loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

العربة قبل الأخيرة.. حين تتحول السيرة إلى أدب الذاكرة

breakLine
2026-08-01

علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي

 

ليست كل سيرة ذاتية قادرة على أن تتحول إلى عمل أدبي، فالكثير منها يكتفي بسرد الوقائع وتسجيل المحطات الشخصية، بينما ينجح القليل منها في تجاوز حدود التوثيق ليصبح نصاً مفتوحاً على أسئلة الذاكرة والزمن والهوية. ومن هذا النوع تأتي سيرة طالب عبد العزيز الموسومة (العربة قبل الأخيرة: الأيام والليالي)، وهي تجربة تكتب الحياة بوعي الشاعر وحساسية السارد، فتغدو السيرة أكثر من مجرد استعادة للماضي، وتتحول إلى محاولة لإعادة تشكيله بلغة قادرة على منح التفاصيل العابرة حياة جديدة.
منذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أنه لا يدخل إلى عالم منظم وفق تسلسل زمني صارم، وإنما إلى ذاكرة تتحرك بحرية كاملة، فتستدعي الأشخاص والأماكن والأحداث كما تحفظها الروح لا كما تسجلها الوثائق. فالذاكرة هنا لا تعمل بوصفها أرشيفاً للأحداث، بل بوصفها كائناً حياً يعيد ترتيب الماضي وفق أثره النفسي والوجداني. ولهذا تأتي الحكايات متجاورة، تتقدم أحياناً وتتراجع أحياناً أخرى، لكنها تبقى مرتبطة بخيط داخلي يجعل النص أكثر قرباً من الحقيقة الإنسانية، لأن الإنسان لا يتذكر حياته وفق ترتيب السنوات، بل وفق قوة التجارب التي تركت أثرها فيه.
ولعل أكثر ما يميز هذا الكتاب هو أن المكان لا يؤدي دور المسرح الذي تجري فوقه الأحداث، بل يتحول إلى بطل كامل الحضور. فالبصرة ليست مجرد مدينة ولد فيها الكاتب، وإنما كائن حي يرافقه في كل صفحة، يتنفس معه، ويحزن معه، ويكبر معه. أما غابات النخيل في أبي الخصيب فتغدو أكثر من مشهد طبيعي، إنها الذاكرة الأولى التي تشكلت فيها علاقة الإنسان بالأرض والماء والنهر والظلال، ولهذا تبدو هذه الأمكنة وكأنها تمتلك صوتها الخاص داخل النص، فتروي هي الأخرى سيرة ما أصابها من تغيرات وانكسارات بفعل الزمن والحروب والتحولات الاجتماعية التي مرت على العراق.
ومن خلال هذا الحضور الطاغي للمكان ينجح طالب عبد العزيز في تجاوز حدود السيرة الفردية، ليقدم للقارئ صورة واسعة عن المجتمع العراقي في مراحل مختلفة من تاريخه الحديث. فالأحداث الشخصية لا تروى بوصفها تجارب معزولة، وإنما بوصفها جزءاً من المشهد العام، حيث تتقاطع الطفولة مع التحولات السياسية، وتتجاور الذكريات الحميمة مع الوقائع الكبرى التي تركت أثرها في المدينة والناس، وبهذا تتحول السيرة إلى وثيقة ثقافية واجتماعية غير مباشرة، لا تعتمد على لغة المؤرخ، وإنما على حساسية الأديب الذي يلتقط أثر التاريخ في تفاصيل الحياة اليومية.
ومن أبرز عناصر قوة الكتاب لغته الأدبية. فطالب عبد العزيز، بوصفه شاعراً قبل أن يكون كاتب سيرة، يمتلك قدرة واضحة على صناعة الصورة واستثمار الإيقاع الداخلي للجملة، ولذلك تبدو لغته مشبعة بالشاعرية دون أن تنفصل عن الواقع. إنه يلتقط التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة في حياة الآخرين، ثم يمنحها من خلال الكتابة معنى إنساني أوسع، فيصبح مشهد بسيط أو لقاء عابر أو صوت بعيد مناسبة للتأمل في الزمن والغياب والخسارة. وهذه القدرة على تحويل اليومي إلى أدب هي إحدى أهم السمات التي تمنح الكتاب خصوصيته.
ولا يسعى الكاتب، في أي موضع من مواضع الكتاب، إلى تقديم نفسه بوصفه بطلاً استثنائياً أو شاهداً يمتلك الحقيقة المطلقة، بل يكتب بقدر كبير من الصدق والهدوء، معترفاً بانكساراته وهشاشته الإنسانية كما يعترف بلحظات الفرح والأمل. وهذه المصارحة تمنح النص صدقيته، لأنها تجعل القارئ يشعر بأنه أمام إنسان يراجع حياته بوعي ناضج، لا أمام كاتب يسعى إلى تبرير الماضي أو إعادة تجميله.
وربما يلاحظ بعض القراء أن النزعة الشعرية تطغى في عدد من المقاطع على الحركة السردية، فتطول التأملات وتتراجع الأحداث إلى الخلف. غير أن هذه السمة لا تبدو، في تقديري، نقطة ضعف بقدر ما تمثل الخيار الجمالي الذي اختاره الكاتب منذ البداية. فالنص لا يريد أن يكون رواية أحداث، وإنما يريد أن يكون رواية إحساس، ولذلك تصبح اللغة نفسها جزءاً من التجربة، ويغدو التأمل وسيلة لفهم الماضي لا مجرد استراحة بين الوقائع.
كما ينجح الكتاب في إثارة سؤال بالغ الأهمية يتعلق بعلاقة الإنسان بذاكرته، فالكاتب لا يستعيد الماضي بدافع الحنين وحده، بل يحاول أن يفهم كيف تصنع التجارب شخصية الإنسان، وكيف يبقى المكان مقيماً في الذاكرة حتى بعد أن تتغير ملامحه، وكيف تستطيع الكتابة أن تنقذ ما يعجز الزمن عن الاحتفاظ به. ومن هنا فإن السيرة لا تبدو مجرد حديث عن الماضي، بل تبدو محاولة لمقاومة النسيان، وكأن الكاتب يصر على أن الأشخاص والأماكن والأيام التي صنعت حياته تستحق أن تبقى حية في اللغة حتى بعد أن تغيب في الواقع.
لقد أثبت (العربة قبل الأخيرة: الأيام والليالي) أن السيرة الذاتية ليست فناً هامشياً، بل يمكن أن تكون عملاً أدبياً متكاملاً عندما يمتلك صاحبها القدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة. فطالب عبد العزيز لا يكتب عن نفسه وحدها، بل يكتب عن مدينة كاملة، وعن جيل كامل، وعن وطن عبر سلسلة طويلة من التحولات والأحلام والانكسارات. ولهذا يخرج القارئ من الكتاب وهو يشعر بأنه لم يرافق الكاتب في رحلته الشخصية فحسب، وإنما سار معه في طرقات البصرة، وتجول بين نخيل أبي الخصيب، وأصغى إلى أصوات الأزمنة التي مضت، ليكتشف في النهاية أن السيرة الحقيقية ليست ما نتذكره من حياتنا فقط، بل ما تستطيع الكتابة أن تمنحه من حياة جديدة بعد أن يمر الزمن.

 

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي