مقالات ادبية واجتماعية وفنية
محمد صالح /كاتب مصري
كنتُ أمضي في طريقي لا أحمل على كتفيَّ شيئًا، ومع ذلك كنتُ أشعر أنني أثقل من جبل، كمن يحمل على كتفيه مدينةً كاملةً من الأعباء، تتدافع الأفكار في رأسي كأمواجٍ هائجة؛ تتكاثر كطيورٍ سوداء لا تعرف الهبوط، أفكارٌ عن المصاريف، وعن الغلاء، وعن هذا العالم الذي صار يُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما يكون، وكأنَّ النقود لم تعد وسيلةً للحياة، بل أصبحت هى الحياة نفسها، أُقلِّب وجوه الحياة وأتساءل كيف يجرؤ الإنسان أصلًا على الحلم بدون المال، فلا بيت يُبنى، ولا حلم يُزفُّ إلى الواقع، ولا زواج يكتمل، ولا أطفال يولدون إلى حياةٍ كريمة، بل حتى الطمأنينة نفسها باتت تُباع وتُشترى، كانت الدنيا في عينيَّ يومئذٍ سوقًا هائلةً، لا يُمنح فيها شيءٌ إلا بثمن.
ومضيتُ غارقًا بهذا القلب المُثقل في ذلك المستنقع من التفكير، حتى وقعت عيناي على طفلين يسيران على مهلٍ بمحاذاة الطريق، يحمل كلٌّ منهما حزمةً من البوص، لا أدري لماذا توقفت عيناي عند ذلك المشهد تحديدًا، البوص!، ذلك الشيء الذي لا قيمة له في ميزان الأسواق، لكن ما إن رأيته حتى ارتجَّ شيءٌ قديم في أعماقي، وفجأة، انفتح بابٌ كنت أظنه قد أُغلق إلى الأبد، باب الطفولة.
ابتسمتُ، وكانت ابتسامةً نادرة؛ ابتسامةٌ صغيرة خرجت من مكانٍ بعيدٍ جدًا داخلي، من ركنٍ ظننته مات منذ زمن، رأيت نفسي طفلًا صغيرًا فوق سطح البيت، أقطع البوص بعناية بأصابع مرتجفة من الحماس، وأربطه بالخيط عقدةً بعد عقدة، ثم أرفع تلك الطائرة البدائية الهشَّة نحو السماء، وأقف أراقبها كما يراقب البحَّار سفينته الأولى، لم تكن ترتفع كثيرًا، ولكن الفرحة كانت ترتفع أكثر في قلبي.
وفي لحظةٍ واحدة، انطفأت ضوضاء الأسعار، وسكتت أرقام المصاريف، وشعرت بحماسٍ مفاجئ، فكرةٌ مجنونةٌ هبطت على قلبي كعصفور، وُلِدت في داخلي رغبةٌ غريبة وقلت لنفسي:
- لماذا لا أعيش تلك اللحظة مرةً أخرى؟.
اقتربت من الطفلين وألقيت عليهما السلام وجلست القرفصاء حتى أكون في مستواهما أُحادثهما بلطف مبتسمًا:
- يا صغيرَيَّ، ما شأن هذا البوص الذي تحملانه؟.
نظر إليَّ أحدهما وقد أضاء التعب وجهه:
- أكثرُ من ثلاث ساعاتٍ ونحن نجمعه.
قلت مبتسمًا:
- ولأي غاية؟.
فأجاب الآخر، وقد لمعت عيناه:
- لنصنع طائرة.
حينها شعرتُ أن الزمن دار دورةً كاملةً وعاد بي إلى نقطة البداية، فحملتني رغبةٌ قديمة إلى أن أطلب البوص لنفسي، وعرضتُ على الطفلين أن يبيعاني إيَّاه, غير أنَّهما تبادلا نظرةً قصيرة، ثم جاء الرفض بسيطًا في هيئته، حاسمًا في معناه، فابتسمتُ وظننتها مساومة، فعرضت مبلغًا أكبر فرفضا، ثم أخرجت كل ما في جيبي، قرابة خمسمائة جنيه، ومددت يدي إليهما، لكن الطفلين لم ينظرا إلى المال، بل نظرا إلى البوص وهزَّا رأسيهما بحزم، وجاء الرفض مرةً أخرى هادئًا على نحوٍ أربكني، بينما كانا يضمان البوص إلى صدريهما كأنهما يحملان كنزًا لا يُقدَّر.
وقفتُ مشدوهًا وشعرتُ كأن أحدًا قد صدع يقيني القديم، والتفتُّ إليهما أبحث عن السبب الذي جعل حزمةً من البوص أثمن من كل ما كان في جيبي، فسكتا لحظةً ثم قال أحدُهما كلماتٍ لم تخرج من فمه، بل خرجت من مكانٍ أعمقَ من العمرِ نفسه:
- لأن المال لا يصنع طائرة.
سكت، ثم أضاف:
- أما هذا، فيصنعها.
وأشار إلى البوص، ثم حملاه ومضيا وتركاني واقفًا في مكاني أحدق إلى ظهريهما وهما يبتعدان، وفي صدري شيءٌ ينكسر وآخر يولد، تذكرتُ كل ما كنت أفكر فيه منذ دقائق، المال يشتري، المال يحقق، المال يمنح، لكنني أدركت متأخرًا أن هناك أشياء لا تدخل الأسواق أصلًا، أشياء لا تملك ثمنًا لأنها أكبر من فكرة الثمن.
عندها أدركت أن الله لم يُرسل إليَّ طفلين يحملان بوصًا، بل أرسل إليَّ رسولين ليقولا لي ما عجزت عنه الكتب والخطب، الأحلام لا تُشترى بل تُصنع، تمامًا كما تُصنع طائرة من خوص وخيط وقلب طفل.
.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي