loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

إشكالية الشكل والمضمون في قصة (زيف) للقاص عبدالله الميالي

breakLine
2024-10-12

 

حيدر الأديب/ناقد عراقي

 

الشكل هنا يركز على الأنساق المودعة في كل ناقل والتي ظهرت بشكول صور بصرية 
المضمون هنا هو المحتملات التي يسلكها الناقل بين مراتب التدليل وفق اختلاف السياق وثقافة المتلقي والقرينة وبين حقول المغزى التي تحيل إلى مصاديق واقعية.
إن الشكل هنا يفسر تشخيص الزمن بمغزى حركة الناقل في المعنى ويقوم بتخليق ذاكرة للتنبهات المتلقي يخزنها تحت سلطة السياق والعنوان.
إن المقصود بإيقاظ الحواس هو تحريرها من أيديولوجيا المعاني إلى تفعيلها كأحداث تكشف عن سياسة النص في قيمة التواصل داخل الانزياح بالواقعة من سلطة الأخبار إلى سلطة البناء 
إن النواقل لا تسمي بل تتدخل في صيغ تشكيل العالم والمغزى.
في النصوص الأدبية، لا يمكن النظر إلى الشكل والمضمون كعناصر منفصلة أو جامدة، بل هما كيانان متداخلان ومتفاعلان بشكل دائم. الشكل ليس مجرد بنية سطحية للنص أو وسيلة لنقل الأفكار، بل هو الإطار الذي تتجلى فيه صيغ النواقل. هذه الصيغ هي القنوات التي يتم عبرها تقديم المعاني، وتتشكّل من خلال الصور، الأنساق، والحركة النصية. الشكل هو حركة النواقل وصيرورتها؛ أي كيفية تقديم هذه النواقل عبر الزمن داخل النص، ما يشير إلى كيفية تفسير الزمن في سياق النص الأدبي.
على الجانب الآخر، المضمون هو حركة النواقل داخل سيرورات التدليل وحقول المغزى. سيرورات التدليل هي عملية تأويل للعلاقات التي تنشأ بين النواقل في النص وتفاعلها مع السياق الثقافي والنفسي للمتلقي. أما حقول المغزى فهي الأبعاد الواقعية أو الرمزية التي ترتبط بها هذه النواقل، حيث يتشكل المعنى بناءً على هذه الارتباطات. المضمون هنا ليس ثابتًا، بل ديناميكي ومتغير وفقًا لتعدد التأويلات والسياقات.
بعبارة أخرى، الشكل هو انشغال النص بسيرورته، فهو العملية الحركية التي تؤسّس لعلاقة النص مع الزمن، وتنبه حواس المتلقي. أما المضمون فهو المسار الذي تسلكه النواقل عبر المعنى لتكشف عن احتمالات تأويلية وتفتح المجال لقراءات متعددة، حيث تكون المعاني موجهة ومتحولة وفق سياق القارئ وتفاعله مع النص.
قصة زيف للقاص عبد الله الميالي: (الخوذةُ المثقوبةُ بالرصاصِ التي حوّلها الأبُ إلى مزهرية، تربّعتْ على طاولةٍ وسطَ الحديقةِ.. يسترقُ السمع مزهواً لحديث أولادِه عن شجاعة أبيهم في الحربِ. عادتْ ذاكرته لمشهدين: 
جنديٌّ يسرقُ خوذةَ رفيقِه الشهيدِ.
القائدُ يمنحُهُ وسامَ الصمودِ.)
الشكل: صيغ النواقل وحركتها عبر الزمن.
في قصة (زيف)، تظهر النواقل من خلال الصور البصرية القوية التي تشكل السرد، مثل "الخوذة المثقوبة بالرصاص" و "المزهرية" التي حوّلها الأب إلى رمز منزلي. هذه النواقل تعمل كبوابة للدخول إلى عالم يتقاطع فيه الحاضر مع الماضي، بحيث يصبح الشكل مرآة للتوترات الداخلية والخارجية التي يعاني منها الأب. على سبيل المثال، الخوذة المثقوبة، التي كانت أداة للعنف والموت، تتحول إلى مزهرية، وهو فعل يُظهر كيف أن الشكل قد ينطوي على تحويل الواقع بطريقة تجعل من الأشياء تمثيلات زائفة. هنا، الشكل ليس مجرد إطار خارجي للأحداث، بل هو العملية الحركية التي تؤطر كيف تتفاعل الأشياء مع الزمن وتتحول عبر سيرورات التدليل.
المضمون: حركة النواقل في سيرورات التدليل وحقول المغزى. المضمون من جهة أخرى ليس محتوى ثابتًا، بل هو حركة النواقل عبر مجموعة من المعاني والتأويلات. في (زيف) المضمون يتجسد في التناقض بين ما يُعرض على السطح (مزهرية ووسام الشجاعة) وبين ما يختبئ في العمق (سرقة الخوذة). القصة تطرح مسارين متضادين: المسار الظاهري الذي يستمع فيه الأب إلى أبنائه وهم يمتدحون شجاعته، والمسار الداخلي حيث تترسخ في ذاكرته صورتا سرقة الخوذة وتكريم القائد له بوسام الشجاعة.
هذا التداخل بين المسارين يعكس سيرورة التدليل التي تحدث داخل القصة. فالنواقل تتحرك بين مراتب التدليل وفقًا للسياق والتأويل، حيث يمكن للقارئ أن يفسر أفعال الأب وشخصيته بطريقة مزدوجة: إما كبطل أو كمتورط في خيانة الواقع. هذه السيرورة تفتح المجال لتعدد التأويلات وتجاوز القراءة السطحية.
الشكل كعملية تنبيه وإيقاظ للحواس. وظيفة الشكل لا تقتصر على عرض المعاني، بل تتعدى ذلك إلى تفسير الزمن من خلال النواقل. في هذه القصة، يتمثل الزمن في تداخل الماضي مع الحاضر، بحيث يصبح شكل النص ذاته أداة لإعادة تفسير الأحداث. تحويل الخوذة إلى مزهرية هو شكل من أشكال إعادة تأطير الزمن؛ محاولة لجعل الماضي شيئًا جميلًا يمكن عرضه أمام الأبناء بدلًا من مواجهته كحقيقة مؤلمة. إضافة إلى ذلك الشكل في (زيف) يؤدي وظيفة إيقاظ الحواس وتنبيه المتلقي إلى الانزياح الذي يحدث بين المعنى السطحي والمعنى العميق. الخوذة، التي كانت تمثل الموت، تتحول إلى شيء جمالي، لكنها لا تفقد ارتباطها بالذاكرة المؤلمة للحرب والخيانة. الشكل هنا هو تذكير دائم بأن الحواس يجب أن تُحرر من القيود التقليدية لتكون قادرة على رؤية ما وراء المظاهر، وأن النص يعمل على تفعيل هذه الحواس كجزء من بنية الفهم العميق.
الزمن والمغزى: التداخل بين الواقع والرمز. النواقل في النص لا تسمح فقط بتمثيل الأشياء، بل تتدخل في تشكيل العالم والمغزى. الزمن في هذه القصة يتداخل بين ما هو واقعي وما هو رمزي، بحيث يتحول الماضي إلى ذكرى مؤلمة تُستحضر من خلال رموز الحاضر، مثل وسام الشجاعة. المغزى هنا يكمن في فضح الزيف الذي يتحرك بين الصور الظاهرة والتجارب المخفية.
المشهدان المتعارضان في ذاكرة الأب - سرقة الخوذة وتكريمه - يعكسان بوضوح ازدواجية الزمن وارتباطه بالمغزى. المشهد الأول يمثل الحقيقة الواقعية والقبيحة للحرب، بينما المشهد الثاني يمثل الزيف المؤسسي الذي يكرّم الأفعال الملتبسة. النص يكشف عن كيفية تحرير المعنى من الزيف المجتمعي، ويضع المتلقي أمام واجب القراءة النقدية لاكتشاف التناقضات.
تحرير الحواس والمعاني من قيود الأيديولوجيا.
القصة (زيف) تقوم أيضًا بتفكيك الأيديولوجيا المتوارية خلف مفهوم البطولة والشرف في الحرب. الأب هنا ليس بطلًا بقدر ما هو رمز للإنسان الذي تم تكريمه على أساس زائف. الحواس، من خلال الشكل والمضمون، لا تتفاعل مع النص بوصفه سردًا للأحداث فقط، بل تستجيب لتحليل الكيفية التي يتم بها بناء المعاني وتشكيلها ضمن سياقات اجتماعية وثقافية. النص يدعو المتلقي لتحرير حواسه وتفكيره من الأيديولوجيات المفروضة عليه، سواء من السلطة أو من المجتمع، ويعيد تشكيل العلاقة بين الذات والواقع عبر النواقل التي تتلاعب بين ما يُقال وما يُخفى.
النواقل كنظام تواصل معقد.
من خلال هذا التحليل، يتضح أن الشكل في القصة القصيرة جداً (زيف) ليس مجرد وسيلة لعرض الأحداث، بل هو آلية لإعادة صياغة الزمن والمغزى، وأن المضمون يتشكل عبر حركة النواقل بين سيرورات التدليل وحقول المغزى. هذه القصة تضع القارئ أمام تحدي القراءة الناقدة، حيث يكشف النص عن تداخلات معقدة بين الواقع والرمز، بين الحقيقة والزيف. النواقل هنا لا تُستخدم لتسمية الأشياء، بل لتشكيل عالم كامل من المعاني والإشارات، حيث يصبح الزمن والذاكرة جزءاً لا يتجزأ من بنية النص.
بهذا الأسلوب، تحاول قصة (زيف) أن تحفز القارئ على التفكير النقدي تجاه الأحداث والشخصيات، وأن تعيد تشكيل العلاقة بين الشكل والمضمون بطريقة تتجاوز القراءة السطحية إلى تأمل فلسفي أعمق.
 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي