مقالات ادبية واجتماعية وفنية
بشار ساجت لطيف/كاتب وشاعر عراقي
مازالَ الأديبُ طبيبًا دوّارًا بطبِّهِ، يقتحمُ نزقَ المعاناةِ، ويهاجمُ لؤمَ اليأسِ، يبحرُ في خبايا الألمِ، ثم ينقضُّ بلسماً للجراحِ. وما زالَ الأدبُ ترياقَ الحياةِ الخالدَ، خلطة دافتها يدٌ تبغضُ الألمَ وتعاديهِ. هيا بنا نسبحُ مع تياراتٍ صاغها أديبٌ من الطرازِ الأوحدِ، موسى الشطري، وياقوتتِهِ السوداءِ ثيماتُ الألمِ على عتبة الامل.
هكذا بدأ الشطريُّ روايتَهُ: (عبرَ الحقولِ المتراميةِ إلىمسافاتٍ قصيَّةٍ، يجنحُ الجوُّ إلى هدوءٍ أخَّاذٍ، لتتوسمَ بسحرِ تلكَ الطبيعةِ الخلابةِ. بعدَ أن جادتْ سماؤُها بزخاتٍ من المطرِ الكثيفِ لتظلَّ أرضُها طيلةَ يومٍ بليلتِهِ تستحمُّ دونَ هوادةٍ.)
لقد استعارَ الشطريُّ من الريشةِ قدرتَها على تجسيدِ الواقعِ، ومن الكاميرا احترافيتَها في التقاطِ أدقِّ التفاصيلِ.
أيعقلُ أنَّ للكلمةِ كلَّ هذا السحرِ؟ وكلَّ هذه القدرةِ؟ أم إنَّهُ خيالُ الشطريِّ الذي تطاوعُهُ الكلماتُ ليرغمَها أن تتشكلَ كيفما يشتهي، ليرسمَ بها لوحةً أو مشاهدَ حيَّةً. حقولٌ ومسافاتٌ قصيَّةٌ، طبيعةٌ خلابةٌ ثم هدوءٌ، بعدَهُ مطرٌ يغسلُ غبارَ اللؤمِ والأوجاعِ. إنَّها بداياتُ الشطريِّ، وسمةُ فنِّهِ السرديِّ، دخولٌ سلسٌ يشاغلُ القارئَ كي يتجرعَ ترياقَهُ المرَّ، ثم يلتفتُ إليهِ التفاتةَ الصقرِ، يؤشرُ مواطنَ الحرمانِ والظلمِ.
جاءتْ روايةُ الياقوتةِ السوداءِ، للروائيِّ موسى غافلِ الشطريِّ، حافلةً بالعديدِ من الثيماتِ التي تصورُ لنا الألمَ الإنسانيَّ ومدى الحرمانِ والمعاناةِ التي كان يعاني منها أهلُنا في تلكَ الحقبةِ الغابرةِ. مشاهدُ واقعيةٌ عرضها لنا الشطريُّ بلغةٍ أدبيةٍ يتنوعُ ويرتفعُ إيقاعُها وينخفضُ تماشياً مع الأحداثِ. ساقَ لنا الشطريُّ منجزَهُ هذا بلغةٍ مليئةٍ بالدراما إلى حدٍّ كبيرٍ، فكانتْ كلماتُهُ تأسرُ ذهنَ القارئِ وتجعلُهُ شخصينِ في آنٍ واحدٍ، شخصٌ يقرأ، وآخرُ ينظرُ إلى عرضٍ حيٍّ يمثلُ أمامَهُ. لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ الشخصَ ذاتَهُ قد جرَّدَهُ الشطريُّ من نفسِهِ، ليقحمَهُ بواقعٍ برعتْ كلماتُهُ على تصويرِهِ. رغمَ كثافةِ الثيماتِ في الروايةِ، وبراعةِ الكاتبِ في إعطائِها ذاتَ الأهميةِ إلاَّ أنَّنا يمكنُنا أن نقولَ إنَّ الثيمَ الرئيسَ للروايةِ هو العبوديةُ وقسوتُها.
ينقلُ الشطريُّ أذهانَنا لفترةٍ ليستْ بالبعيدةِ، ليضعَنا أمامَ الظلمِ، ومدى الحرمانِ الذي كانتْ تقاسيهِ هذه الشريحةُ من المجتمعِ، بشرٌ مثلُنا لا ذنبَ لهم إلا إنَّهم وُلدوا ببشرةٍ سمراءَ، تشبهُ أديمَ الأرضِ، أليسوا أقربَ منا لمادتِنا الأولى؟ لطينةِ تشكلِنا الأول؟ يسوقُ لنا الشطريُّ السؤالَ التاليَ على لسانِ سعدةَ، بطلةِ الروايةِ، ياقوتتِنا السوداءِ، وهي تسألُ زوجَها خلفًا: (خلفْ بروحْ أبوكْ طلوعْ بطنْ عمي الشيخْ مثلْ طلوعْ بطنَنا؟) ليسَ الظلمُ وحدَهُ من يجعلُ الإنسانَ ضعيفًا مستسلمًا، بل كذلكَ التضليلُ والتحقيرُ وجعلُ الإنسانِ ينظرُ لنفسِهِ على أنَّهُ أقلُّ في درجاتِ الخلقةِ والتكوينِ. فكانتْ سعدةُ تعتقدُ أنَّها وبني جنسِها نوعٌ مختلفٌ، ووظيفتُهُ الخدمةُ فقط.
ما زلنا نمتطي صهوةَ الكلمةِ، نلاحقُ المعنى، نصارعُهُ، نقطفُ ظاهرَهُ، وننتزعُ عميقَهُ. لنيممْ وجهَنا صوبَ ثيمةٍ أخرى في سلَّمِ المعاناةِ، وهي ثيمةُ الفقرِ؛ فالفقرُ من الثيماتِ العالميةِ التي عملَ عليها أغلبُ الكتَّابِ وتناولوها من مختلفِ الجوانبِ. وجاءتْ روايةُ الياقوتةِ السوداءِ مليئةً بصورِ الفقرِ والحرمانِ إلا أنَّ ما يدهشُ القارئَ فيها موضعانِ كان فيهما الشطريُّ في غايةِ البراعةِ، أكادُ أجزمُ أنَّ ما كتبه الشطريِّ هنا هو أبرعُ تصويرٍ لهذه الثيمةِ المعروفةِ. لنخترْ منها صورتينِ:
الصورةُ الأولى: كتبَ الشطريُّ: (في الربعةِ التي تطلُّ على فنائِها بيوتُ القريةِ، حيثُ تجثو أكواخُ الفلاحينَ أمامَ شموخِ قصرِ الشيخِ حربٍ ودارِهِ الكبيرةِ ومضيفِهِ الذي يبدو أشبهَ بمخلوقٍ خرافيٍّ عملاقٍ، بدتِ الأكواخُ كأنَّها في سجودٍ أزليٍّ أمامَهُ) تجثو في سجودٍ أزليٍّ وكأنَّ قصرَ الشيخِ حربٍ قد ابتلعَ أكواخَ الفلاحينَ؛ ليتحولَ إلى كائنٍ خرافيٍّ شرهٍ، يمزقُ عذريةَ الكرامةِ، ويمرغُ وجهَ الإنسانيةِ. فسجودُ الأكواخِ هو انحدارٌ في قيمِ المجتمعِ، وانسلاخٌ من روحِ الحريةِ، ووأدٌ لمعنى المساواةِ.
استخدمَ الشطريُّ مفردتينِ في هذا المقطعِ، أعتبرُهما وحدَهما ثيمةً أساسيةً وقيمةً عليا، هما: (تجثو، وسجودٌ) الموصوفُ بـ(أزليٍّ)، فهاتانِ المفردتانِ وحسبَ قانونِ (الاختيارِ والتوزيعِ) لا يمكنُ استبدالُهما أبدًا، وإن جازفنا بوضعِ غيرِهما، فسيفقدُ النصُّ عرامةَ تشكلِهِ.
الصورةُ الثانية: جاءَ في الروايةِ قولُهُ: (لينصرفَ الرجالُ الذينَ أبيحَ لهم قبلَ هذا أن تمتلئَ بطونُهم بالطبيخِ وقطعِ الشحمِ، وأن ينتشلوا اللحمةَ الجيدةَ ويلفَّها خاطفُها بقطعةِ قماشٍ ويخفيها في جيبِهِ من أجلِ زوجتِهِ كما فعلَ بعيو وذهبَ إلى زوجتِهِ بعدَ العشاءِ، ماضيًا عبرَ مسافةٍ نأى فيها عن الأضواءِ محاذيًا جنبَ النهرِ. وبسببِ إصابتِهِ بالعشوِ الليليِّ عثرَ بجرفِ النهرِ وانكفأ داخلَ مياهِهِ.)
فها هو الفقرُ قد ألقى بأشدِّ ما في رحلِهِ من قسوةٍ، ليدفعَ الناسَ للذلِّ والهوانِ من أجلِ الحصولِ على لقمةٍ لم يروا مثلَها حتى في أحلامِهِم، أو قد يدفعُهم إلى الموتِ كما حصلَ معَ بعيو. ومن الموضوعاتِ التي شخصها لنا الكاتبُ معاناةَ النسوةِ في اختيارِ الشريكِ، وهي ما زالت قائمةً اليومَ، ولكن بحدَّةٍ أقلَّ. تناولَ الشطريُّ هذا الموضوعَ على لسانِ لميعةَ: (الأمر مو بيدنا، الأمر بيد الأب والأخ، هم يختارون شكله، طبيعته، كبر بطنه...)
يجبرنا الشطريُّ أن نقفَ هنا، ونتأملَ معه حالَ المرأةِ وأحوالَها، هذا الكائنَ الهلاميَّ اللطيفَ، الذي جعلَ للحياةِ طعمًا وذوقًا؛ فهي نبعٌ من كلِّ شيءٍ جميلٍ، إن لم يكنِ الجمالُ قد استندَ عليها، وقامَ بها، فهي أيقونتُه.
كانتِ المرأةُ مسلوبةً مضطهدةً، لا يحقُّ لها أن تتكلمَ، والرجلُ هو مَن يقررُ لها. فهي لا تملكُ حقَّ القرارِ أو الاختيارِ إلا أن تختارَ البكاءَ؛ لتحرقَ نضارةَ وجنتيها.
يستمرُّ صراعُنا مع الكلماتِ، ونحن نطاردُ معانيَها الغضَّةَ الناضجةَ، ثم نرفعُ طرفَنا صوبَ السماءِ، نداعبُ نجومَ الليلِ، نسهرُ مع العشاقِ والكتابِ، نمشُ لبابِ قلوبِهم الطريةِ، ثم نشي لهم بسرٍّ، ربما أخفاه عنهم الشطريُّ؛ فالشطريُّ يعمدُ ليعبثَ بليلِهم، بأنيسِهم، بسلوتِهم، ويحولَه إلى كائنٍ عنيفٍ، خلافَ ما اعتادوا عليه من سكينةٍ وهدوءٍ. أو هو محطةٌ للولادةِ الشاقةِ والعسيرةِ، لنقرأَ كيف صورَ الشطريُّ الليلَ: (في منتصفِ ليلةٍ كانت قد عجَّت بالأتربةِ، والريحِ الشديدةِ التي حلت عليها في أواخرِ آذارَ ذي الطقسِ المتقلبِ (غياب الثريا) بدء الجو تزداد رياحُه صخبًا وعويلًا، ( كان الريحُ ) العاتيةُ عازمةً على أن تقتلعَ الكوخَ
سأتركُ الصورَ والثيماتِ قليلًا ولأحدثَكم عن مهارةٍ أخرى يصرُّ الشطريُّ إلا أن يرغمَنا أن نحييه عليها، وهي الإقحامُ الجميلُ والسلسُ للمفرداتِ الشعبيةِ، والأمثالِ، وكذلك الأغاني في روايتِه، ليصورَ لنا معانيَ شامخةً بالضربِ على عراقةِ الجذورِ التاريخيةِ للقارئِ، ليثبتَ لنا أنه امتدادٌ لتلك الحقبةِ وحفيدٌ لأولئكَ القومِ.
لم يغفلِ الشطريُّ أن ينبهَ على بعضِ الظواهرِ الاجتماعيةِ التي كانت سائدةً، والتي ربما ما يزالُ لها وجودٌ في أيامِنا هذه، ومن هذه الظواهرِ هو التعصبُ؛ إذ يروي لنا الشطريُّ كيف خضعَ بدرٌ لعقدةِ التعصبِ، وكيف تحولَ إلى كائنٍ أهوجَ فتاكٍ، عكسَ ما كان يحملُ من نبلٍ وسماحةٍ، متناسيًا مدى الطهرِ والترفعِ اللذين كان متأكدًا أنهما ميزةٌ لبدريةَ. لتتحولَ تلك اليدُ التي كانت تتلمسُ من بدريةَ الدفءَ والحنانَ، إلى تنينٍ شرهٍ ابتلعَ روحَها بلا ذنبٍ أو جنايةٍ.
إن الذائقةَ العربيةَ - في الغالبِ - تترفعُ عن الإيغالِ في توصيفِ المشاهدِ الجنسيةِ. وهي سمةٌ أدخلها المترفونُ من الأدباءِ حتى تتراءى لك واضحةً عند عمرَ بنِ أبي ربيعةَ، وكذلك في أدبِ الأندلسِ لتبلغَ أوجَها في مجالسِ الشاعرةِ ولادةَ ابنةِ الخليفةِ المستكفي باللهِ.
كما تعلمونَ أن الكثيرَ من الآباءِ اليومَ يخشونَ على أبنائِهم من مطالعةِ الرواياتِ، لما تحتويه من إفراطٍ في توصيفِ الجنسِ وخدشٍ فاضحٍ للحياءِ، إلا أن القصةَ مع الشطريِّ مختلفةٌ تمامًا، فهو يصرُّ على أن يكتبَ للفقراءِ الذين أحبهم وعاشَ بينهم وناضلَ من أجلِهم؛ فها هو يوصلُ لنا أشدَّ المشاهدِ بطريقةٍ مؤدبةٍ راقيةٍ، طريقةً تجعلك ممتنًّا لما يحملُ هذا الإنسانُ من خلقٍ، ومن غيرةٍ على ذائقةِ قرائِه. يقولُ: (ودلف يجرها الى مكان منزو يتعذر على احد ان يطأه. اطلت سعدة من هناك منهكة الجسد، تجرجر قدميها. واصلت واجبها بفتور)
إن الوقتَ لا يقاومُ كثيرًا، ما يجبرُنا أن نخضعَ له مسلِّمينَ. فنحن أمامَ منجزٍ أدبيٍّ متكاملٍ، لكنني أحبُّ أن أشاكسَ الوقتَ قليلًا، أرجو أن تتسعَ صدورُكم لأختمَ قراءتي مع بعضِ شخصياتِ الشطريِّ وكيف برعَ في اختيارِ الأسماءِ.
فدعةُ: وكأنه قد استعارَ الاسمَ من نباتِ الفدعِ البريِّ، فهو أخضرُ قاتمٌ بقلبٍ أحمرَ يشبهُ قلبَ فدعةَ المدمى حسرةً وأسىً.
حربٌ: الصلابةُ والقسوةُ.
بريسمُ: فقد كان سمحًا متواضعًا كخيطِ البريسمِ ناعمِ الملمسِ.
بدريةُ: تشبيهٌ واضحٌ بالقمرِ.
فقط عندك كان الريح الاصح ان تقول كانت الريح لانها مؤنثة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي