مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسين الذكر |كاتب وصحفي عراقي
ذهبت كعادتي اليومية أتبضع بعض الحاجيات البسيطة لمواطن شعبي مثل (البصل والفجل والخبز والتمر)، فوجدت السوق مشتعل النقاشات المرتعدة من أفواه الجميع، كل يناقش الكل، لا فرق بين وزير وخفير.. أمير أو خمير.. مواطن صالح أو رأي طالح.. فاستعلمت الأمر، فقالوا: (إن الدولار على صفيح ساخن..)
بصراحة لم ألتفت إليهم، لأن عندي: رز وخبز وبصل وسكر يكفيني أسبوع، بعد ذاك حتماً – كما في التجربة – ستهدأ الزوبعة وتنتهي الجدالات أدراجها، وتنشغل الناس بهم وترند آخر.. وتبدأ المباريات.. وننتشي حد اللامبالاة أو بأسوء الحالات نموت كمداً، كما مات أسلافنا بكأس المعاناة..
وقد قيل من قبل: (من لم يمت بالسيف مات بغيره)،
و(من فاته اليوم سهم لم يفته غداً)..
وإنا لله وإنا إليه راجعون..
قرأت عبر كتب التاريخ أنه قد اغتيل فرديناند، ولي عهد إمبراطورية النمسا، على يد طالب صربي عام 1914، ومع أن الحدث وقع في قلب أوروبا، لكن تأثيره بدأ سريعاً واضحاً في العراق، إذ ارتفعت الأسعار بشكل فاحش.. فيما سيق الرجال لمحارق الحرب العالمية الأولى التي اندلعت إثر تلك المحاولة، فنسي الشعب الأسعار وانشغلوا بقبض الأرواح.
ثم اجتاحت دبابات هتلر النازي جدار الدفاعات البولندية عام 1939 بقلب أوروبا، لكن الأسعار ارتفعت في العراق حد الاختناق.. ثم انشغل الشعب بثورات وقتال جانبي وأغاني المقام والجالغي، متناسين تحت وقع أمسيات ملا عبود الكرخي رحمه الله (ذبيت روحي على الجرش).
ثم بدأت سلسلة حروب شرق أوسطية مميتة أكلت الأخضر ولم تبقِ غير اليابس بأعوام 67 و71 و80 و90، وبرغم تطاير الأسعار وانحدار الدولار، إلا أن الناس كانت مشغولة بالمسرحيات، يضحكون حد (الأذقان) على شاهد مشفش حاجة والزعم ومدرسة المشاغبين، ومسلطنين حد الثمل على ألحان فات الميعاد وانساك وحسيبك للزمن.. ومن يربح المليون والبكبك الأصفر.
ثم ضربت نيويورك في 11 أيلول 2001 بقلب أمريكا، كأبعد نقطة في العالم عن الشرق الأوسط، لكن أسعار المواد اشتعلت في العراق مباشرة، مع أن الشعب لم يعرف معنى الأسعار آنذاك، لأنه كان تحت الحصار ومحروم من أي نتاجات الحضارة، يعيش الكفاف بعنوان (الحصة).
في 2019 انطلق فايروس كورورونا من الصين، لكن الأسعار ارتفعت في العراق، فيما تناستها الناس تحت تأثير دفن موتاها الذين كانوا أكثر ضحايا الجائحة في العالم مقارنة مع نسب السكان.
في 2021 اندلعت الحرب الأوكرانية الروسية في المنطقة الجليدية القطبية البعيدة جداً عن الخليج، لكن الأسعار ارتفعت مجدداً في العراق بفحش غير مسبوق!
ثم شنت حروب شرق أوسط جديدة بأسماء أحدث، وتصاعدت الأسعار التي نستها الناس تحت وقع مسي وكرستيان وأخيراً يامال..
ثم صحى الناس على إلقاء القبض على ما يسمى بسراق الترليونات، التي ظن الشعب أنهم سيوزعونها عليه، لكن موجة تصاعد الأسعار ظلت بوتيرة مجنونة لا يقهرها أحد.
وأخيراً اندلعت حرب السفن والباخرات في مضيق هرمز وباب المندب، وتصاعدت الأسعار، فيما نحن مشغولون بالتك توك والدلفري وبابا كركر وصفحات الفيس والبرامج غير المبرمجة تجسدياً لمقولة العصف الشديد لثقافة التفاهة..
ما زلنا نتطلع.. بالأفق نلوك ليالينا الطويلة الموجعة.. نتطلع لأكلة نظيفة وسلعة رخيصة ورغيف صحي وفاكهة طازجة ومادة تلفزيونية بريئة.. وشارع هادئ ونومة بلا ضجيج وبيت ملك بسيط.. نتحسر على أيام كنا نقول فيها: (الحمد لله على كل حال)!..
وتناقشنا في الأسواق والكازينوهات والملاعب والجوامع والشوارع والساحات.. كل له وجهة نظر يضرب بها وجه الفقير حد الألم.. وتسابقوا الشعب في سوق الجدالات.. وتراشقوا بالديالكتيك من ليل الفقراء الطويل.. حتى يصيح الديك.. لكنهم نسوا أن الأسعار تتأثر بالدولار، بل تقاد رقابهم بحبال التجار ورؤوس الأموال والاستثمار..
رحم الله شهداء الفلسفة (سقراط وفولتير وشريعتي) الذين قالوا للناس: إياكم إياكم أن يسحقكم قطار الاستحمار!
وخرجت الناس كعادتها الجينية منذ آلاف السنين يهتفون يرقصون ويهزجون حد الثمل: (عاش يعيش.. الموت للبغشيش).
فيما الحكمة القديمة تقول: (من لا يرى في الغربال أعمى)!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي