loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

السيطرة الذكورية

breakLine
2026-09-07

علي جواد كاظم
كاتب | عراقي

 

حاول العديد من المثقفين فهم مرحلة حزب البعث في العراق من خلال تفكيك الأيديولوجية، أو البحث عن الجذور القومية في الأساس البعثي، أو الكشف عن بنية الخوف والقسوة التي ترسخت في المؤسسات خلال تلك الحقبة، كما فعل كنعان مكية في كتابه جمهورية الخوف.
وهدفي في هذا المقال يتلاقى مع أطروحة جمهورية الخوف من الناحية النفسية والجسدية، لكنه يتقاطع معها في زاوية مهمة؛ فالكتاب يدرس بنية الخوف بوصفها واقعاً قائماً، من دون أن يبحث في الأسباب التي أنتجت هؤلاء الرجال الذين كانوا مصدر ذلك الخوف والعنف.
فقد تفحصت عدداً من الكتب، وتابعت لقاءات عدة مع رجال في حزب البعث، والانطباع الذي خرجت به من تلك التجربة هو أن هؤلاء الرجال، وفي مقدمتهم صدام حسين وحاشيته، كانوا مشبعين بالعنف، ويحملون تصوراً متخيلاً عن الرجولة والبطولة، وينظرون إلى العراق بوصفه مهدداً بالخنوثة والانحلال والتفكك، وأن هذه الأخطار لا تُواجَه إلا بالصلابة العسكرية والقسوة الذكورية. قال صدام حسين عام 1980 أو 1981: «إذا سقط العراق، عندئذ ستسقط الأمة العربية كلها». وتكشف هذه العبارة، وغيرها من الخطابات السياسية والأدبية، عن الصورة التي كانوا ينظرون من خلالها إلى العراق.
لذلك عمدوا إلى قتل كل صوت مختلف عنهم، سواء أكان امرأة أم رجلاً ثورياً؛ فهذه الذكورية المتخيلة لم تكن تعادي المرأة فحسب، بل كانت تعادي الرجل المختلف عنهم فكرياً أو جسدياً، سواء في قصة الشعر، أو الشارب، أو نبرة الصوت، أو الهيئة العامة.
وفي تصوري، لم يكن هذا العداء والحقد والدونية الأخلاقية مجرد استجابة لواجب سياسي، بل يكشف أيضاً عن رغبة داخلية في ممارسة العنف، وعن قدر من التلذذ بإذلال الآخر.
فهؤلاء الرجال يختلفون عن رجال هتلر، كما يختلفون عن نمط شخصية أيخمان، الضابط النازي الذي رأت فيه الفيلسوفة السياسية حنة أرندت تجسيداً لـ«تفاهة الشر»، ورأت أن الشر الجوهري يتمثل في شخصية هتلر. ويعود هذا الاختلاف إلى عوامل عدة، في مقدمتها السياق التاريخي، والمناخ الثقافي، والأيديولوجية السياسية، فضلاً عن البنية النفسية والجسدية التي طبعت شخصيات عدد من رجال حزب البعث، مثل صدام حسين، وعلي حسن المجيد، وناظم كزار، وحسين كامل، وعزة إبراهيم الدوري، وعدي صدام حسين، وقصي صدام حسين، وطه ياسين رمضان، وطارق عزيز، وغيرهم.
فكثير من البيروقراطيين في مؤسسات دولة البعث، إلى جانب كبار قادة الحزب، لم يكونوا مجرد أشرار تافهين، بل أشراراً خطرين تعمدوا القسوة والتعذيب من دون أن يشكوا في قراراتهم أو يتحملوا مسؤولية أفعالهم؛ كانوا يمارسون ذلك عن وعي، ويسعون إلى فرض سيطرتهم بالقوة.
وليس الأمر هنا مجرد رغبة فردية في العنف؛ فمن خلال جيل دولوز وفيليكس غواتاري بتنا نعلم أن الرغبة، التي كان فرويد يراها مجرد حالة نفسية فردية، يمكن أن تتحول إلى حالة عامة يُعاد إنتاجها باستمرار عبر المجتمع، والمؤسسات، ورأس المال.
وهذه الرغبة المفرطة في الهيمنة الذكورية لا تدل على القوة والثبات، بقدر ما تكشف عن الخوف من الآخر المختلف؛ لذلك يرتدون أقنعة الرجولة والصلابة في مواجهة رجال ينظرون إليهم بوصفهم تهديداً للعراق عبر الانحلال والأنوثة، لا بمعناها البيولوجي، بل بمعناها الرمزي والاجتماعي.
وخلاصة القول إن دراسة هذه الشخصيات، ومحاولة فهم البنية النفسية والجسدية التي شكلت وعيها، أمر بالغ الأهمية للمستقبل؛ حتى ندرك أن السلوكيات التي ترفض الضعف الإنساني الطبيعي، وترفض النظر إلى الواقع من زوايا متعددة، وترفض الاختلاف والعقل، يمكن أن تتحول إلى العمود الفقري الذي يحمل أعتى الديكتاتوريات، والمليشيات المسلحة، والجماعات المستهترة.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي