مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. فاضل علي/كاتب عراقي
تُعدّ رواية «هُروبٌ نحو القمة» للكاتب والإعلامي الكردي العراقي أحمد الزاويتي (المولود في بغداد عام 1966، والمنحدر من قرية زاويتة بمحافظة دهوك) إحدى الأعمال الأدبية البارزة التي تناولت مأساة الحرب واللجوء؛ حيث تُؤرّخ لأحد أكثر الفصول قسوة في تاريخ الكرد الحديث، والمتمثل في الهجرة المليونية عام 1991. صدرت الرواية عام 2019 عن دار الزمان للنشر والتوزيع في أنقرة، وسبق للزاويتي أن أصدر رواية «الهروب إلى الحياة» (بيروت، 2003).
1. الإطار التاريخي والمكاني
تدور أحداث الرواية في سياق مكاني وزماني شديد الحساسية والتعقيد. المكان: ترتكز الأحداث في مدينة دهوك وضواحيها في شمال العراق. الزمان: ربيع عام 1991، في أعقاب حرب الخليج الثانية ("عاصفة الصحراء") وانكسار الانتفاضة الكردية أمام هجوم قوات النظام العراقي السابق. المشهد العام: ترصد الرواية التحول الدراماتيكي من نشوة انتفاضة شعبية لم تدم سوى 15 يوماً، إلى رحلة فرار جماعي تراجيدية استمرت زهاء 10 أيام باتجاه الشريط الحدودي الجبلي مع تركيا.
2. خصوصية لغوية لافتة
من الملاحظات التي رصدها النقاد أن الرواية مكتوبة أصلاً باللغة العربية وليست مترجمة عن الكردية، رغم أن كاتبها كردي وموضوعها كردي خالص، وهي نقطة اعتُبرت لافتة ودالّة على ثقة الكاتب في تقديم عمله مباشرة إلى المكتبة الروائية العربية.
3. البنية الروائية والشخصيات
تتجلى براعة النص في قدرته على اختزال المأساة المليونية الشاملة داخل إطار حكاية إنسانية مكثفة لعائلة صغيرة، مُسلّطاً الضوء على أثر الحروب في سحق الأحلام البسيطة. «أوميد» و«كانيك»: زوجان يجمعهما حب عميق، يجدان نفسيهما في مواجهة اختبار القسوة والخوف وسط جحيم الهرب الجماعي. الرضيع «سرهلدان»: طفل لم يتجاوز عمره أربعة أسابيع، يغتاله البرد والموت على الطريق، ليغدو رمزاً للبراءة التي دهستها أقدام المأساة. الطفلة «بهيفان»: ابنة العامين التي يستميت الأبوان لإنقاذ حياتها وسط أتون الرحلة. «آزاد»: الصديق والرفيق الذي يتقاسم مع العائلة أعباء المسير نحو المجهول.
4. دلالة العنوان («ثريا النص»)
يحمل العنوان بُعداً دلالياً مكثفاً؛ إذ استخدم الكاتب كلمة «نحو» بدلاً من "إلى". كلمة «نحو» تُعبر عن النزوع والاتجاه الاضطراري صوب الجبال العالية طلباً للأمان، دون تقديم وعدٍ بانتهاء الحركة أو حتمية الوصول إلى خلاص حقيقي. فالقمة هنا ليست رمزاً للانتصار، بل مجرد ملجأ اضطراري لجموع فارّة من بطش الحرب.
5. التداخل بين التوثيق الصحفي والإبداع الأدبي
ينطلق الكاتب من خلفيته الإعلامية الميدانية (كمراسل ومدير سابق لمكتب قناة الجزيرة)، ليصنع مزيجاً بين عين الصحفي: التوثيق الدقيق للوقائع، والأماكن، والتفاصيل الاجتماعية والنفسية لأبناء الأحياء الشعبية، وروح الروائي: النفوذ إلى أعماق النفس البشرية وصياغة الألم الإنساني بلغة ملحمية، مُجسّداً مقولة ميلان كونديرا: «إذا أردت أن تقول شيئاً عظيماً، فعليك أن تقوله في رواية».
6. الحضور الأكاديمي والنقدي
تجاوزت الرواية القراءات الصحفية إلى الدرس الأكاديمي؛ إذ صدرت دراسة محكّمة بعنوان «مبادئ الاستلزام الحواري في رواية هروب نحو القمة لأحمد الزاويتي في ضوء قواعد غرايس»، طبّقت عليها قواعد التداولية اللغوية، إضافة إلى قراءات نقدية وصفتها بـ"الرواية الصفعة" التي توقظ الوعي الكردي بمأساة 1991.
خلاصة
ليست «هُروبٌ نحو القمة» مجرد سردٍ لأحداث تاريخية، بل هي وثيقة وجدانية وشهادة حية تُعيد إحياء الذاكرة الجمعية، وتسترعي الانتباه إلى كلفة الحروب الباهظة عندما تُدفع من أرواح الأبرياء وأحلامهم.


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي