مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د.سعد سرحت/كاتب عراقي
في العربية يعني السَّبْرُ: الفحص والقياس واستخراج كُنْه الشيء وروزه ومعرفة قدره، قولهم: "سَبَرَ الشيء سَبْرَا: حَزَرَه وخَبَرَه. وسَبَرَ الجرح: إذا نظر مقداره وقاسه ليعرف غَوْره"
هكذا تدور المادة حول الفحص والإيغال في الشيء لاستخباره ومعرفة ما يحتويه، ومن ذلك أيضًا (سَبْر البئر)أي: التعرّف على عمقها ومقدارها وأهليتها، فمن العبارات الشائعة عندنا (سبر الأغوار).من هنا وصفوا_قديمًا_الحاذق الفطن والدّليل الماهر ب(سُبْروْت)،وهو وصف من السَّبْر على زنة فُعْلوت على أحد الآراء،وهذا يكاد يرادف يلائم اليوم (السَّبرانيّ) الحاذق في السبرانية. وبما أنّ(سُبْروْت) يتشاكل بجرسه مع (سَرْبوت)(١)_بفتح السين وضمّها، فيمكن أن يقابل كلمة (القرصان) حين تطلق على خبراء القرصنة الألكترونية والخبراء فيها.
و Cyber كلمة يونانية تعني الموجِّه أو الحاكم أو القبطان أو الرُّبَّان، لذا وجدنا من يترجم Cybernetics ب(علم التربين)عند مراجعتنا المواقع الألكترونية التي تصدّت لتأصيل اللفظة في اللغات الأجنية وإيجاد مقابل لها في العربيّة.
ولكن الشراكة بين اللفظة العربية واللفظة الأجنبية قريبة على الصعيدين اللفظي والدلالي، إذ تحيلان على الاختراق والتعمق والكشف، سواء بالمصادفة أم بوجود صلة تاريخية قرابية بين اللفظتين، ذلك أنّ وجود مناسبة بين لفظ أعجميّ وآخر عربيّ في الأصوات لا يدفعنا بثقة كبيرة إلى القول بأنّ أحدهما مأخوذ من الآخر ,وكان القدماء قد أقرّوا بهذا وهم يؤصّلون لألفاظ دخيلة توافق بجرسها ألفاظًا عربيّة.
على هذا يمكننا، بدءًا، أن نستغني عن الياء ونفتح السين، فنقول: (السَّبْرَانيّ)لا(السِّيبرانيّ)تخلّصًا من التقاء ساكنين لكي تناسب الأصل العربي. والأمر هنا لا يختلف عمّا يواجهه اللسان العربيّ عند النطق بكلمات (الكِيْمْيَاء والسِّيْمْيَاء والفيْزْياء) لكننا هنا نتخلص من التقاء الساكنين بكسر الميم والزاي، فنقول :(الكِيْمِيَاء و الفِيْزِيَاء والسِّيْمِيَاء) مع أنّ كسرة الميم والزاي كسرة خجولة ذائبة بين ياءين(يْمِيَ_يْزِيَ) وعند النطق من الصعب وضوحها أو إظهارها، إذ لا تتضح إلا بالتركيز على سمعها. فضلًا على أنّ الإلحاح على إظهار كسرة الميم والزاي ينتهي الى تقطيع الكلمة (كِيْ_ مِ_يَاء) وفي المقابل أنّ الإلحاح على التخلص من كسرة الميم والزاي ينتهي الى حذف الياء الأولى(كِمْيَاء) ...
وكما تقدم لا تضع هذه الألفاظ اللسان العربي في حرج ككلمة (السيبْرانيّ) لأنّ الياء الأولى في (الكيْمْياء والسِّيْمِيَاء والفيْزْيَاء ) وجودها كعدمها، فهي لا تظهر بوضوح إلا عند محاولة إظهار الكسرة.
أمّا مع السِّيْبْرانيّ فيبدو التقاء الساكنين بصورة فجّة، نظرًا لشدّة الراء النابعة من سمتها التكراريّة، كذا لو كسرنا الباء(السَّيبِراني) لبَدَتْ ناشزة، لأننا سننطقها عندئذٍ مقطّعة (سي_ بِ_را_نيّ).
الأسلم ،إذن، أن تُنطق بفتح السين مع تسكين الباء على هذا النحو) السَّبْرانيّ).
أمّا عن زيادة الألف والنون فوارد في العربية على ما أشرنا إلى ذلك عند حديثنا عن تأصيل كلمة (ربّانِيّ) في قوله تعالى:{وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:٧٩] فالرَّبّانِيّ، بفتح الراء، قيل:هي منسوبة إلى(رَبّان)التي توزن على (فعلان) ومعنى الرّبّان الذي يربّ الناس و يصلح أمورهم.
وقيل: بل هي من شواذ النسب أيضًا، فالألف و النون زائدتان، مثل زيادتهما في(لحيانيّ)لمن خُصّ بكثرة اللحية، و(شعرانيّ) لمن خُصّ بكثرة الشعر،و(جسمانيّ) لمن خُصَّ بضخامة الجسم، فقد زادوهما في اللفظ للمبالغة والكثرة ،لذا قالوا (رباني) مبالغةً لمن يعبد الرَّبّ .
وقيل: بل زادوا عليها الألف و النون للدلالة على الاحتراف، لأنهم يريدون تخصيصًا بمن ينقطع إلى (علم الرّب) دون غيره. ومعناها(صاحب علم الربّ دون غيره).
وهكذا، فالسَّبرانيّ يوائم الرَّباني زنةً ومعنى ففي اللفظين دلالة على الاحتراف والكثرة والمبالغة.
______
(١) سربوت_مسربت:في اللهجة العراقية تقابل (الصايع)عند لهجة المصريين، والأصل فيها (س ر ب) فتأملْ !.وممّا يدعو إلى التأمّل أيضًا أنّ هذه الكلمات النابية اكتسبت دلالات حسنة مع الوقت، فكلمتا (صايع وصياعة) في اللهجة المصرية أخذتا تدلانِ على الفطنة والحذق والمهارة، وهذا عين ما طرأ على كلمتي (سَربوت_ مسربت) في اللهجة العراقية.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي