مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي
ليست (القربان) لغائب طعمة فرمان رواية عن بغداد بقدر ما هي رواية عن الإنسان الذي وجد نفسه عالقاً في بغداد، في زمن كانت فيه المدينة تتغير أسرع من قدرة أهلها على التكيف معها. وهذه واحدة من أكثر خصائص عالم فرمان إثارة، فهو لا ينظر إلى المدينة من شرفات عالية، ولا يبحث عن تاريخها في القصور والاحتفالات والأحداث الكبرى، وإنما ينزل إلى أزقتها وبيوتها المتعبة، إلى المقاهي والوجوه التي أنهكها الفقر، وإلى أولئك الذين يعيشون حياتهم في الهامش بينما تجري التحولات الكبرى من حولهم. ومن هنا يبدو عنوان الرواية (القربان) شديد الدلالة، لأنه لا يشير إلى ضحية واحدة بقدر ما يفتح الباب أمام معنى أوسع: الإنسان الذي يضطر، تحت ضغط الحياة، إلى أن يقدم شيئاً من نفسه ثمناً للبقاء، كرامته أحياناً، وأحلامه أحياناً أخرى، وربما حبه أو حريته أو حتى قدرته على الحلم. فرمان لا يصنع مأساة شخصياته من حادثة استثنائية، بل من التفاصيل الصغيرة التي تتراكم فوق بعضها حتى يصبح العيش نفسه نوعاً من المقاومة. وهذا ما يجعل روايته مؤلمة على نحو هادئ، فلا توجد ضرورة لأن يرفع الكاتب صوته كي نشعر بالقسوة، لأن القسوة موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، في الحاجة، وفي العلاقات الإنسانية التي تتعرض للاهتزاز حين يدخل الفقر والخوف والانتظار طرفاً فيها. ولعل براعة فرمان الحقيقية تكمن في أنه لا يقدم شخصياته كضحايا مكتملين ولا كأشرار مكتملين، بل يمنحها ذلك التعقيد الذي يجعلها أقرب إلى البشر الذين نعرفهم في حياتنا؛ شخصيات تخطئ لأنها ضعيفة، وتقسو لأنها خائفة، وتتراجع لأنها لا تملك القوة الكافية للمواجهة، وتحلم رغم أنها تعرف في أعماقها أن أحلامها قد لا تجد طريقها إلى الواقع. ولهذا لا يستطيع القارئ أن يقف خارج الرواية ويحاكم شخصياتها بسهولة، لأنه سرعان ما يجد نفسه متورطاً في ظروفها، متفهماً لبعض أخطائها، ومتألماً من الخيارات التي اضطرت إلى اتخاذها.
إن فرمان يعرف أن الإنسان لا يعيش منفصلاً عن المكان، ورلذلك تتحول بغداد في (القربان) إلى قوة مؤثرة في مصائر الشخصيات، المدينة ليست خلفية للأحداث، وإنما فضاء يضغط على الإنسان ويعيد تشكيله، بكل ما فيها من أحياء شعبية ومقاهي وبيوت متلاصقة وشوارع تحمل آثار الفقر والتحولات الاجتماعية، فبغداد التي يرسمها فرمان ليست بطاقة تذكارية جميلة، وإنما بغداد الناس الذين ينهضون كل صباح ليواجهوا يوماً جديداً من القلق، وهي بهذا المعنى تصبح مرآة للشخصيات نفسها، مدينة تبحث عن شكل جديد لها، وأناس يبحثون عن مكان لهم داخلها. ومن هنا تتداخل الحكاية الفردية مع الحكاية الاجتماعية، فلا يعود فشل شخصية ما مجرد فشل شخصي، ولا تصبح خسارتها نتيجة خطأ منفرد، و إنما جزءاً من واقع أكبر يفرض شروطه على الجميع. وربما لهذا السبب تبدو (القربان) اليوم أكثر قرباً مما نتوقع، فالأزمنة تتغير، و الأسماء والأمكنة تتبدل، لكن فكرة الإنسان الذي يضطر إلى التنازل عن جزء من ذاته كي يحافظ على ما تبقى له من حياة لا تزال حاضرة. هناك دائماً من يضحي بحلمه من أجل أسرته، ومن يؤجل حبه بسبب المال، ومن يبتلع غضبه خوفاً من خسارة عمله، و من يتخلى عن جزء من كرامته لأنه لا يرى أمامه طريقاً آخر. وهذه هي المنطقة التي تجعل الرواية تتجاوز زمنها، لأن فرمان لا يكتب عن مشكلة عابرة، و إنما عن مأزق إنساني يتكرر بأشكال مختلفة. حتى اللغة عنده تؤدي هذا الدور، فهي لغة تبدو بسيطة وقريبة من الكلام اليومي، لكنها تحمل خلف بساطتها طبقات من الحزن والملاحظة الاجتماعية. لا يستعرض فرمان قدرته اللغوية، ولا يحاول أن يجمّل البؤس، بل يترك الأشياء تتحدث بلغتها الطبيعية، ولهذا يشعر القارئ أحياناً أن الشخصيات لا تقرأ على الورق وإنما تجلس أمامه وتتحدث، و أن الأماكن ليست أوصافاً روائية بقدر ما هي أماكن مررنا بها أو يمكن أن نمر بها ذات يوم. وهذه الواقعية ليست واقعية تصويرية فقط، وإنما واقعية نفسية أيضاً، فالكاتب يهتم بما تتركه الظروف في داخل الإنسان أكثر من اهتمامه بمجرد تسجيل الظروف نفسها.
إن السؤال الأهم في (القربان) ليس من هو الضحية؟ و إنما لماذا يصبح الإنسان ضحية أصلاً؟ ومن الذي يدفعه إلى تقديم نفسه قرباناً؟ هل هي السلطة؟ المجتمع؟ الفقر؟ الخوف؟ أم تلك الظروف المتشابكة التي تجعل الاختيار نفسه وهماً؟ هنا تتحول الرواية من حكاية اجتماعية إلى سؤال أخلاقي و إنساني عميق، لأن القربان في النهاية ليس شخصاً واحداً، بل حالة يمكن أن تصيب أي إنسان حين يصبح الفرق بين ما يريد وما يستطيع فعله شاسعاً إلى درجة مؤلمة. وربما تكمن مأساة الشخصيات في أنها لا تقدم نفسها قرباناً دفعة واحدة، إنها تفعل ذلك بالتقسيط، تنازل صغير هنا، وصمت هناك، وحلم مؤجل في مكان آخر، حتى تستيقظ ذات يوم و تكتشف أنها أصبحت بعيدة جداً عن الإنسان الذي كانت تتمنى أن تكونه. وهذا من أكثر ما يميز عالم فرمان الروائي، فهو لا يحتاج إلى نهايات صاخبة كي يصنع المأساة، لأن المأساة الحقيقية عنده تكمن في ذلك التآكل البطيء الذي لا يراه أحد، وفي هذا تحديداً تبرز قيمة (القربان) داخل تجربة غائب طعمة فرمان، فهي رواية تنتمي إلى بغداد، لكنها لا تبقى أسيرة بغداد، رواية عن العراق، لكنها تتجاوز الجغرافيا نحو سؤال الإنسان في مواجهة واقعه. وعندما نغلق صفحاتها لا يبقى في الذاكرة حدث بعينه بقدر ما يبقى إحساس ثقيل بأن بعض الناس يمضون حياتهم و هم يدفعون أثماناً لم يختاروا أن يدفعوها، وأن الحياة قد تطلب من الإنسان أحياناً أكثر مما يستطيع أن يمنح. لذلك فإن (القربان) ليست رواية عن الضحية فقط، وإنما عن اللحظة التي يتحول فيها التنازل من اختيار إلى قدر، وعن الإنسان حين يكتشف متأخراً أن ما قدمه للحياة لم يكن مجرد أشياء يمكن تعويضها، بل أجزاء من روحه. وربما لهذا تبقى رواية فرمان مؤلمة حتى بعد مرور عقود على كتابتها، لأنها لا تسألنا فقط عما حدث لشخصياتها، بل تجعلنا، من دون أن نشعر، نسأل أنفسنا: كم جزءاً من أرواحنا قدمناه نحن أيضاً قرباناً للحياة؟.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي