مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علي حسن الفواز | ناقد عراقي
قد تأخذ لعبة التبئير السردي دورها في التمثيل السردي، لكنها ستكون أكثر فعالية عبر إجراءات تمثيل الوظائف، حيث المكان بوصفه وجودًا سرديًا، وحيث الزمن بوصفه البنية الرئيسة التي تتحرك أو تتقاطع عبرها الأحداث، وكذلك حيث الشخصيات بوصفها وسائط لتمثيل الدوستوبيا السردية لذلك المكان، إذ يتحّول هذا المكان الى مجال تناصي، يستدعي تمثيلات موزاية، تخصّ الصراع والذاكرة والهوية، مثلما يخصّ دالته في التعبير عن فكرة الايواء الاضطراري، كفكرة مضادة للاغتراب، وكحافزٍ على تمثيل اشباعات نفسية ووجودية وجنسية، حيث تؤدي وظيفة صيانية تعيش اغواءاتها شخصيات مأزومة، تجد في ثيمة اللجوء من بلدان الاحتراق العربي والإسلامي مفاتيح للدخول الى سريات الفقد والضياع والعزل العجز والإحباط..
في رواية " ليالي سان دوني" للكتابة لنا عبد الرحمن الصادرة عن دار العين للنشر/ القاهرة 2026 يحضر المكان بوصفه مهيمنًا سرديًا، عبر اختيار المكان/ قصر "لوشاتو" مقابل حضور الزمن السردي/ الليالي، حيث يُشّكل هذا الثنائي فضاء "زمكانيا" مفتوح على الكشف تناقضات ومفارقات ما تعيشه أو تتذكره شخصيات الرواية، فبقدر ما هي شخصيات "أضحوية" تستغرقها يوميات المكان المضاد/ المأوى، فإنها تواجه ازماتها الوجودية، من خلال الإحساس الفاجع بالرعب الداخلي، حيث تداعيات الفقد، ومحنة المنفى/ اللجوء، وحيث الذاكرة العالقة بمشاعر مضطربة، وبرماد سيرة الحروب "الملعونة" وما تركته من اسقاطات نفسية، واكراهات وجودية، تعيشها ذوات معطوبة، عبر سرديات مخاتلة، جعلت من حكايات الوطن، والهوية، والانتماء وكأنها محمولات رمزية للزيف الذي تعيشه عبر الانتماء المُضلِل.
تبدو الحرب محركا خارجيا لتوصيف "الحدث السردي" لكن تشظيها الى "حروب صغيرة" بدت وكأنها استغراق أكثر اثارة، في تمثيل أزمات تلك الشخصيات مع ذواتها، ومع زمنها السياسي والايديولوجي، حتى يتحول المكان الدوستوبي/ القصر الى بنية مغلقة، لكنها أكثر اصطخابًا بما تمور من يوميات، لا يجمعها سوى خيط "انثرلوجي" يتبدى من خلال "الهويات الممزقة" والاحلام التائهة، أو من خلال اقنعتها، تلك التي تجعل شخصياتها أكثر تمثيلا لحساسية الهروب والاخفاء والبحث عن الذات المتشظية داخل متاهة المكان المغلق/ القصر القديم، الذي يُحيل الى ما يشبه "الزمن الباروكي" حيث تتحرك فيه الشخصيات وكأنها تواجه اشباحًا غامضة، ربما هي صدى لرعبها الداخلي...
مهاجرون مثقفون وفنانون ولاجئون عابرون هم ساكنو ذلك القصر الشبحي، يعيشون لياليه في الضاحية الباريسية، وكأن الروائية عمدت الى اختيار نماذج شخصياتها بقصدية، حيث " الفلسطيني، والسوري، والأفغانية والفرنسية" بوصفها عينات لتمثيل اغتراب "الهجرة" في تمثيلها الداخلي والخارجي، فبقدر ما أنهم ضحايا الحرب والهوية المتشظية، فإنهم أيضا ضحايا وعيهم "الشقي" ورهاب انتمائهم الى عوالم مسكونة بالنقائض، تدفعهم الى الاحساس بالخواء والسأم، حتى يبدو "القصر" بوصفه السردي، وكأنه ملاذ اضطراري ليس لممارسة طقوس العزلة، بل لاستعارة توصيف تعويضي للمكوث/ الوجود الطارىء، بمعناه الهيدغري، حيث تتحول اللغة عبره الى حوارات ضاجة، والى موسيقى تحتفي بغرائبية هذا المكوث..
القصر وليالي الضاحية الباريسية ليست عالما شهرزاديا، ولا تعويمًا للمكان الواقعي، بقدر ما تضع القارىء إزاء "يوتوبيا متخيلة" إزاء سيرة الأمكنة الفاسدة التي تستغرق شخصيات الرواية، حيث تنسحب الشخصيات الى اغواء سحرية المكان، مثلما تتحرر الهويات الممزقة من ذاكرتها، لتبدو اكثر تماهيا مع "الجماعة" ومع فكرة الحاضن الوجودي، الحاضن الذي تصنعه الحكايات، بوصفه تمثيلا لمواجهة اغتراب الانسان المعاصر، إنسان اللامكان، واللاوطن، والحالم بخلاص وجودي، يجعله أكثر إنشدادا للحياة بعيدا عن "الأوطان القاتلة" والمدن المسكونة بسأم الخوف والضياع والعطب..
شخصيات عابرة.. أمكنة عابرة
تضعنا رواية لنا عبد الرحمن إزاء مجال مفهومي للمكان، ليس بوصفه السياسي، بل بتمثيله السردي الذي يمنح الحكاية بعدها النفسي والوجودي، ويضع أصوات الشخصيات بوصفها البولوفوني في سياق تكتشف من خلاله نقائض وجودها، وعن رعبها الداخلي، حتى تبدو وكأنها اقنعة لتلك الأصوات، فشخصيات مثل " يوسف، وأبو الطيب، ومازن و درصاف، وكامي، ونايا وماثيو وغيرهم" يكشفون عن هويات مضطربة، وعن رغبات دفينة تتوق للبحث عن معنى، على طريقة فرانكل، حيث يكون المعنى قناعًا للحقيقة، واختباءً خلف تجارب يتوزع وجودها الغرائبي بين امكنة متقاطعة، لذا تذهب الى التمرد تعويضا عن الفقد، وتذهب الى السخرية لمواجهة سوداوية العالم، فشخصية "مازن" السوري الذي سمّى نفسه ب" جنّي القارورة" تكشف عن عمق ازمتها مع الفقد، واحساسها بأن "الفهلوة" هي محاولة لترميم التصدع الداخلي، حيث يقول عن نفسه بأنه "العمدة" الذي يصنع المعجزات للاجئين، وشخصية "يوسف" يغادر الفة الحياة الزوجية بحثًا عن ذلك المعنى الغائب، وحتى أبو الطيب الفلسطيني الغارق بفوضوية، وهوس الضياع، يعيش اغترابًا مركبًا، بين الزوجة الأجنبية بتحررها وعقدها، وبين احساسه العميق بالأرض الغائبة، فلا يجد سوى التمرد خيارًا على التعويض، عن خواء الذات التي ازمتها مع الفقد، ومع الذاكرة التي تعيش اضطرابها، واختلال وجودها المتشظي بين سردية المثقف المأزوم الذي يسكنه، وبين سرديات الزمن الفلسطيني المُشتت في الحكاية والغياب، وحتى حكاية الأفغانية "درصاف" تبدو وكأنها حكاية الأنثى الهاربة من "الزمن" العصابي الى مكان الآخر الحلمي، والذي يجعلها أكثر قلقًا، واحساسًا بقسوة الانشطار والتمزق بين مكانين فارقين – كابول وباريس، فرغم ما تحمله من رغبة حميمة للبحث عن الهوية، والمكان الصياني/ التطهيري، فإنها تعيش ازمتها عبر عشقها الغامض، وعبر قلقها العميق وشغفها بتجاوز عقدة المرأة الأضحوية، الى المرأة التي تكتب ذاتها عبر الاعتراف..
وحتى الشخصيات الأخرى مثل "ماثيو" و"عبير" و "كامي" تعيش القلق بوصفه تمثيلا لوعي مضطرب بالوجود، واحساس عميق بالاغتراب، وأن اختيار قصر " لوشاتو" في المكان الباريسي ليس بريئا، إذ اعطته الروائية حمولة نفسية ورمزية، جعلت مكانًا لتقويض العزلة الثقافية، عبر اصطناع مكوثٍ "هيدغري" تصنع احالاته اللغة، في تمثيلها الوجودي، وفي استغوارها لرمزية شخصياتها التي تستبطن المخفي من عزلتها وخوفها وانكسارها الداخلي عبر السرد/ الحكي، وعبر الايهام باشباعات حسية، تتبدى تناقضاتها من خلال هشاشة المعنى في المكان الطارئ، وحساسية اللانتماء في عالم غامر بعبثية الحركة، حيث اللجوء الطارئ، وحيث الإقامة العابرة، وحيث ما تحمله رمزية " القطار والليل السكران، والحقيبة" من احالات نفسية لذلك الطارئ و"اللامكان"..
التجوال في هامشيات باريس، لا تعني تحويل الهامش الى مكان/ متن، والمكوث لا يتحول الى تطهير، فبقدر ما تحضر الموسيقى والامكنة الشعبية، والأسواق وضواحي اللجوء، فإنها تظل جزءا من ذلك الهامش أو المتاهة، حيث يجد فيه المهاجرون شغفًا لاختبار عنف المنفى، واختبار الذات المُهاجرة في المكان الدوستوبي، وحيث يتحول البحث عن الخلاص والوجود التعويضي والاشباع الرمزي، الى مفارقة تتبدى من خلالها "ازمة الهويات المقتولة" فاللوحات والاشعار والحكايات، وحتى النزوات الجنسية، تظل جزءا من الهامش التعويضي، ومن فوبيا العلاقة مع الآخر، كاشفة عن احالات تؤشر رعب عالم المهاجرين، ورهاب ما تعيشه الشخصيات المطرودة من المكان والهوية، والتي تجد في القصر فضاء لتعرية ازماتها الداخلية، وللتفريغ والاعتراف والتحول، حتى يبدو وكأنه نظير لعوامة نجيب محفوظ في روايته "ثرثرة فوق النيل".
المهجر والسرديات المضللة..
قد يبدو المكان هو الكناية الرمزية عن المهجر، لكنه سيكون أيضًا دافعًا للكشف عن مآزق الذوات، وهي تعيش احساسها بالفقد، ورغبتها التعويضية للبحث عن أمكنة موازية، يكون قصر "لو شاتو" رمزًا عابرا لها، على مستوى جمع "الهوامش المُهرّبة" من بلدان طاردة، وكذلك على مستوى الكشف عن ازمة الانسان المعاصر، الذي يجد في رمزية الليالي إحالة الى ليالي الحكايات الشهرزادية، حيث تتعرى بعض الشخصيات عن خيانتها الوجودية، وحيث يمارس بعضها الآخر وظيفة الحكواتي لمواجهة خيار الموت الرمزي الذي يصنعه المهجر..
ما ترويه الشخصيات في حكاياتها يكشف عن عوالم غرائبية، ليس لأنها تنزع لإبراز أضحويتها، بل لأنها تكشف أيضا عن زيف وجودها، وبؤس بحثها عن اشباعاتها النفسية، فالقصر الشبحي الغامر بملامح المكان الباروكي يتحول الى فضاء للاعتراف والبوح، والى ما تعرضه الشخصيات من قصص تستغرق مصائرها، وما تُخفيه من أزمات ومشاعر مضطربة ومقموعات..
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي