مقالات ادبية واجتماعية وفنية
فريال البستان/كاتبة وقاصة عراقية
الانتظار
لم أكن أعلم أن بعض الانتظارات التي نضيق بها ذرعا قد تخبّئ لنا مصادفات تغيّر مسار الحكاية في أعماقنا.
كان يوما عاديا حين قادتني إحدى المعاملات إلى دائرة رسمية، حيث تتشابه الوجوه، وتتثاقل الدقائق، ويغدو الانتظار أطول من الصبر نفسه. جلستُ أترقّب دوري، منشغلةً بما جئتُ من أجله، لا أبحث عن حديث، ولا أتوقّع أن يحمل لي ذلك المكان ذكرى تستحقّ أن تُروى.
ثم جمعتنا المصادفة في مساحة الانتظار ذاتها.
بدأ الأمر بكلمات قليلة فرضتها ظروف المكان، ثم امتدّ الحديث على مهل، كأنّ الوقت الثقيل قرّر أن يمنحنا فرصةً للتعارف. تجاذبنا أطراف الكلام، وانتقلنا من شأن عابر إلى فكرة أعمق، ومن مجاملة عادية إلى حوار وجدتُ فيه ما يستوقفني.
لم يكن في حديثه ما يجذبني مجرّد كلمات، بل طريقة تفكير، ونظرة إلى الحياة، ومساحة من التفاهم أخذت تتّسع بيننا دون تكلّف. ولم أكن أعلم أنّ ذلك الانتظار سيوقظ في داخلي شيئا ظننته قد اعتاد السكون، وأنّ حديثا عابرا قد يفتح نافذةً على حكاية لم أخطّط لها يوما. وبعد انتهاء الانتظار وإتمام المعاملة طلب مني متواضعا بكل هدوء وكياسة دعوة إلى فنجان قهوة ذات مساء.
فابتسمت وتبادلنا الهواتف
المشهد الاول
اللقاء:
كان المساء يهبط برفق، كأنّه قطعة حرير أرجواني تُسدل على كتفي المدينة، حين التقيتُ دفءَ عينيك. لم تكن كلمات الترحيب هي ما شدّني إليك، بل ذلك الوميض الصادق الذي ارتعش في طرف رمشك، فأيقظ داخلي طفلةً لم تكفّ يوما عن الإيمان بالمفاجآت الجميلة.
تقدّمتَ خطوةً، فسمعتُ قلبي يخطّ أول سطر في قصتنا. أدركتُ عندها أنّ ما أملكه ليس أصابع تكتب، بل نبضا يشعر، وقلبا يحسّ. كفُّك، حين لامس كفّي، كانت رسالةً بلا حروف ،دفءٌ ينساب من راحة صغيرة ليغمر شتاء أعماقي.
بدا الأمر أشبه بأن يغفو العالم من حولنا لحظة قصيرة، ويصغي فقط إلى وشوشة أنفاسنا وهي تتآلف على إيقاع واحد.
سرنا على الممرّ الحجري بمحاذاة النهر، والليل يرشّ عبيره الفضيّ فوق الماء. تحدّثنا عن أشياء عابرة،اسم زهرة أعجبتك، وقصيدة طافت بخاطري، وضحكات لم تجد سببا سوى أنّها تحبّ الخروج إلينا.
لكن تحت سطور الحوار المألوف، كان شيء أعمق يتحرّك في داخلي ،كان الحبّ يرسم خطوطا متوازية، ويهمس لي بأنّ القلوب قد تتلاقى، وإن لم تكن الطرق دائما ممهّدة للقاء.
كان إحساسي بك يشبه إحساسي بالوجع، يمتدّ إلى كلّ عضو فيّ، ثم يُسكّنه دفؤك على الفور، كغصن نديّ انفتح للشمس لتوّه بعد تصحّر طويل.
المشهد الثاني
التردّد:
ولم يكن ذلك الدفء وليد لحظة عابرة، بل جاء ليطرق باب قلب أمضى عقدين كاملين يتعلّم كيف يصون نفسه.
كان صوت داخلي يصرخ ،أنا عطشى، ولكنّني متمرّدة.
لم أكن أجهل الحبّ، لكنّني كنت أؤمن أنّ العفّة ليست حرمانا من الحياة، وأنّ القلب لا ينبغي أن يُمنح لمجرّد انبهار عابر. لذلك صنتُ اختياري، رغم الأنظار التي كانت تحيط بي كما تحيط الفراشات بالأزهار، وانتظرتُ إنسانا يلتقي معي في الفكر، ويحترم قناعاتي، ويشاركني معنى الحياة قبل تفاصيلها.
كان شَعري، بضفيرته الطويلة، لا ينفكّ يضرب ساقيّ يمينا وشمالا، ويلفت أنظار الغادي والآتي، وأنا بزيّي الأسود محنّطة به، كلوحة خشبية سوداء لها عينان وتتنفّس.
كنتُ حاضرةً في أعين الآخرين، لكنّني لم أكن أبحث عن عينٍ تراني فحسب ،كنت أريد عقلا يفهمني، وروحا تألف روحي، ورجلا أطمئنّ إلى مشاركته لي مسؤولية الحياة، لا أن يكتفي بمشاركة لحظاتها الجميلة.
لم يبهرني شكلٌ ولا جمالٌ ولا مالٌ ولا رتبة. كنت أجتهد كي أكون وفق ما أؤمن به، غير عابئة ببريق الأشياء التي تخطف الأنظار لحظةً ثم تترك الروح وحيدة.
المشهد الثالث
اكتشاف التوافق:
حتى ظهرتَ، معترضا طريقا رسمتُه لنفسي كخارطة طيّار في فضاء روحي. لا أدري كيف أمسكتَ بيدي، ولا كيف تغيّر مسار الخارطة، لكنّني أدركتُ أنّ بعض اللقاءات لا تأتي لتسرق منّا ما صُنّاه، بل لتمنح اختياراتنا معنى أعمق.
على حين غفلة، وجدتَ لك مكانا في تلك المساحة الخالية من قلبي، كأنّها أُغلقت على نفسها طويلا، منتظرةً من يستحقّ أن يستقرّ فيها.
لم يكن ذلك المكان تفتحه المظاهر ،كان لمن أجد معه تكافؤا فكريا ومعنويا، ولمن أطمئنّ إلى أنّ الحياة معه شراكة ومسؤولية، وأنّ ما يجمعنا أعمق من إعجاب عابر أو وعد جميل.
عندها أدركتُ أنّ السعادة الحقيقية لا تصنعها تبرّجات الحياة ولا كثرة المعجبين، بل ذلك التوافق الذي يجعل الحوار راحة، والاختلاف فهما، والمسؤولية عهدا يتقاسمه اثنان بإرادة صادقة.
ولم أشعر أنّ سنوات انتظاري كانت زمنا ضائعا، فقد تعلّمتُ خلالها ألّا أساوم على قناعاتي، وألّا أخلط بين لفت الأنظار واستحقاق القلوب. فليس كلّ من يقترب يصلح رفيقا للطريق، وليس كلّ ما يلمع يحمل في داخله الطمأنينة.
وحين توقّفنا أمام مقهى صغير يوزّع ضوءه الأصفر على الأرصفة، التفتَّ إليّ. في عينيك الواسعتين رأيتُ سؤالك الدافئ عن المساء الذي أحبّه. فأجبتك بلا صوت.
المشهد الرابع
مسائي أنت:
كانت ابتسامتك ردّا يكفي لأؤمن أنّ الودّ، حين يكون صادقا، لا يزول ،بل يتّحد مع ومضات الزمن، ويبقى يضيء الطريق بين قلبين تعلّما معا كيف يكتبان بأحبار النبض.
( العبرة)
وهكذا فهمتُ معنى هدنة القلب ،أن يتوقّف عن مقاومة مشاعره، لا لأنّه تخلّى عن مبادئه، بل لأنّه وجد ما ينسجم معها ،وأن يطمئنّ بعد طول حذر، لأنّه وجد من يستطيع أن يمشي الطريق معه.
فقد لا تبدأ الحكايات الجميلة في الأماكن التي تشبه الأحلام ،قد تبدأ في صالة انتظار، بين معاملة مؤجّلة وحديث عابر، ثم تكبر لأنّ روحا وجدت في روح أخرى ما يستحقّ الاقتراب.
لم يكن أجمل ما حدث أنّ قلبي أحبّ، بل أنّه وجد في الحبّ ما لا يتعارض مع قناعاته: عقلا يلتقي معه، وروحا تطمئنّ إليه، وشريكا تُبنى معه الحياة على الاحترام والتكافؤ والمسؤولية.
تلك هي هدنة قلبي ،لا استسلاما أمام الحبّ، بل سلاما مع النفس حين تلتقي بمن يستحقّ.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي