مقالات ادبية واجتماعية وفنية
غني العواد
ناقد وكاتب | عراقي
رِحْلَةُ كَلِمَةٍ بَيْنَ الشِّعْرِ وَالسَّرْدِ
من مدينةٍ أنجبت آلافَ المبدعين، ومن بغداد التي ظلّت، عبر تاريخها، منارةً للفكر والثقافة والجمال، انطلقت رحلة الأديب العراقي هيثم الطيّب، حاملًا في روحه شغف الكلمة، وفي ذاكرته وطنًا مثقلًا بالحكايات والتحوّلات.
وُلِد هيثم الطيّب في بغداد يوم 31 أيّار/مايس عام 1966، في مدينة الثورة، التي تُعرَف اليوم بمدينة الصدر؛ تلك المدينة التي احتضنت أحلامًا كثيرة، وأنجبت مبدعين تركوا بصماتهم في شتّى مجالات الحياة والثقافة والفنون.
كان الكتابُ محطّةً مبكّرةً ومركزيّةً في حياته، إذ رافقه الشغف بالقراءة منذ سنواته الأولى، بعدما أدرك أنّ الكتاب ليس مجرّد أوراقٍ تُقلَّب، بل فضاءٌ رحبٌ للإنسان، وخزانٌ للذاكرة، ومرآةٌ تعكس تجارب الحياة وأسرارها. ومن هذا الشغف بدأت علاقته العميقة بالكلمة، قبل أن يجد طريقه إلى الكتابة والإبداع.
كان الشعر محطّتَه الأولى، ومنه بدأ البحث عن صوته الخاصّ، وعن مكانه بين الكلمات والشعراء. ففي تسعينيّات القرن المنصرم، وجد نفسه في فضاءٍ أدبيّ يعجّ بالتجارب والأصوات، في زمنٍ لم يكن الشعر فيه ترفًا جماليًّا، بل كان نافذةً للبوح، ووسيلةً لمواجهة الألم، ومساحةً للبحث عن الإنسان وسط واقعٍ مثقلٍ بالحروب والتوتّرات والقلق.
لم تكن الظروف التي أحاطت بجيله سهلةً، غير أنّ التحدّي كان أقوى من القيود. ومن رحم تلك المرحلة، ولدت إرادةٌ أدبيّة اختارت أن تكتب وتعلن حضورها، مهما كانت الصعوبات.
ففي عام 1998، أصدر كتابه الأوّل بعنوان «منذ وقتٍ أثيم»، وقد طُبع بطريقة الاستنساخ، وبحجم كفّ اليد، وعلى نفقته الخاصّة، في محاولةٍ شجاعةٍ لتجاوز القيود وسلطة الرقيب. وكانت تلك التجربة إعلانًا مبكّرًا عن كاتبٍ يؤمن بأنّ الكلمة تستطيع أن تجد طريقها، حتى في أكثر الأزمنة ضيقًا.
وقد التفت القاصّ العراقي الكبير عبد الستّار ناصر إلى هذه التجربة، فكتب عنها في صحيفة «العرب» اللندنيّة، مشيدًا بها، ومشيرًا إلى أهميّتها بوصفها تجربةً شابّةً تنطوي على روح التجريب والمغامرة الأدبيّة.
ثم أصدر مجموعته الثانية «من الصعب جدًّا» عام 2000، وبالطريقة نفسها التي اتّبعها في عمله الأوّل. وفي تلك المرحلة، نشر العديد من نصوصه في المجلّات الثقافيّة المعارضة للنظام آنذاك، كما مارس العمل الصحفي الثقافي في عددٍ من الصحف العراقيّة والعربيّة، وشارك في مهرجانات شعريّة عربيّة، حقّق من خلالها حضورًا لافتًا.
وفي عام 2002، صدرت روايته الأولى «الخطر والرغبات» عن دار الشؤون الثقافيّة العامّة، لتضيف إلى تجربته الأدبيّة بعدًا سرديًّا جديدًا، وتؤكّد ميله إلى التنقّل بين الأجناس الأدبيّة.
ولم يتوقّف هيثم الطيّب عند حدود التجربة الشعريّة التقليديّة، بل اتّجه إلى تأسيس مشروعٍ شعريّ خاصّ به، أطلق عليه اسم «قصيدة اللحظة»، وطرح رؤيته وأفكاره حول هذا المشروع في عددٍ من المقالات والكتابات، ساعيًا إلى تقديم تصوّرٍ خاصّ للقصيدة، يقوم على التقاط اللحظة الإنسانيّة بكلّ ما تحمله من إحساسٍ ودهشةٍ وتحوّل.
وفي عام 2016، صدرت مجموعته الشعريّة «أقرب ممّا ينبغي» عن دار الثقافة والنشر الكرديّة، متضمّنةً قصائد من مشروعه الشعري «قصيدة اللحظة».
وظلّ السرد حاضرًا في تجربته، إذ صدرت مجموعته القصصيّة «أحيانًا وبلا معنى» عام 2017 عن دار الشؤون الثقافيّة العامّة، ثم صدرت روايته الثانية «صاحب الأحلام» عن دار آراء للطباعة والنشر عام 2018.
وفي عام 2019، صدرت مجموعته الشعريّة «حينما تفقد الأشياء لذّتها» عن الدار نفسها، لتتواصل بعدها رحلته الشعريّة بصدور مجموعة «قلبي ممتلئٌ بك» عام 2020 عن دار آراء للطباعة والنشر، وهي مجموعة أخرى من قصائد مشروعه الشعري «قصيدة اللحظة».
وفي عام 2021، عاد إلى السرد عبر مجموعته القصصيّة الثانية «باب المنفى الكبير»، الصادرة عن اتّحاد الأدباء والكتّاب في العراق.
أمّا آخر أعماله الصادرة، فهي المجموعة الشعريّة «لم يعد بمقدور قلبي الكلام»، التي صدرت عام 2024 عن دار الشؤون الثقافيّة العامّة، لتشكّل محطةً جديدةً في مشروعه الشعري ومسيرته الطويلة مع الكلمة.
ولا تزال لدى هيثم الطيّب أعمالٌ أخرى قيد الإنجاز، من بينها روايته الثالثة «ليلة اللذّة الأخيرة»، إلى جانب مجموعة شعريّة جديدة بعنوان «آثامي القديمة».
ولم تقتصر اهتماماته على الإبداع الأدبي وحده، بل امتدّت إلى النقد الثقافي؛ إذ طرح في أواخر تسعينيّات القرن الماضي مشروعًا في النقد الثقافي العربي بعنوان «متعة القراءة»، ونشرت صحيفة «العرب» اللندنيّة عددًا من حلقاته، كما نُشرت كتاباته في صحف عراقيّة أخرى.
ولا يزال الأديب هيثم الطيّب حاضرًا في المشهد الثقافي، من خلال مقالاته وأفكاره ونصوصه المنشورة في المواقع الثقافيّة والمجلّات والصحف، فضلًا عن مشاركته في الملتقيات والأنشطة الأدبيّة والثقافيّة التي يُدعى إليها.
وقد نال خلال مسيرته عددًا من كتب الشكر والتقدير من مؤسّساتٍ وجهاتٍ ثقافيّة ذات صلة، كما حظيت تجربته باهتمام عددٍ من النقّاد العراقيّين، الذين كتبوا دراساتٍ تناولت منجزه الأدبي، ونُشرت تلك الدراسات في مواقع وصحف عراقيّة وعربيّة.
كذلك أشاد عددٌ من الأدباء والكتّاب بتجربته الإبداعيّة، لما تمتلكه من خصوصيّةٍ وتنوّع، ولما تحمله من سعيٍ دائمٍ نحو التجديد والبحث عن مساراتٍ جديدةٍ للكلمة.
إنّ تجربة هيثم الطيّب ليست مجرّد تنقّلٍ بين الشعر والقصّة والرواية والنقد والصحافة، بل هي رحلة إنسانٍ آمن بالكلمة منذ البداية، ووجد في الكتاب رفيقًا، وفي القراءة نافذةً، وفي الكتابة قدرًا.
رحلةٌ بدأت من شوارع بغداد وذاكرة مدينة الثورة، وامتدّت عبر سنواتٍ طويلةٍ من القراءة والتجربة والكتابة، لتؤكّد أنّ المبدع الحقيقي لا يتوقّف عند شكلٍ واحد، ولا يستقرّ في محطةٍ أخيرة، بل يظلّ في بحثٍ دائمٍ عن الجمال والمعنى، وعن تلك اللحظة التي تتحوّل فيها الحياة إلى كلمةٍ... وتتحوّل الكلمة إلى حياة.
هيثم الطيّب... أديبٌ عراقيٌّ جعل من الكلمة طريقًا، ومن التجربة ذاكرةً، ومن الإبداع رحلةً لا تزال مستمرّة.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي