loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ما وراء الأفق.. حين لا يعود الضوءُ وعداً

breakLine
2026-09-19

رياض عبد الواحد
كاتب | عراقي

 


ثمة لحظةٌ في حياة الإنسان يتوقف فيها عن انتظار الضوء بالطريقة التي كان ينتظره بها من قبل لا لأنه فقد إيمانه بإمكان الخروج من العتمة إنما لأنه اكتشف أن الضوء ليس دائمًا شيئًا يأتي من الخارج. قد يقضي سنوات وهو يترقب حدثًا، شخصًا، مكانًا، فرصةً أو معجزةً صغيرة يظن أنها ستعيد ترتيب حياته ثم يكتشف، بعد طول انتظار، أن ما كان يبحث عنه لم يكن في الجهة التي ظل ينظر إليها.
كان يبحث عن الضوء بينما كان عليه أن يتعلم كيف يرى في العتمة.
وهذه ليست دعوة إلى تمجيد الظلام، ولا إلى تحويل الألم إلى فضيلة. فالألم لا يصبح جميلًا لمجرد أننا تعلمنا منه، والخسارة لا تصبح عادلة لأننا خرجنا منها أكثر نضجًا. هناك أشياء تؤلم بلا حكمة واضحة، وأحداث لا تقدم لنا تفسيرًا مقنعًا، وغيابات تظل ناقصة مهما حاولنا أن نمنحها معنى.
لكن الإنسان لا يملك دائمًا القدرة على اختيار ما يحدث له.
ما يملكه، في لحظة ما، هو أن يختار كيف يعيش بعد حدوثه.
وهنا يبدأ التحول الحقيقي.
لقد اعتدنا أن نربط النجاة بالوصول إلى الضوء كأن الحياة لا تصبح جديرة بأن تُعاش إلا حين تنتهي العاصفة، وحين تتراجع الخسارات، وحين تستقر الأشياء في أماكنها ، لكن هذا التصور يجعلنا نؤجل الحياة باستمرار. نعيش انتظارًا للحظة التي يصبح فيها كل شيء على ما يرام، بينما تمر السنوات دون أن ننتبه إلى أن الحياة نفسها كانت تحدث أثناء الانتظار.
ربما لا تأتي اللحظة التي يصبح فيها كل شيء على ما يرام ، وربما ليست 
هذه هي الغاية أصلًا.
فالإنسان لا يعيش في حالة اكتمال، إنه كائنٌ ناقص، يعيش وسط أشياء ناقصة، ويحب أشخاصًا ناقصين، ويصنع قراراته بمعلومات ناقصة، ثم يحاول، رغم ذلك كله، أن يمنح حياته معنى.
وهذا النقص ليس عيبًا عابرًا في الوجود.
إنه شرطه.
نحن نريد اليقين لأننا نخاف المجهول لكن الحياة لا تمنحنا يقينًا كاملًا. كلما أغلقنا بابًا فتح المستقبل أمامنا أبوابًا أخرى لا نعرف إلى أين تؤدي. وحتى الأشياء التي نظن أننا نعرفها تمامًا يمكن أن تتغير في لحظة واحدة لأن الإنسان نفسه لا يبقى ثابتًا بما يكفي ليظل المعنى ثابتًا.
ولذلك فإن النضج ليس أن نصل إلى اليقين.
النضج أن نتعلم كيف نعيش دون يقين كامل.
أن نمضي ونحن لا نعرف كل الإجابات.
أن نحب ونحن نعرف أن الحب معرض للفقد.
أن نبدأ ونحن نعرف أن البداية لا تضمن النهاية.
أن نثق من دون أن نطالب الحياة بعقدٍ يضمن لنا ألا نتأذى.
في هذه المنطقة تحديدًا يصبح الضوء شيئًا مختلفًا.
لم يعد الضوء وعدًا بأن الطريق سينتهي بخير إنما أصبح القدرة على مواصلة الطريق رغم أننا لا نعرف كيف سينتهي.
وهذا النوع من الضوء أكثر صدقًا.
إنه لا يلغي العتمة، بل يمنحنا القدرة على عبورها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو ألا يجعل سعادته رهينةً للنتيجة. فهناك أشياء كثيرة قد لا نصل إليها، ومع ذلك تكون الرحلة إليها قد غيرتنا. وقد نحب شخصًا لا يبقى معنا، لكن الحب نفسه يفتح في داخلنا مساحة لم نكن نعرف وجودها. وقد نكتب كتابًا لا يغير العالم، لكنه يغير الكاتب. وقد نسافر إلى مكان ثم نعود منه دون أن نعثر على ما كنا نبحث عنه، لكننا نعود بمعرفة جديدة عن أنفسنا.
ليست كل قيمةٍ مرتبطةً بالوصول.
بعض الأشياء تكمن قيمتها في أنها جعلتنا نسير.
وهنا تتغير علاقتنا بالفشل.
فالفشل، حين يُرى من اللحظة نفسها، يبدو كجدار. أما حين ننظر إليه بعد سنوات، فقد نكتشف أنه كان منعطفًا. لم يكن يمنعنا من الطريق فقط ربما كان يدفعنا إلى طريق آخر لم نكن سنختاره بإرادتنا.
لكننا لا نستطيع دائمًا رؤية ذلك في حينه.
نحتاج إلى الزمن.
والزمن لا يداوي كل شيء كما يقال، لكنه يغير زاوية النظر إلى الأشياء. يجعل الجرح أقل قدرةً على السيطرة علينا، ويمنحنا مسافةً تسمح بأن نرى ما وراء الألم. لا يمحو الماضي لكنه يعيد وضعه في سياق أوسع.
وهذا هو أحد أشكال الشفاء الحقيقي:
أن يبقى الحدث في الذاكرة، دون أن يبقى سيدًا عليها.
أن تتذكر ولا تنهار.
أن تمر أمام المكان ولا تشعر أنك ما زلت عالقًا فيه.
أن تسمع اسمًا قديمًا ولا يعود قلبك مضطرًا إلى العودة إلى اللحظة نفسها.
أن تعرف أن شيئًا ما كان عزيزًا عليك، وأنه  انتهى من  دون أن تحتاج إلى إنكار قيمته لكي تستطيع المضي.
فالنسيان ليس دائمًا شفاءً.
أحيانًا يكون الشفاء أن تتذكر دون أن تتأذى بالطريقة القديمة.
وهذا يفسر لماذا يصبح الإنسان، بعد سنوات، أكثر هدوءًا تجاه الأشياء التي كانت تستنزفه. ليس لأنه أصبح أكثر قسوة وإنما لأنه فهم أن بعض المعارك لا تستحق أن تستمر إلى الأبد.
هناك لحظة ينبغي فيها أن نتوقف عن سؤال الماضي: لماذا؟
وأن نبدأ في سؤال الحاضر: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟
فالماضي لا يملك إلا سلطة الذاكرة.
أما الحاضر فيملك إمكانية الفعل.
وبينهما يقف الإنسان.
قد لا يستطيع تغيير ما حدث لكنه يستطيع أن يمنع ما حدث من كتابة بقية حياته بالنيابة عنه.
وهنا يصبح الاختيار فعلًا وجوديًا.
أن تقول: نعم، حدث ذلك.
نعم، فقدت.
نعم، تألمت.
نعم، خذلني من وثقت به.
نعم، لم تأتِ الحياة كما تخيلتها.
ثم تقول، رغم كل ذلك:
لكنني ما زلت هنا.
هذه الجملة البسيطة قد تكون أحيانًا أكثر قوةً من كل الانتصارات.
(ما زلت هنا) تعني أن الحكاية لم تنتهِ.
تعني أن الإنسان يستطيع أن يحمل ندوبه دون أن يتحول إليها.
تعني أن ما انكسر فيه لم يمنع بالضرورة ما بقي فيه من النمو.
وتعني، قبل كل شيء، أن المستقبل لم يُكتب بالكامل بعد.
ولهذا لا ينبغي أن نبحث دائمًا عن الضوء في نهاية الطريق.
ربما يكفي أن نحمل معنا ضوءًا صغيرًا.
لا يكشف لنا الطريق كله.
يكشف فقط الخطوة التالية.
وهذا يكفي.
فالإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كيف سيقطع المسافة كلها. يحتاج فقط إلى أن يرى موضع قدمه التالية، ثم يتحرك.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
حتى يكتشف، بعد مسافة طويلة، أنه لم يكن ينتظر الضوء أصلًا.
كان يصنعه وهو يمشي.
وعندها فقط نفهم أن (ما وراء الأفق) ليس عالمًا خاليًا من الخوف، ولا مكانًا تتحقق فيه كل الأمنيات، ولا نهايةً سعيدة بالمعنى الذي اعتدناه.
إنه تلك النقطة التي يتوقف فيها الإنسان عن مطالبة الحياة بأن تكون كما يريد، ويبدأ في اكتشاف ما يستطيع أن يكونه هو داخلها.
هناك، يصبح الضوء أقل لمعانًا وأكثر حقيقة.
لا يعدنا بشيء.
لكنه لا يتركنا وحدنا.
وربما كان هذا كل ما نحتاجه كي نواصل الطريق.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي