مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
في مسرحِ العبثِ السّياسي، حيث تختلطُ الأدوارُ وتضيعُ الحدودُ بين الهزلِ والواقعِ، غالبًا ما يعتلي «قره قوز» كرسيَّ الحُكمِ في «جمهورية الموز»، لا بوصفِهِ استثناءً شاذًّا، بل كنتاجٍ طبيعي لمسارٍ طويلٍ من التآكلِ والانحدار.
هنا، لا تبدو المأساةُ حدثًا طارئًا، بل نتيجةٌ حتميّةٌ لدولةٍ فقدتْ مقوِّماتِ وجودِها، حتى باتت عاجزةً أمامَ أبسطِ الظَّواهرِ الطَّبيعية: هزَّةٌ أرضية، أمطارٌ غزيرة، أو حتى حريقٌ في مصنعٍ أو في بئرِ نفط.
إنَّ الدَّولةَ التي لا تمتلكُ اقتصادًا متينًا ليست سوى كيانٍ هشٍّ، يتهاوى مع أوَّلِ اختبارٍ حقيقي. وحين ينخرُ الفسادُ مؤسَّساتِ الحكومة، فإنَّها لا تعودُ قادرةً على الوقوفِ، بل تتحوَّلُ إلى هيكلٍ فارغٍ، يتآكلُ من الدّاخلِ قبل أن تُسقطَهُ العواصفُ من الخارج. في مثل هذه الدَّولة، يصبحُ الأمنُ الغذائي رفاهيَّةً مؤجَّلةً، على الرُّغمِ من أنَّه أساسُ بقاءِ الشُّعوبِ وكرامتها، ودليلُ احترامِ الحكوماتِ لمواطنيها.
أما السّيادة، فهي الغائبُ الأكبرُ في «جمهورية الموز». دولةٌ لا تملكُ السَّيطرةَ الكاملةَ على أراضيها هي دولةٌ مفتوحةُ الأبوابِ للتلاعبِ بمقدَّراتِها، تتحكَّمُ بها إراداتٌ خارجيةٌ، وتُدار وفقَ مصالحٍ لا تمتُّ لشعبِها بصلةٍ.
وحين تتحوَّلُ الأحزابُ من أدواتِ عملٍ سياسي إلى تهديدٍ للأمنِ القومي، فإنَّ الدَّولةَ تفقدُ توازنَها، وتدخلُ في دوّامةِ صراعاتٍ داخليةٍ لا تنتهي!
في هذا المشهدِ القاتمِ، يتراجعُ مفهومُ المواطنةِ لصالحِ الانتماءاتِ الضَّيقة: حزب، عشيرة، أو طائفة. عندها، لا تعودُ الدَّولةُ دولةً بالمعاييرِ المعروفةِ، بل مجرَّدُ تجمُّعاتٍ متنافرةٍ، يربطُها الخوفُ أكثرُ ممّا يوحِّدُها الانتماء.
والأسوأُ من ذلك، حين يفتخرُ بعضُ أبنائِها بالعمالةِ، ويجاهرونَ بها على شاشاتِ التلفاز، فإنَّ الانهيارَ لا يكونُ سياسيًا فحسب، بل أخلاقيٌّ أيضاً.
إنَّ الحكومةَ التي لا تسعى إلى بناءِ بُنيةٍ تحتية، هي حكومةٌ لا تريدُ خدمةَ شعبِها، أو في أحسنِ الأحوالِ حكومةٌ تأخذُ أوامرَها من البابِ العالي.
الحكومةُ التي لا تشجِّعُ الزّراعةَ، تضربُ الأمن الاقتصادي في عمقِهِ...
الحكومةُ التي لا تبني مصانعَ، تكرِّسُ التَّبعية...
الحكومةُ التي لا تؤسِّسُ لمركزٍ للبحوثِ، تصرُّ على البقاءِ في دائرة التَّخلُّف.
والحكومةُ التي لا توفِّر أبسطَ الخدماتِ العامَّة، هي حكومةٌ مفروضةٌ على الشَّعب فرضًا، لا منبثقة عن إرادتِهِ.
وحين تفقدُ الحكومةُ قُدرتَها على فَهمِ مصالحِ شعبِها، فإنَّها تفقدُ شرعيتها، حتى لو تزيَّنت بأعظم الشّعارات. فالحكوماتُ الحقيقيَّةُ تُقاسُ بقدرتِها على خدمةِ شعوبِها، لا بقدرتِها على البقاءِ في السُّلطة.
في نهايةِ المطاف، لا يكونُ «قره قوز» سوى مرآةٍ تعكسُ واقعًا أعمق؛ واقعَ دولةٍ سمحتْ بتآكلِ أُسُسِها، حتى أصبح العبثُ فيها هو القاعدة، والانهيارُ هو المصير. عندها، لا يعودُ السُّؤال: كيف وصلَ «قره قوز» إلى الحُكم؟ بل كيف سمحتِ الدَّولةُ لنفسِها أنْ تصلَ إلى هذه المرحلة؟
تلك هي «جمهورية الموز»... حيث يُصنعُ القادةُ من ضعفِ الدُّولِ، لا مِن قوَّةِ الشُّعوب.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي