loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الدين بين الأخلاق والازدواجية

breakLine
2026-08-24

علاء العلاف 
كاتب وباحث | عراقي

 

مشكلتنا ليست مشكلة عابرة، بل هي مشكلة كبيرة ومعقّدة وتختلف في كثير من جوانبها عن المشكلات التي تعاني منها شعوب أخرى، ومن أكثر ما يؤلم في واقعنا أن هناك من يتستّر بالدين، لا دفاعًا عن الدين ولا خدمةً له، وإنما لتحقيق مصالح شخصية، وتبرير الفساد والسرقات والممارسات غير المشروعة من خلال شعارات براقة تحمل عناوين دينية، الدين في جوهره علاقة شخصية بين الإنسان وربه، لكنه في الوقت نفسه منظومة من القيم والأخلاق التي تنعكس على تعامل الإنسان مع الآخرين ولذلك فإن المشكلة ليست في الدين، وإنما في الازدواجية المقيتة بين ما يقوله بعض الناس وما يفعلونه؛ يرفعون الشعارات الدينية ويتحدثون عن الفضيلة والتقوى، بينما تكون ممارساتهم في الواقع بعيدة كل البعد عن العدل والأمانة وصون حقوق الناس،  إن الدين الذي نعرفه، والذي يفترض أن يكون سلوكًا وأخلاقًا ورحمةً وعدلًا لا يمكن أن يكون غطاءً للتجاوز على حقوق الشعوب، ولا مبررًا لإهدار المال العام أو التصرف فيه بصورة غير عادلة أو مسؤولة فكيف يمكن لإنسان أن يتحدث عن الدين، ثم يتعامل مع حقوق الناس كأنها غنيمة أو ملك شخصي؟ نعيش اليومَ في بلدٍ تتعدد فيه التناقضات والمناكفات والمفارقات، ومع احترامي لكل إنسان يعرف أصول الدين ويفهم مقاصده الحقيقية، فإن الدين لا يحتاج إلى كثرة الشعارات بقدر ما يحتاج إلى إنسان يترجم قيمه إلى سلوك، فالتعامل الحضاري مع الآخر، واحترام كرامته وحقوقه والابتعاد عن الظلم والتطرف والإساءة، كلها من صميم الأخلاق التي يفترض أن يدعو إليها الدين،  لقد أُتْخِمنا بالشعارات التي لا تجد لها مكانًا في سلوك أصحابها، فالإنسان السوي لا يحتاج إلى كثرة الحلف لإثبات صدقه، ولا إلى استعراض تدينه لإقناع الآخرين بأخلاقه؛ أخلاقه هي صورته الحقيقية، وسلوكه هو الشاهد عليه، وطريقة تعامله مع الناس هي أكثر ما يكشف حقيقة ما يؤمن به، وهناك من يعيشون على هذه الأرض، ولو كان للأرض لسان لتحدثت عن حجم ما تعرضت له من ظلم وإساءة، والمشكلة أن بعض هؤلاء يتعاملون مع الدين كأنه مجرد مظهر أو زينة، كمن يحمل السبحة ويتحرك بها طلبًا للتسلية، لا طلبًا للموعظة أو مراجعة النفس، ثم تُستخدم هذه المظاهر الدينية أحيانًا لتمرير ممارسات تمس المال العام وحقوق الناس، كأن الشعارات قادرة على منح الشرعية لما لا يستند إلى عقل ناضج أو ضمير حي، وما يثير الاستغراب حقًا أن هناك أشخاصًا يعيشون على أوجاع الناس ومعاناتهم، ثم يتحدثون باسم الدين، أو يوهمون الناس بأنهم يمثلون الله على الأرض، وهذه من أخطر الكوارث؛ فلا أحد يملك أن يحتكر الحديث باسم الله، ولا يجوز أن يتحول الدين إلى وسيلة للسيطرة على الناس أو تبرير ظلمهم أو سلب حقوقهم يجب أن يكون الدين مصدرًا للرحمة والعدل والكرامة الإنسانية، لا أداةً للهيمنة والإقصاء، والله حرّم الظلم والاعتداء وإهانة الإنسان وسلب حقوقه، ولذلك فإن احترام الدين الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان وصون كرامته والعدل معه وعدم الاعتداء على حقه في الحياة والعيش الكريم، فالدين الذي يتحول إلى مجرد شعارات بينما تُنتهك باسم تلك الشعارات حقوق الناس، يفقد معناه الأخلاقي في الممارسة، مهما كثرت المظاهر الدينية وتعددت الكلمات والخطب، وكثيرًا ما تحدثنا عن اختلافنا عن دول العالم المتحضر في المفاهيم الاجتماعية والثقافية، لكن علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: أين تكمن المشكلة؟ هل المشكلة في الدين أم في فهمنا له؟ وهل المشكلة في النصوص أم في الإنسان الذي ينتقي منها ما يخدم مصلحته، ثم يترك جوهرها الأخلاقي والإنساني؟ ولعل الحديث عن "عصر الجاهلية" يحتاج أيضًا إلى شيء من الدقة. فالجاهلية ليست بالضرورة مرادفًا للجهل المطلق أو انعدام الحضارة والثقافة، فالقصيدة الجاهلية، مثلًا، كانت انعكاسًا لبيئة ثقافية امتلكت لغةً رفيعة وخيالًا واسعًا وإحساسًا جماليًا وبيانيًا بالغ القوة، ولذلك فإن وصفها بالجاهلية لا يعني أنها كانت خالية من الرقي اللغوي أو الفكري في بعض جوانبه، وإنما يرتبط المصطلح أساسًا بمرحلة تاريخية ومرجعية دينية واجتماعية سبقت الإسلام،  ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في أن نعيش في زمن مختلف، ولا في أن نمتلك مظاهر دينية أو ثقافية وإنما المشكلة حين تصبح المظاهر بديلًا عن الجوهر والشعارات بديلًا عن الأخلاق والتدين وسيلةً لتبرير ما يناقض القيم التي يفترض أن يقوم عليها الدين، فالإنسان لا يُقاس بما يحمله في يده من سبحة ولا بما يردده لسانه من شعارات، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين، والعدل أخلاق والأمانة أخلاق واحترام الإنسان أخلاق، ومن لا يملك هذه القيم في تعامله مع الناس فلن تنفعه كثرة الشعارات مهما ارتفعت.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي