مقالات ادبية واجتماعية وفنية
محمد خضير
كاتب | أردني
يتراكض العالم لخلق "ذكاء اصطناعي"، يحشدون من أجله مليارات البيانات والمعادلات الرياضية، ويتباهى المخترعون حين تنجح هذه الخوارزميات في محاكاة طريقة تفكير شاعرٍ، أو أسلوب فيلسوفٍ، أو بديهة طفلٍ صغير... يصرخون بابتهاج: "لقد أوشكت الآلة أن تفكر كالإنسان!"؛ تطلّ الكوميديا المطلقة من هذه الصرخة؛ إذ إنّ الإنسان الأصليّ يجلس في الزاوية، ملحدًا عن التفكير، ممتنعًا عن ممارسة ميزته الفطرية، بينما يستميت ليرى تلك الميزة تتشكل في شرائح السيليكون!
فمنذ أن أطلق إنسان الكهف صرخته الأولى في وجه الحياة، وهو يمارس لعبة فريدة: أن يهرب من نفسه، ثم يتكلّف المشاقّ ليفتش عنها في الآخرين!
إنها عتبة سريالية غريبة، تشهد على طاقة هائلة يهدرها العقل البشريّ في الالتفاف حول الذات؛ ينكفئ العلماء في المختبرات، وتتسابق الشركات الكبرى، وتستنزف الطاقات الحسابية الهائلة والأدوات المعقدة، كل ذلك من أجل غاية واحدة: إعادة اختراع ما هو قائم بالفعل!
ولا يتوقف الذهول عند معالجات النصوص وأنظمة التحليل؛ إذ ينطلق الشغف التكنولوجي نحو مملكة الكائنات المجاورة... تُسخَّر الخوارزميات المتقدمة وبرمجيات المحاكاة البصرية لإجبار الكائنات على ارتداء حلّة البشر! وإذا نظرنا إلى برامج الرسوم المتحركة نرى شاشات العرض طافحةً بصور أسدٍ يرتدي بذلة رسمية ويتحدث بلغة أنيقة، أو قطةٍ تمسك هاتفًا ذكيًا وتلقي خطبةً عصماء، أو دبٍ يمارس طقوس الموظفين في المكاتب! تبدو المأساة مضاعفة: إخضاع الطبيعة لتصويرها في قالب بشرِيٍّ مكلف، وتجريد الحيوان من تلقائيته الجذابة ليكون نسخةً مشوهة عنا.
يبدو التناقض ككابوسٍ ساخر... أليس العقل البشري مشاعًا وموجودًا في كل زاوية؟ أليست الطبيعة مليئةً بالحيوانات التي تمتلك سحرها الخاص في كونها كائنات حيّة تلقائية؟
إذا كان الكائن البشري موجودًا بكامل عدّته وعتاده العاطفي والعقلي، فلماذا هذا العناء لإنتاج نسخة آليّة منه؟ وإذا كانت الكائنات الأخرى تتألق في فطرتها التي أودعها الله فيها، فما الحاجة لإلباسها ثيابنا وتلقينها لغاتنا؟
لو وُجِّه جزءٌ يستحق الذكر من هذا المجهود الهائل نحو ترقية الروح البشرية ذاتها، والعناية بالإنسان الحقيقيّ في فكره وأدبه وحضارته، واستيعاب الطبيعة كما هي، لوفرت البشرية على نفسها خوض هذه الدائرة المفرغة! كان يجدر بالعقل أن يترك الكائن البشري يكتشف أصالته، ويترك الحيوان ينعم بملكوته، بدلًا من إقامة سيركٍ تكنولوجي أبطاله آلات تحاكي عقولنا، وحيوانات ترتدي أقنعتنا!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي