مقالات ادبية واجتماعية وفنية
م.م. بشار ساجت لطيف
العراق، واسط
تُستَعاد كربلاء في الذاكرة العراقيّة كلّ عام كجرحٍ يرفض أن يندمل وصوتٍ يتجدد في كلّ قلبٍ ينبض بالحزن والكرامة معاً. وفي هذا الفضاء المشحون بالقداسة والمأساة يطلّ الدكتور حسين القاصد بقصيدته (لا نريدك في العراق) لا بصفته راويا لحدث تاريخيّ مأساويّ، وإنّما ليُسائل صدى هذا الحدث ويفكك مآلات ما تلته من أحداث، كما أنّه لا يُمجد الرمز، وإنّما يقتحم عتمة العلاقة الملتبسة بينه وبين هذا الرمز في لغةٍ تتأرجح بين الخشوع والتمرد، وبين السكر الصوفيّ والصرخة السياسية.
في الشعر ثمة لحظات يتجاوز فيها النصّ حدود القصيدة إلى فضاء المساءلة الوجوديّة الكبرى فيغدو الكلام طقساً، والاستفهام صلاةً، والخطيئة المعلنة طريقاً نحو حقيقةٍ أعمق من اليقين، وفي هذا الأفق المضطرب صاغ القاصد قصيدته (لا نريدك في العراق) مبتعدا عن كونها مرثيّة تقليديّة تنحني أمام الرمز الحسينيّ انحناء الموروث المتكرّر، ليجعلها مغامرة جريئة تعيد صياغة العلاقة بين الذات الشاعرة وأقدس رموزها عبر لغة تستدعي الخمرة الصوفيّة والجرح السياسيّ في آن واحد، فتُنتج نصاً يصعب تصنيفه في أبواب الإبداع مبتعدا عن كونه مرثية خالصة أو قصيدة احتجاج صريحة، وربّما ليكون الاثنان معا متشابكين في نسيجٍ من الحيرة والانكسار والولاء المتأزم؛ فالعنوان وحده بصدمته الأولى بمفارقته الصارخة يُعلن أنّ القصيدة لن تسير في الطريق المتوقع، وأن الشاعر سيغوص في غياهب السؤال بدل أن يقف عند حدود القداسة المعتادة. لماذا نستدعي الحسين في هذا الزمن؟ وكيف يتحوّل الرمز مع تقلبات الإنسان؟ هذا السؤال الذي يبدو في ظاهره تجديفاً عكس التيار، هو في عمقه أصدق أشكال الوفاء، فهو وفاء لا يكتفي بالبكاء الموروث، وإنّما هو بكاء يستدعي الرمز ليحرّره ممّن يستغلونه لتفتيت ما أراد أن يجمعه.
ولأنّ النصّ يتحرّك على عتبات متعدّدة: التاريخيّ والصوفيّ، والفرديّ والجماعيّ، والمقدّس والمدنّس، فإنّ قراءته النقديّة تستدعي بالضرورة أدوات تتجاوز التحليل الانطباعيّ المباشر نحو مقاربة تستثمر منجزات النظريّة الأدبيّة الحديثة من البنائيّة التي تكشف انزياح الدال عن مدلوله التقليديّ إلى جماليّة التلقّي التي تتعقب صدمة كسر (أفق التوقع) عند القارئ إلى النقد الثقافيّ الذي يفضح تسليع الرمز الدينيّ في خدمة الصراع الهوياتيّ وصولا إلى الحسّ الصوفيّ الوجوديّ الذي يرى في السكر تجاوزاً للذات نحو اتحاد بالمأساة الكبرى.
يفتتح القاصد قصيدته على مساحة تأويلية واسعة فمن منظور البنائية يفصل النص بقصدية واضحة بين الدال والمدلول في عدة مواضع، ولعلّ أوضحها عند قوله: (لا تقترب من نخل مريم .....سيدي فالنخل يزني)، فهنا عمد القاصد أن يُفرغ هذا الدال من التزامه الدلالي ليُعيد ربطه بمدلول صادم، الزنا المجازي.
ومن منظور جمالية التلقي يفترض (هانز روبرت ياوس) النصّ في (أفق توقّع) القارئ؛ إذ يتوقع القارئ مرثية تقليدية مشحونة بالأسى والنحيب وحرقة الدموع، لكن القاصد يكسر هذا الأفق منذ العنوان عبر ما يمكن تسميته بصدمة الانزياح عن المتوقع، وهي الآلية التي تُحدث الأثر الجماليّ والفكريّ معاً، وتُلزم القارئ بإعادة بناء المعنى بنفسه، وتطلق لذهنه العنان عن التفتيش عن معان نفسيّة تختفي خلف استار جماليّات حروف القاصد وبناه الفريدة؛ إذ لا يُفسر الرفض الصادم في العنوان إلا في السطر المتأخر من القصيدة.
أمّا من زاوية النقد الثقافيّ فإنّ النصّ ينتقد ما يمكن وصفه بـ (تسليع الرمز)؛ إذ يرفض القاصد تحويل كربلاء من حدث تأسيسيّ للكرامة الإنسانيّة إلى أداة في صراع طائفيّ؛ فيثبت الشاعر أنّ المجتمع منشغل بالطائفة عن الحسين: شيعيّ وسنيّ.
وأخيراً فإنّ رمزية الخمرة والسكر المتكررة تتماهى مع التراث الصوفيّ (الحلاج، ابن الفارض) ومع فكرة جورج باتاي عن (التجاوز)، إذ يكون السكر تجاوزاً للعقل والهويّة الفرديّة نحو حالة اتحادٍ بالمأساة الكبرى، تُفقد الذات حدودها الفردية (ما كنتُ أنّي) في بحثٍ عن معنى يتجاوز التفكك الذي يعيشه الفرد في مجتمع ممزق.
سنتتبع النص بيتاً بيتاً، لنفهم كيف يتحول الشعر في لحظاته الأكثر جرأة إلى مرآةٍ تعكس خيبة الذات أمام إرث عظيم لم يستثمر، وكيف يمكن لقصيدةٍ واحدة أن تحمل في آنٍ واحد أعمق درجات العشق وأقسى درجات العتاب.
"لأسىً يحزُّ النبضَ مني أبكيكَ عيداً كي أغني؟"
يفتتح الشاعر النصّ بسؤال استفهامي لا بجملة خبرية، وهذا الاختيار التركيبي بالغ الدلالة، فهو يضع القارئ فوراً في حالة (أفق توقّع) (بحسب ياوس) هل البكاء على الحسين عيدٌ يُحتفى به أم أغنية تُقال؟ المفارقة بين (أبكي وأغنّي) تكشف عن ازدواجية الموقف من الرمز منذ السطر الأول حزنٌ يتحول إلى احتفال، ومأساة تتحول إلى نغم، وهذا التوتر بين البكاء والغناء سيظل المحرك الدلاليّ للنصّ حتى نهايته.
“وأودُّ أن ألقاكَ في كنفِ الشجون تصدُّ حزني”
هنا تتأكد صيغة الخطاب المباشر (المنادى الغائب الحاضر)، إذ يتحول النصّ إلى حوار وجودي مع الحسين بصفته حاضرا حياً يمكن لقاؤه، وهذا الإسناد الفعلي (ألقاك) يكسر الفجوة الزمنية بين الحدث التاريخي (كربلاء) وحالة الشاعر الوجدانية وهو ما يخدم القراءة البنائية الدال (الحسين) يتحرر من سياقه التاريخي الثابت ليصبح حاضراً معاصراً قابلاً للمساءلة.
كما يبدو واضحا هنا أنّ الشاعر يمارس دوره كمرسل، وهو يخاطب الحسين بوصفه مستلما، إلّا أنّ القاصد بفطنته أدخل مرسلا آخر، وهو الضمير العراقيّ الحرّ، كما أدخل مستلما آخر، وهو القارئ لكي ينفتح على قراءة جديدة للنص.
“وأطوف حول هواك .. طفلُ البوح يخنقني... أعنّي"
صورة الطواف تستدعي معجماً دينياً (الطواف حول الكعبة أو الضريح)، لكنه هنا طوافٌ حول (الهوى) لا حول المقام المادي، فيتحول الفعل الديني التقليدي إلى فعل عاطفي. (طفلُ البوح يخنقني) استعارة مركبة تصور الكلام المكبوت كطفل يختنق، وهي إشارة إلى عجز اللغة عن استيعاب حجم الشحنة العاطفية نموذج لما قاله( باتاي): "إنّ التجربة الداخلية الحقيقية تصل إلى منطقة يصبح فيها الخطاب عاجزًا، ويقترب الإنسان من الصمت، والصراخ، والتناقض، والتشظي اللغوي"، فيطلب الشاعر العون من الحسين بوصفه ملاذا ومعينا.
"إني تقمصتُ الفراتَ فكنتُهُ .. كم لم يكُنّي"
عمد القاصد مجددا لفصل الدال عن مدلوله فهنا الفرات لم يعد مجرد نهر، بل حوله القاصد إلى هوية شعورية ورمز للعطش لا للارتواء، والفعل (تقمصت) هنا انزياح دلالي واضح؛ إذ إنّ التقمص يكون مع الأرواح لا الجمادات، فكسر القاصد العلاقات الإسنادية للغة بإسناده التقمص للفرات، وهو ما يسميه النقد الأسلوبي بالانتهاك المقصود للمعيار اللغويّ.
سأمارس هنا دورا تقويليا، وكأنّ الشاعر هنا أراد أن يقول إنّه أراد تقمص دور الفرات كي يهب الحسين كلّ ماءه، لكنّ الفرات رفض ذلك، وهنا نحن أمام إدانة صريحة لنهر الفرات بأنّه شريك بالجريمة.
“دع عنك أهلَ الطفِّ لا تأبهْ بهم دعهم ودعني”
يستحضر القاصد التراث مجددا بفعل كلامي متخذا من التوسع الدلالي للعلامة منطلقا، فأهل الطف هنا ليسوا تلك الجماعة التي عاصرت الحدث، بل تمتد لكل جماعة داهنت وجاملت على حساب الحق، وهذا فصل واضح للدال عن مدلوله. كما لا يفصل الشاعر ذاته عن تلك الجماعة، بل يرى وجوب الحذر منهم ومنه، وهو فعل كلامي لا يعني أمرا بالنأي بقدر ما هو فعل انكاري.
“لا تقتربْ من نخل مريم .. سيدي .. فالنخلُ يزني !!”
في هذا السطر تناص تراثي دينيّ؛ إذ ارتبطت نخلة مريم إسلاميا وقرآنيّا بالطهر والقداسة، فهنا أجرأ صورة في النصّ، النخلة رمز القداسة والطهارة المطلقة، فيضعنا الشاعر أمام فكرة أنّ (النخل يزني)، وهو انقلاب صوري متعمد يهدف إلى تصوير زمن معاصر فاسد حتى النخاع، إذ لا يبقى شيء طاهراً، حتّى أقدس رموز القداسة، من منظور بارت هذه إعادة كتابة جذرية لنصّ مقدس ضمن سياق نقدي جديد يستخدم القداسة لقول العكس انعدام القداسة في الواقع الراهن.
“هذا أنا .. ذي خمرتي.. فسكرتُ دمعاً لم يصنّي”
يستهل الشاعر هذا السطر باستعارة كبرى وبظهور صريح لمعجم الخمرة الصوفيّ، ويمارس انزياحا دلاليا واضحا؛ إذ في الاستعمال المألوف يكون السكر بسبب الخمر، أمّا هنا فقد أصبح الدمع خمراً، وهذا الاستبدال (الدمع بدل الخمرة الحقيقية) يُبقي الصورة في حدود الاستعارة الروحية لا المادية، وهو فصل للدال (الخمر) عن مدلوله (السكر) ليعطيه مدلولا جديدا، وهو شدة الحزن أو العشق التام. وهو تماهٍ مباشر مع تراث الحلاج وابن الفارض في خمرة العشق الإلهي لكن "لم يصنّي" لم يطهرني يكشف أنّ هذا السكر خلافاً للتراث الصوفيّ الكلاسيكيّ، إذ يُطهر السكرُ الروحَ ولم يحقق غايته التطهيرية هنا.
“وأراك .. راياتٍ .. وصبحاً ..خنتُهُ .. هو لم يخنّي”
هذا السطر من أكثر أسطر القصيدة كثافةً من حيث الرمز والتشظي والانفعال، فيصوّر القاصد هنا (الحسين) بوصفه أملا منشودا للحرية والعدالة، فالرايات والصبح هنا رمزيّة واضحة أقحمها الشاعر في نصّه المتقن، فالرايات ترمز للثورة وللقيم الحسينيّة، والصبح يرمز للأمل والخلاص بفصل واضح للدال عن مدلوله. ثم يعترف الشاعر بخيانته لهذا الصبح (الأمل) بينما الصبح "لم يخنّي" من أقوى عبارات الاعتراف والاتهام الذاتي في القصيدة كلها؛ إذ ينقل مأساة كربلاء من حدث تاريخي إلى أزمة ضمير معاصرة.
"وسكرتُ جداً .. فانتبهتُ لذلك الحزنِ المسنِّ"
يقوم هذا السطر على المفارقة والانزياح، إذ يقلب الشاعر العلاقة المنطقية بين الفعلين( سكرت، انتبهت) مما يولد مفارقة شعرية عميقة. "الحزن المسنّ" استعارة لافتة الحزن هنا ليس حزنا جديدا طارئا، بل حزنا متراكم عبر الأجيال، وكأن الشاعر يستيقظ من سكرته الروحيّة على لحظة حزن فردي وجماعي موروث متجدّد منذ كربلاء حتى اللحظة الراهنة، وهذا ما ينسجم مع القراءة الثقافيّة لاستمراريّة الرمز عبر التاريخ.
“وحدي وهذا العهر يجلدني فيفزع منك ظني”
يرى الشاعر نفسه هنا وحيدا محاطا بواقع فاسد لا يناسبه، واقع ملوث بعيدا قيم الحسين، فيصرح الشاعر بأنّه يعيش رعبا أخلاقيا أمام رمز الحسين، ففساد الواقع وفساد الذات يتحولان إلى سوطٍ يجلد الضمير ويولد شعورا عميقا بعدم الاستحقاق.
و(العهر) هنا تعبير مجازيّ عن فساد الواقع السياسيّ والاجتماعيّ. و(يفزع منك ظني) يكشف أنّ الشاعر بدأ يخاف من الحسين نفسه، أو من المعنى الذي يحمله الحسين في مواجهة هذا الفساد.
"من أنت؟
كيف أتيت؟
كيف شغلتني من صغر سني؟
كيف ارتكبتَ النبض ثم نبضتَني
ورسمتَ غصني؟"
هذا المقطع يُعدُّ من أكثر مقاطع القصيدة ثراءً دلاليّا؛ لأنّه يجمع بين الاستفهام والدهشة والاعتراف والانزياح والتجربة الوجدانيّة العميقة، (من أنت ، كيف أتيت) ليست أسئلة عادية تنتظر جوابا محددا، فالشاعر يعرف الحسين، إنّما هي أسئلة دهشة وانبهار لتعظيم الحسين، واقرار بالعجز عن تفسير حضور الحسين في وجدان الشاعر. (كيف شغلتني من صغر سني) المقطع يقترب من الخطاب الصوفيّ، فالمحب يسأل كيف دخلتَ إلى روحي؟ وهذا يشبه تساؤلات العاشق الصوفيّ عن سرّ حضور المحبوب في قلبه. (كيف ارتكبتَ النبض ثم نبضتَني) الفعل (ارتكبت) يُعَدُّ انزياحا دلاليّا أيضا إذ إنّ هذا الفعل غالبا يقترن بالذنب أو الخطيئة، فأقحمه القاصد عمدا مع النبض، لينشأ صدمة دلالية مقصودة؛ إذ يصوّر الحسين كقوة مكونة لذات الشاعر وليس رمزا خارجيا.
"وجعلتني حرّا أسلِّمُ للرعاع زمامَ رسني"
كعادته يعمدُ القاصد إلى استخدام الحدية وزجّ المفارقات أينما تسنح له الفرصة، فالحريّة التي وهبها الحسين انتهت بانقياد تام إلى أناس لا يمثلون فكرة الحسين بوصفة دالّا ثقافيّا لقيم الكرامة والتحرّر، ليسلم من تعلّم الحريّة والرفض من الحسين زمام كينونته لرعاع من أبعدهم عن خط الحسين التحرريّ. وهذا نقد سياسيّ مباشر لمآلات العراق المعاصر. فالشاعر ــ على الرغم من تشبّعه بقيم الحريّة الحسينيّة ــ يعترف بأنه سلّم (رسنه) لمن لا يستحقّ، وهنا الرسن يعد انزياحا دلاليّا عن الحبل المادي إلى السيطرة على الذات، فكانت المأساة خيانةً للحريّة أكثر من كونها فقدانًا لها.
“تمشي ويمشي الرمحُ يا(أللهُ) ما هذا التأني ؟؟”
يرسم القاصد هنا صورة مؤلمة من صور كربلاء، ويستحضر مشهد رفع رأس الحسين (عليه السلام) على ذلك الرمح، ثم يصرخ مناديا الخالق، ويستفهم عن صبره على هؤلاء القوم. بهذا السطر يقترب القاصد من الخطاب المنبريّ التقليديّ أكثر من باقي النص، وكأنّ الشاعر يعود إلى الذاكرة الجماعيّة المتوارثة قبل أن يعود إلى نقده الذاتي؛ إذ يرسم مشهدا سينمائيا للحظة مؤلمة في تاريخ الحسين متعجّبا ــ إن صحّ التعبير ــ من (صبر الله وحلمه) على هؤلاء القوم.
"أطعمتَ نزفَك للسماء فقهقهتْ فجرَ التمني"
هذا السطر من أكثر أسطر القصيدة كثافة في الانزياح والرمزيّة؛ إذ يقوم على شبكة من الاستعارات والتشخيصات المتداخلة، فالنزف لا يطعم كما أنّ السماء لا تأكل، وهذه استعارة جريئة، فنزيف الحسين يُقدم طعاماً للسماء، فتضحك السماء (قهقهة)، والقهقهة هنا مفارقة قاسية، فاستجابة السماء للتضحية العظمى تبدو سخرية أو فرحاً عابراً لا عدلاً مكتملاً، وهو تجسيد لشعور الخذلان الكوني الذي يتخلل النص.
"ثم ادّعتْ شمساً فكان الصبح مجروحاً بحزنِ"
الصباح الذي كان يُفترض أن يكون فجر النصر يتأكد هنا أنه (مجروح)؛ أيّ أنّ الأمل وُلِدَ مشوّها منذ بدايته، وهذه الصورة تخدم الإطار الثقافيّ للنصّ، فالتاريخ يكرر مأساته دون أن يتحقق الفجر الموعود فعلياً.
“وركبتَ موج الآه كي تلدَ الأنينَ بكل لحنِ”
(موج الآه) الآه صوتٌ أو تأوه نفسي، لكنّها تحوّلت إلى بحر له أمواج، وهذا خرق واضح للاستعمال المألوف للغة، فالآه لا تملك موجا في الواقع، وكذلك مع ولادة الأنين، وصورة الولادة هنا لافتة الحسين (يلد) الأنين، وكأنّ المأساة تتحول إلى مصدر إنتاج جماليّ متجدّد الأنين كلحن، وهذا يرتبط مباشرة بالقراءة البنائية، والرمز يتحول إلى نصّ جمالي يُعاد إنتاجه شعراً ولحناً عبر الأجيال بدل أن يبقى حدثاً تاريخياً مغلقاً.
“وأنا على كأسي و لكنّي و(نزفِك) لم أصلْني”
اعتراف صريح بالانقطاع وإقرار من الشاعر على أنّه بعيد عن الحسين وأهدافه (على كأسي)؛ أي سكرته الخاصة، ولعلّه يقصد هنا السكر الدنيويّ لا الصوفيّ، و(لم أصِلْني)؛ أي لم أنل ما أريد بعيدا عنك، وهذا اعتراف بالفجوة بين الطقس (الشعار) والمعنى الحقيقي للتضحية، وهو نقد ذاتي عميق لسطحية العلاقة المعاصرة بالرمز.
"ولقد سكرتُ وما دريتُ بأنني ما كنتُ أني!!"
إنّ الشاعر هنا بعد انغماسه في الحزن والتأمل يكتشف اكتشافا صادما أنه كان يعيش بعيدا عن ذاته الحقيقية، وأن الأنا التي ظنها ثابتة لم تكن هي (الأنا) حقا. وهذا تكرار بصيغة أعمق لفكرة فقدان الهوية في السكر الصوفيّ، لكنه يأتي هنا كاعتراف متأخر بالخطأ، فالسكر لم يكن وعياً صوفياً متعالياً، بل غيبوبة عن الذات الحقيقية، وهي تمهيد نفسيّ مباشر للرفض الصريح في السطر التالي.
“عدْ لا نريدُك سيدي إذ نحنُ: شيعيُّ وسني!!!”
يبنى هذا السطر على المفارقة والسخريّة، فاجتماع الحب والرفض في جملة واحدة يخلق مفارقة تراجيدية عميقة ( سيدي ولا نريدك) والسخرية؛ إذ إنّه لا يقصد فعلا أنّنا لا نريد الحسين، بل إنّ واقعنا وسلوكنا يفضحان ذلك. وهنا نحن أمام فعل كلاميّ لا يعني الأمر بقدر ما هو اعتراف بعدم الاستحقاق وخوف من تكرار المأساة مرة أخرى. وهنا يضعنا القاصد أمام التبرير النهائي وعماد بنائه لرفض الحسين، إذ جاء رفض الحسين؛ لأنّنا غير مؤهلين لاستقباله؛ إذ إننا منشغلون بالصراعات والطائفة عن الحسين وأهدافه السامية.
"عدْ إن ارض الرافدين تود ذبحَك دون وهنِ"
يضعنا القاصد أمام استلزام حواريّ حاد إذا استعرنا مصطلحات التداوليّة، فالفعل الكلاميّ هنا لا يعني العودة بقدر ما هو صرخة مدوية واعتراف بعدم أهلية هذا المجتمع لاستقبال الحسين. فنحن أمام تصعيد للرفض إلى حدّ تحذيريّ، فالعراق المعاصر بانقساماته لن يحتضن الحسين، بل سيكرر مأساته، وجملة (تود ذبحَك) تكشف أن البلاد قد تحولت الى بيئة معادية للقيمة التي يمثلها الحسين وليست بيئة حافظة لها، وهذا أقصى درجات النقد الذاتي الجماعي في النص.
"عذرا .. سكرتُكَ ادمعاً .. أبكيك عيدا أم أغني ؟"
تكرار للسؤال الافتتاحي لكنه يأتي الآن مشحوناً بكلّ المسار الذي قطعه النص من التماهي الكامل إلى الاعتراف بالفجوة إلى الرفض الصريح وأخيراً إلى عودة السؤال الأول دون حسم. هذه الدائرية البنائية التي تنسجم مع (أفق التوقّع) المفتوح، وتترك القارئ في حالة تعليق تأويليّ لا جواب نهائياً عن طبيعة العلاقة بالرمز فقط اعتراف بأنها علاقة ملتبسة أبداً بين القداسة الفردية والخيبة الجماعية.
وفي نهاية رحلتنا التأويلية تتكشف قصيدة (لا نريدك في العراق) بوصفها وثيقة وجدانية فكرية تسجّل لحظة مفصلية من الوعي المعاصر حين يجد الفرد نفسه ممزقاً بين وفائه المطلق لرمزٍ شكّل وعيه منذ الطفولة وإدراكه المرير، على أنّ هذا الرمز نفسه يُستغل ليكرس الانقسام الذي يتناقض مع كلّ ما جاء من أجله.
ولقد رأينا كيف ينهض النصّ على بنيةٍ دائرية محكمة تبدأ بسؤالٍ معلق بين البكاء والغناء، وتنتهي بصدى ذلك السؤال نفسه، لكنه يعود محملاً بكلّ ما اعترض طريقه تماهٍ كامل مع الرمز (تقمصتُ الفراتَ فكنتُهُ) فاعترافٌ بالفجوة (لم أصِلْني)، فرفضٌ صريح يحمل اسم القصيدة ذاته (لا نريدُك)، فعودةٌ أخيرة إلى الحيرة الأولى. هذه الدائرية ليست عجزاً عن الحسم، بل هي جلّ ما يريد النصّ أن يقوله. إن العلاقة بالمقدس في زمن الانكسار الجماعيّ لا تُحسم بجوابٍ واحد، بل تبقى مفتوحة على إعادة السؤال.
وقد بيّنت القراءة المتعددة المداخل أنّ جرأة القاصد الصورية في (الخمرة) في (النخل الذي يزني) في رفضه الصريح لاستدعاء الحسين ليست استفزازاً، وإنّما هي مثال واضح للمسؤوليّة الشعريّة، مسؤولية من يرى أن تكرار الشعار الدينيّ من دون إصلاح الجرح السياسيّ والطائفيّ هو خيانةٌ للرمز وللوطن معاً، فالشاعر حين يقول: (نحن شيعيّ وسنيّ) لا يتنازل عن الحسين، بل يطالب بأن يُستعاد بصورته الجامعة لا بصورته المجتزأة التي صنعتها سياسات الفرقة.
وبهذا تنضم هذه القصيدة إلى تراثٍ شعريّ عربيّ معاصر يقوم بمساءلة المقدّس من موقع العشق لا من موقع العداء، مستلهماً مفردات الصوفيّة الكلاسيكيّة (الخمرة، السكر، الفناء) ليصوغ بها نقداً سياسيّاً واجتماعيّاً بالغ الحساسية والجرأة، وتبقى قيمتها الكبرى في أنّها لا تقدم إجابات مطمئنة، بل تترك القارئ كما تركت الشاعر نفسه معلقاً بين البكاء والغناء، بين الولاء والعتاب، بين رغبةٍ عميقة في اللقاء ورفضٍ موجوعٍ يقوله القلب قبل العقل.
وفي هذا التعليق نفسه في هذا الرفض الذي هو في جوهره أصدق أشكال الطلب تكمن العبقرية الحقيقية للنصّ؛ إذ إنّه يحول العتاب إلى صلاة، والرفض إلى نداء، والخيبة إلى أملٍ مؤجل في عراقٍ يستحق أن يُستدعى الحسين إليه من جديد حين لا يبقى فيه (شيعيّ وسنيّ)، بل وطنٌ واحد يحمل اسمه على قلبٍ واحد، وكأنّه يعيد صياغة الأنا والمجتمع الذي يجب أن يستقبل الحسين، على وفق معايير أو مبادئ تتوافق مع مشروعه الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور .
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي