loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة وتأويل للنص الشعري (ترِكة الدخان) للشاعرة لبنى حمادة: ترِكة الدخان وأجساد الموروث العاطفي

breakLine
2026-06-23

رياض عبدالواحد السعد
ناقد | عراقي

 


المقدمة:

ينتمي النص الشعري (ترِكة الدخان) للشاعرة لبنى حمادة، إلى ذلك النمط من الكتابة الذي يتجاوز الرثاء الشخصي للأم ليؤسس خطاباً وجودياً عن الإرث غير المنظور الذي تتركه الأمهات خلفهن. فالنص لا ينشغل بوصف الأم بوصفها فرداً إنما يقرأها كونها مؤسسة للعطاء ومركزاً تدور من حوله حياة الآخرين حتى إذا غابت انكشف الخراب المؤجل الذي كانت تخفيه بحضورها.
ويقوم النص على مفارقة مأساوية عميقة، إذ إن المرأة التي كانت تمنح العالم دفئه وغذاءه ومحبته لم تكن تنتبه إلى أنها تستنزف ذاتها، وأن ما تزرعه في الآخرين لا يورث بالضرورة. ومن هنا يتحول غياب الأم إلى لحظة انكشاف كبرى يتوزع بعدها الأبناء بين أشكال مختلفة من الفراغ في حين تبقى النار القديمة مشتعلة في الذاكرة.
الأم بوصفها مروِّضة للشرور:
يفتتح النص بنحو  ذي طاقة تخييلية عالية:
(كانتْ أُمّي تُروِّضُ وحوشَ الضَّغينةِ
في الموقدِ)
ليست الام -هنا-  طاهية فحسب بيد انها كائن أسطوري يواجه الكراهية نفسها ويحاول تحويلها إلى مادة قابلة للهضم. وتزداد الصورة كثافة في قول الشاعرة:
(تضعُ السَّمكَ والوشاةَ معًا
على الصَّاجِ)
فالوشاة يتحولون إلى شيء يطهى، وكأن نار الأم تمتلك قدرة تطهيرية تجعل الأذى جزءاً من دورة الحياة اليومية.
ثم تأتي الصورة الأكثر إدهاشاً:
(تخيطُ البطونَ
على خواتمِ سليمانَ
كي يخرسَ اللَّغطُ)
في هذا المشهد تتداخل الأسطورة بالمطبخ. خاتم سليمان يحضر بوصفه رمزاً للسلطة على الكائنات الشريرة، وكأن الأم تستعمل سحر المحبة لتسكين النزاعات وإخماد سموم العقارب.
وهكذا تتجاوز أفعال الطبخ معناها الحرفي لتصبح فعلاً أخلاقياً وحضارياً.

الطعام بوصفه لغة للمحبة:

يتأسس النص على معجم منزلي يتكرر فيه الأرز واللحم والطواجن والحلوى والخبز. غير أن هذه المفردات لا تؤدي وظيفة وصفية إنما تتحول إلى علامات رمزية للعطاء.
يقول النص:
(وتتلو على الغرباءِ
دينًا من أرغفةِ المحبَّةِ)
يكشف التعبير آنفا أن الأم جعلت من الكرم عقيدة يومية. فالرغيف يتحول إلى صلاة، والطعام إلى رسالة إنسانية.
وتبلغ المفارقة ذروتها في قول الشاعرة:
(كانتْ تُطعِمُ العالمَ
وتتركُ في زاويةِ روحِها
مائدةً خاويةً)
تتجسد - هنا- مأساة الشخصية المركزية. فكلما امتلأت موائد الآخرين ازداد الفراغ في داخلها. إن الصورة تؤسس لفكرة التضحية التي تفضي إلى الاستنزاف.

شعرية الترميم ومقاومة التشقق:

من أجمل المقاطع قولها:
(فتنهضُ الكسراتُ
كفراشاتٍ صغيرةٍ
ترتقُ شروخَ البيوتِ)
لقد استطاعت الشاعرة أن تمنح فتات الخبز وظيفة روحية. الكسرات التي تبدو هامشية تتحول إلى فراشات ترمم العلاقات المتصدعة.
إن الفعل (ترتق) يختزن رؤية كاملة للأم بوصفها قوة خفية تحفظ تماسك الأسرة. فالبيوت لا تقوم على الجدران وحدها لكنها تحتاج إلى ذلك الخيط العاطفي الذي كانت الأم تنسجه بصمت.
انكشاف النقص داخل البيت:
بعد أن ترسم الشاعرة صورة المرأة التي تمنح الجميع، تكشف الجانب الآخر من الحكاية:
(أمّا مائدتُنا
فكانتْ تفقدُ خيمياءَها
تترنَّحُ بين ملحِ الغيابِ
ومرقٍ ناقصٍ)
يتولد -هنا - التوتر الأساسي في القصيدة. فالأم التي كانت قادرة على إشباع الغرباء لم تستطع أن تمنح بيتها الاكتمال نفسه.
ان كلمة (خيمياء) توحي بأن المائدة كانت تمتلك سحراً خاصاً أخذ يضمحل تدريجياً. أما (مرق ناقص) فهو تفصيل بسيط يحمل دلالة هائلة، إذ إن النقص لم يكن مادياً فقط، وإنما عاطفي ونفسي أيضاً.

مأساة العطاء المهدور:

من أكثر المقاطع عمقاً قول الشاعرة:
(لم تكنْ تعرفُ
أنَّها تنفخُ روحَها
في إِربة مخرومة)
تستعير الشاعرة صورة القربة المثقوبة لتشير إلى عبثية التضحية التي لا تجد من يحفظها. فكل ما كانت تمنحه يتسرب من  دون أن يترك أثراً دائماً.
إن هذه الصورة تختزل فلسفة النص كله لأن الأزمة ليست في غياب المحبة بل  في عدم قدرة الآخرين على صونها.
الطفلة التي تتضاءل أمام هالة الأم:
تقول الشاعرة:
(كنتُ أقفُ عندَ حافَّةِ الدُّخانِ
طفلةً تتقلَّصُ
كلَّما اتَّسعتْ هالتُها حولي)
لا تحضر الأم بوصفها ملاذاً فقط لكن بوصفها حضوراً طاغياً أيضاً. فالعظمة التي تحيط بها تجعل الابنة تنكمش.
إن التقلص المتكرر يوحي بتكون شخصية ظلت تعيش في ظل أم كبيرة إلى درجة أن ذاتها الخاصة لم تكتمل.

فقدان حاسة التذوق بوصفه فقداناً للمعنى:

يبلغ الحزن ذروته في المقطع:
(نسيَ العالمُ نكهاتِها
وفقدنا نحنُ
حاسَّةَ التَّذوُّقِ)
نسيان العالم للنكهات أمر طبيعي، أما فقدان الأبناء لحاسة التذوق فيكشف أن المشكلة أعمق من غياب الطعم.
إن المقصود هو فقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة نفسها. فالأم لم تكن تصنع الطعام فقط، وإنما كانت تمنح الوجود معناه.
الإرث المستحيل:
يقول النص:
(لم يرثْ أحدٌ أُمّي
فقطُ انقسمتِ اللَّعنةُ
وتوزَّعَ بينَنا الخواءُ)
تمثل هذه العبارة الذروة الفكرية للقصيدة.
فالإرث الحقيقي للأم لم ينتقل كاملاً إلى أحد بل  توزعت آثاره الناقصة بين الأبناء. وقد اختارت الشاعرة كلمة (اللعنة) لتشير إلى أن الفراغ نفسه أصبح ميراثاً.
تشظي الورثة:
ترسم الشاعرة مصائر مختلفة للأبناء.
الأخت:
(ورثتْ أُختي يديها
فانسحبتْ إلى قاعِ القدورِ)
إنها تعيد إنتاج الأم وتعيش أسيرة الماضي.
أما الإخوة:
(اكتنزوا غنائمَ السيرةِ في صمتٍ)
لقد احتفظوا بالمظاهر الخارجية للنجاح من  دون أن يتأملوا حجم التضحيات التي صنعت ذلك المجد.
ثم تأتي الذات الشاعرة:
(ورثتُ متاهاتِ رأسِها
ولسانًا
يعرفُ كيفَ يفتحُ الأبوابَ
ولا يعرفُ كيفَ يُطفئُ شهوةَ اللهبِ)
إنها الوريثة الأكثر مأساوية، لأنها لم ترث اليدين وإنما ورثت القلق والأسئلة والرغبة المستمرة في الاحتراق.

الجسد بوصفه وسيلة للمقاومة:

في خاتمة النص تقول:
(أُجاري سحرَها بالبدانةِ
أغرسُ عجزي في الأرضِ
كي لا أتناثرَ)
ليست البدانة  وصفاً جسدياً مجرداً لكنها استعارة دفاعية. فالذات تحاول أن تمنح نفسها ثقلاً يحميها من التبعثر.
وفي النهاية تقف:
(شاهدةً تحفظُ لونَ النارِ
وذاكرةَ الخبزِ)
فتتحول من ابنة إلى حارسة للذاكرة، ومن شخصية مكسورة إلى شاهد على زمن الأم.

البنية الأسلوبية:

اعتمدت الشاعرة على عدة مرتكزات فنية:
هيمنة الحقل المعجمي المرتبط بالمطبخ والخبز والنار والقدور.
كثافة الاستعارات والانزياحات مثل (وحوش الضغينة) و(حافة الدخان) و(الكسرات كفراشات صغيرة).
حضور المفردات الأسطورية في (خواتم سليمان).
الانتقال من ضمير الغائب عند الحديث عن الأم إلى ضمير المتكلم عند الحديث عن الذات، مما يعكس انتقال المأساة من الخارج إلى الداخل.
البناء الدرامي الذي يبدأ بصورة الأم المعطاءة وينتهي بصورة الابنة الحارسة للرماد.

الخاتمة:

يقدم  نص (ترِكة الدخان) وعيا بالغ الثراء والعمق، إذ يتحول المطبخ إلى فضاء رمزي واسع، ويتحول الخبز إلى ذاكرة، والنار إلى قدر، والغياب إلى ميراث ثقيل. وتنجح لبنى حمادة في بناء مرثية مختلفة لا تقوم على البكاء المباشر، وإنما على كشف الثمن الباهظ الذي تدفعه الأرواح المفرطة في العطاء.
إن الأم في هذا النص لا تموت تماماً إنما تتشظى في أبنائها، غير أن ما ينتقل إليهم ليس صورتها الكاملة بل شظاياها وآثار احتراقها. ولهذا يبدو النص تأملاً إنسانياً عميقاً في معنى الفقد وفي السؤال المؤلم الذي يظل معلقاً بعد رحيل الكبار: هل يمكن حقاً أن يرث أحد روحاً صنعت العالم ثم مضت تاركة خلفها الدخان وذاكرة الخبز؟

النص:


كانتْ أُمّي تُروِّضُ وحوشَ الضَّغينةِ
في الموقدِ.
تضعُ السَّمكَ والوشاةَ معًا
على الصَّاجِ
تخيطُ البطونَ
على خواتمِ سليمانَ
كي يخرسَ اللَّغطُ
المعلَّقُ في حلوقِ العقاربِ.

تدسُّ الأرزَّ باللَّحمِ
في عتمةِ الطَّواجنِ
وتتلو على الغرباءِ
دينًا من أرغفةِ المحبَّةِ.

كانتْ تُطعِمُ العالمَ...
تملأُ أفواهَ العابرينَ
ماءً لا يصلُ إلى أرضِها
وتتركُ في زاويةِ روحِها
مائدةً خاويةً.
فوقَ الحلوى
تفرشُ ابتساماتٍ عاجيَّةً
برائحةِ جوزِ الهندِ
فتنهضُ الكسراتُ
كفراشاتٍ صغيرةٍ
ترتقُ شروخَ البيوتِ.
أمّا مائدتُنا..
فكانتْ تفقدُ خيمياءَها
تترنَّحُ بين ملحِ الغيابِ
ومرقٍ ناقصٍ.
ظنَّتْ أنَّها تُربّي لنا الأيّامَ
تهندمُها على قياسِ العمرِ
تخيطُ لها جيوبًا
تخبِّئُ فيها أحلامَنا البسيطةَ.
لم تكنْ تعرفُ
أنَّها تنفخُ روحَها
"في إِربة مخرومة".
كنتُ أقفُ عندَ حافَّةِ الدُّخانِ
طفلةً تتقلَّصُ..
وتتقلَّصُ
كلَّما اتَّسعتْ هالتُها حولي.
تركتْ رمادَنا يبردُ في الصُّحونِ
وغابتْ...
خَفَتَتْ رائحتُها في الجهاتِ
نسيَ العالمُ نكهاتِها
وفقدنا نحنُ...
حاسَّةَ التَّذوُّقِ.
لم يرثْ أحدٌ أُمّي.
فقطُ انقسمتِ اللَّعنةُ
وتوزَّعَ بينَنا الخواءُ.
ورثتْ أُختي يديها
فانسحبتْ إلى قاعِ القدورِ
تُطعِمُ الحرمانَ
عالقةً..
في رائحةِ الأمسِ.
إخوتي...
حملوا البريقَ
ليسدّوا به هلعَهم
اكتنزوا غنائمَ السيرةِ في صمتٍ
دونَ أن يسألوا:
كم يدًا احترقتْ؟
وكم صباحًا تلاشى كي تلمعَ؟
وأنا...
ورثتُ متاهاتِ رأسِها
ولسانًا...
يعرفُ كيفَ يفتحُ الأبوابَ
ولا يعرفُ كيفَ يُطفئُ شهوةَ اللهبِ.
بدأتُ أحشو مساماتي
بخيباتٍ صغيرةٍ
لقيماتٍ شاحبةٍ
تُربّي في لحمي ثِقَلَ الضَّياعِ.
أُجاري سحرَها بالبدانةِ
أغرسُ عجزي في الأرضِ
كي لا أتناثرَ.
أقفُ أمامَ العالمِ..
حاجبةً جزءًا من الأفقِ
شاهدةً تحفظُ لونَ النارِ
وذاكرةَ الخبزِ.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي