخلق، وأن يحوّل القلق من عجز إلى وعي، وأن يصنع من طين التجربة معنى مؤقتًا، لكنه معنى يخصه.
وهكذا لا تكون (رغوة في الفراغ) قصيدة عن العدم فقط بل عن محاولة الإنسان أن يكون شيئًا، ولو كان هشًا، داخل عدم لا يمنحه ضمانة البقاء.

النص الاصلي

رغوة في الفراغ
مجبر - حين انطلق السهمُ - من قوس مجبر
كان الوتر أيضا ...
كذلك الرامي وهو لم يكن متأكّداً
من ذهابي لصورة عينيه
فلا يعقل أنه تركني في مهب الريح ليلهو .
القوة التي أجهل صهيلَها لا نفوقَ لظهرها المطهّم
والأهدافُ - كما أراها - ثابتةٌ. فلماذا أطارد زوبعة
وأطيرُ في الفراغ الممتلئ بحراشفَ هابطة؟!
أطير في الفراغ ، أحاذي الدهشة بريش مبلل.
محاصراً بأردية قاتمة وبكاء قديم
هكذا اتخذت من مسالكهم طرقا روّضها خنجر
واصطلحتُ مع الحياة بشوكة ملثـّمة
كفايتي بركلِ حَصى العدم المتكلّسة في الشوارع
اقربُ شيءٍ إليّ النهارُ، يسلمني للّيل ،
واللّيل كائن أمين.
وفي لعبة الحياة ، الليلُ أو النهارُ
مشروعُ خائن كبير، سيرسلني في بريد لا يغيِّر لونـَه
سرمديٍّ حتى تقيءَ الأرضُ عظامَ الميّتين
أقولُ خائن كبير ، إلا أنهُ - أكثرُ مني - مجبر .
لا رغبة لي بكأس بعيدة
سيمرّ ُ بكل أوردتي طعمُ السبات مضغوطا كدواء قهري
مرّاً أول وهـلة ،
وديعاً يوصد نوافذ اندلاقي في الطرقات.
وما أنا وسكونٌ أجهلـُه ، لأحشرَ قدميّ في فخ سافر
سأمـطُّ علكة الحياة وأنفخها لتبلغَ الهواء خارج فمي
وأقفـزُ فوق صفائح َوحجرٍ لأُنجزَ العبور.
كم هو مستنقع:
رغبةُ النباح في القطيع
كم هو مستنقع:
شياهٌ تحلم بعشبة مستذئبة
كم هو مستنقع :
عبادةُ بعل ، يهشّ ُببولِه ، عن ذباب مزدحم .
حدوةُ الموتِ تتسوّر جدرانَ النوم
أم أحذيةُ جُلاوزةِ الرحيل تركضُ في الممر إلى قلبي..؟!
ومن يقرعُ بابَ الأمسِ في أذني المؤصدة ؟!
كم ساحةٍ موحشةٍ أوحلـَها مطرُ الوجود وشمتـُها بأقدامي
وصنعتُ من طين الضحكاتِ سعادةً منعشة.
لا أرى الغدَ أبعدَ من شاخص ِ( الله كريم)
ولا مخرجا من عـُقـدِ الحبل الكوني أوسعَ من ( يحلها ألف حلّال )
مع ذلك فليس الهواء الذي يطوف في متاهات سـقـر
بأحـرَّ من تنهّدي على ربوة الفراغ.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي