مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء العلاف
كاتب وباحث | عراقي
كانت مصر، ولا تزال في الذاكرة، قِبلة للفنّ وموطنًا للإبداع والذّوق الرفيع، عاشت مصر في زمن سُمّي بـ"الزمن الجميل"، حيث كان للفن مكانته وللأدب مجدُه، وحيث كان الجمهور يقدّر الإبداع ويستقبله بذائقة تختلف كثيرًا عن واقع اليوم، كانت مصر شامخة بثقافتها، رائدة في الأدب والمسرح والسينما والموسيقى، وكان وعي الناس والجمهور حينذاك يعكس حضارة عريقة وأمّة متفتّحة تعتزّ بالمفكرين والشعراء والفنانين، وتكرم رموزها أمثال طه حسين، نجيب محفوظ، العقاد، وتوفيق الحكيم... كان جمهور الأمس مُحبًّا للحياة، مُقبلًا على الفن لا يراه ترفًا، بل حاجةً وذوقًا وثقافة. أما اليوم، فأشعر أن شيئًا ما تغيّر، لم أحتكّ كثيرًا بالمجتمع المصري، لكنني زرت مصر وتنقلت في شوارعها، والتقيت ببعض النُّخب والمثقفين، ودار بيننا حوار صريح، سألتهم: لماذا تغير الذوق العام؟ لماذا خفت بريق الفن؟ فقال لي أحدهم: "الزمن تغيّر، ومعه تغيّر الناس، أصبح هناك ميل إلى التزمّت الديني، وهو ما أثّر على نظرتهم للفن والثقافة، وفعلاً، بدا لي أن بعض ملامح المجتمع تميل نحو انغلاقٍ ما، نتيجة تراكمات دينية أو اجتماعية مع أن هذا الشعب هو نفسه الذي أنجب أم كلثوم وعبد الحليم وأجيالًا من المثقفين الذين أثّروا في الوجدان العربي، لقد كانت مصر مهدًا لحضارة الفن، وشارع رمسيس مثلًا، كان يومًا ما ينبض بالحياة، والفنانة ميرفت أمين، على سبيل المثال، تنحدر من أصول أوروبيّة، مما يعكس انفتاحًا وتنوّعًا ثقافيًا رائعًا، في زيارتي، تجوّلت كثيرًا، وذهبت إلى أماكنَ مختلفةٍ، من شارع المعز وحتى سيدي الحسين، وهناك، في سيدي الحسين، شدّتني حركة السياح الأجانب ألمان، إنجليز، وغيرهم من الأوروبيين الذين كانوا يتجولون في تلك المعالم الدينية والتاريخية بإعجاب ودهشة رأيت كيف استطاعت مصر أن تحوّل حتى المساحات الرّملية إلى مرافق سياحية نابضة بالحياة... لكن ما أحزنني، أنني كلما قارنت تلك الحيوية بما أراه في بلدي المليء بالجراح والقيود الدينية والثقافية شعرت بالحزن، في بلدي، السواد يطغى على الألوان والحزن يكاد يكون هوية، أنا لا أحب الحزن بطبعي، وأؤمن بما قاله بعض الروحانيين: "لا ترتدِ ما يجلب الحزن، لا تلبس السواد لأنه يظلم القلب ويثقل النفس،" فاللباس ليس مجرد مظهر، بل قد ينعكس على الطاقة الداخلية للإنسان... تمنيت لو تهتمّ بلداننا بالسياحة، بالحياة بالفن، بكل ما يفتح القلب والعقل، تمنيت أن نستفيد من إرثنا الديني والتاريخي لا أن نحوله إلى جدار عازل، أن نبني ونتطور ونتعلم من تجارب من سبقنا، لا تزال مصر تنبض بالحياة حتى اليوم، رغم التحديات، وقدرتها على النهوض لا تزال قائمة. إنها بلد يستطيع أن يصنع من الرّمل واحة، ومن التاريخ مستقبلًا ومن الفنّ حياةً.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي