مقالات ادبية واجتماعية وفنية
زينب طارق /كاتبة عراقية
ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، كما أن المسؤولية ليست قيدًا يُلقى على رقبته كلما اختار. الحرية أعمق من حركةٍ بلا حدود؛ إنها قدرة المرء على أن يرى البدائل، ويمتحن دوافعه، ثم يختار ما يستطيع أن يقف أمام ضميره ويقول: هذا اختياري.
فالإنسان لا يعيش في فراغ. كل كلمة ينطق بها تمسّ قلبًا، وكل قرار يتخذه يفتح طريقًا أو يغلقه، وقد تمتد آثاره إلى أشخاص لم يروه قط. لذلك لا يكون السؤال: هل أنا حر في أن أفعل؟ فحسب، بل: أي عالمٍ يصنعه فعلي للآخرين؟ هنا تبدأ المسؤولية، لا بوصفها نقيضًا للحرية، بل بوصفها وعيًا بمدى أثرها.
قد تبدو المسؤولية ثقيلة لأنها تذكّرنا بأن الاختيار لا ينتهي عند لحظة اتخاذه. غير أن التهرب منها لا يمنحنا حرية حقيقية؛ إنه يسلم قراراتنا للخوف أو العادة أو ضغط الجماعة. ومن يترك الآخرين يختارون عنه قد ينجو من لومٍ عابر، لكنه يخسر شيئًا من صوته الداخلي. أما تحمل تبعة القرار، حتى حين يكون صعبًا، فيمنح الاختيار معنى ويصون كرامة صاحبه.
وليست المسؤولية أن نحمل العالم كله على أكتافنا، أو أن نلوم أنفسنا على كل ما لا نملك تغييره. إنها أن نميز بين ما يقع في قدرتنا وما يتجاوزها، ثم نؤدي ما نستطيع دون ادعاء البطولة. قد تكون حريتنا في لحظةٍ أن نردّ الإساءة، لكن مسؤوليتنا أن نسأل إن كان الرد سيطفئ الأذى أم يضاعفه. وقد يكون في وسعنا الصمت، لكن ضميرنا يدعونا إلى الكلام حين يصبح الصمت مشاركةً في الظلم.
وليست الحرية شأنًا فرديًا خالصًا؛ فاختياراتنا تتشكل داخل مجتمع، وتحتاج أحيانًا إلى شروط عادلة كي تصبح ممكنة حقًا. من لا يُسمع صوته، أو يُحرم فرصة التعلم والعمل، قد يُقال له إنه حر، بينما تضيق أمامه طرق الاختيار. لذلك تقتضي المسؤولية ألا نكتفي بحماية حريتنا الخاصة، بل أن ننتبه إلى المساحات التي يحتاجها الآخرون ليختاروا بكرامة. فالحرية ليست امتيازًا يحتكره الأقوى، بل حقًا تتسع قيمته كلما صُنّ في الجميع. ولا تعني مراعاة الآخرين أن نذوب في رغباتهم، بل أن نبحث عن توازن يحفظ اختلافنا ويمنع القوة من التحول إلى إذلال. عند هذا الحد يغدو الحوار ممارسةً للحرية: نصغي كي نفهم، ونختلف دون أن ننزع عن المختلف إنسانيته، ونراجع قناعاتنا دون أن نعدّ المراجعة هزيمة.
ولعلّ أصدق امتحان للحرية ألا نختار الأسهل دائمًا؛ فبعض الخيارات تكلفنا مكسبًا سريعًا، لكنها تحفظ كرامة إنسان أو تمنع أذى طويلًا. حين نرفض استغلال ضعف غيرنا، أو نفي بوعد معقود، لا نسلب أنفسنا متعة، بل نتحرر من أن تصير رغباتنا سيدًا مستبدًا علينا.
والاختيار المسؤول لا يعني أن نكون معصومين. فالحرية البشرية تتضمن احتمال الخطأ، والمسؤولية تظهر أيضًا في الاعتراف به، وفي إصلا.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي