loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الصمت، بين الفلسفة والهروب.

breakLine
2025-10-17

 


أحمد إبراهيم /كاتب سوري


تعريفات كثيرة متداخلة تصف الصمت كحالةٍ إنسانية، وكلّها قد تكون صحيحة في مواضعها.
لكنّي أراه حالةً فلسفية تستحق التجربة بين الحين والآخر، خاصةً في تلك اللحظات التي تعجز فيها الكلمات عن التعبير، أو يعجز اللسان عن تقدير الموقف.
لم يغب الصمت عن نصوص الأدباء والحكماء والعظماء، لا قديماً ولا حديثاً ؛ بل كان حاضراً بوصفه فعلًا من أفعال الوعي أكثر من كونه حالةً من العجز كما يتخيله البعض.
رأت الأديبة السورية غادة السمان أن الصمت لغة يمكن التواصل بها، لكنه يخصّ العشاق، لأن اللغة قد تعجز أحياناً، عن وصف الشعور، أو تكون قاصرة عن فهم المعنى الحقيقي المراد إيصاله للقارئ أو المستمع. 
قالت: «اللغة أداة سوء تفاهم، وحده الصمت لغة العشّاق.»
ولم يبتعد نجيب محفوظ كثيراً عن هذا المعنى، بل عمّقه حين قال: «قد يصنع الصمت ما لا يصنعه الكلام، وقد يعالج البعدُ أمورًا لم يستطع القرب علاجها.»
أجل، قد يصنع الصمت ما تعجز عنه الكلمات، لأنه في جوهره ليس فراغًا، بل امتلاءٌ بما لا يُقال.

إنّ الصمت، في حقيقته، ليس امتناعاً عن الكلام بقدر ما هو حضور للوعي في أصفى حالاته دون مواربة. 
ففي الصمت يلتقي الإنسان بذاته دون وسائط، ويتجرد من اللغة، التي كثيرًا ما تضلّ طريقها بين الفكرة والمعنى . 
إنه المساحة التي يتكشّف فيها ما لا تقدر الحروف على حمله، حيث تتحرر المعاني من سجن العبارة، لأن اللغة أيضا قد تكون في موقع السجّان للمعنى، ويصبح الفكر أكثر صدقاً مع ذاته.

الصمت ليس هروبًا من الواقع، بل مواجهة عميقة معه، لأنه يجبرنا على الإصغاء إلى ما نخشى سماعه داخلنا.
في صمتنا، نسمع الأصداء التي تتردّد من الماضي إلى الحاضر؛ صمتُ اللحظات الصغيرة، صمتُ الفقد، صمتُ البوح الذي لا يستطيع أحد فهمه سوى من اختبره، صمت الشعور، صمت التنهيدة، وصمت الشهقات المختلجة باليأس. 
قد يكون الصمت جسراً بين القرب والبعد، بين الكلمات والتجربة، بين القلب والعقل، حيث تتكشّف أعمق المعاني وتُصبح الحقيقة واضحة في لحظة يقظة غير متوقعة.
الصمت يعيد ترتيب العالم الداخلي للإنسان، يجعله يرى نفسه في مرآة لا كذب فيها، ويمنحه فرصة لإعادة النظر في قيمه ومواقفه.
ليس صمتاً سلبيًا، بل نشاط داخلي، حركة دقيقة تتطلب شجاعة للتأمل والإصغاء إلى ما لا يُقال.
وهكذا، يغدو الصمت لغة الوجود حين تعجز اللغات، ومرآة الوعي التي تتيح للإنسان أن يرى نفسه خارج صخب العالم.
فليس الصمت سكونًا كما عُرف عنه ، بل حركة داخلية نحو الحقيقة، رحلة بلا كلمات، لكن بمستوى من الفهم والوعي يفوق أي تعبير لفظي.
إنه التجربة التي تصنع من الإنسان فهماً أعمق لنفسه وللعالم، وتتيح له أن يختبر الوجود بكل أبعاده، دون الحاجة إلى الشرح أو التبرير، إنه الإختصار الأكثر سلامة في مواجهة أصعب التحديات والتقلبات.
 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي