مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
قد يبدو من سوء الطالع أنَّ الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق تشترك، رغم اختلاف شعاراتها وأسمائها، في قاسم بائس واحد: أنَّها تعاملت مع المواطن بوصفه تفصيلاً فائضاً عن الحاجة، وأنَّ كرامته كانت دائماً آخر ما تفكِّر فيه السُّلطة.
ثلاثة عقود وأكثر من حكم «الرفاق» لم تنتج للمواطن دولةً يُفاخر بها، ولا اقتصادًا يقيه العوز، ولا تعليمًا يصنع مستقبلًا، ولا نظامًا صحّيًا يليق بإنسان، ولا بُنية تحتية تشبه ما لدى الأُمم التي سبقتنا بعقود، بل أنتجت دولةً قوية في قمعها، ضعيفةً في كلِّ ما عدا ذلك.
فالمستوى المعيشي متدني، والبنية التحتية متهالكة، والتعليم بائس، والقطاع الصحي متردٍّ، والزراعة عاجزة عن ضمان الأمن الغذائي، والصناعة لا تستطيع في كثير من الأحيان أن توفّر أبسط احتياجات البلد. وهكذا كان الاقتصاد معلَّقاً على ما يأتي من الخارج، فيما المواطن معلَّق بين الخوف والحاجة.
لم يكن الأمر مجرَّد فشل إداري أو سوء تخطيط؛ كان النظام يريد أن يرسّخ في وعي المواطن حقيقة واحدة: أنَّ كلَّ شيء خاضع لسيطرته.
فمنذ أن أطاح البعثيون والقوميون وحزب الاخوان بالنظام الجمهوري، بدأت صفحة طويلة من الاضطراب السياسي ليستقر الحكم في نهاية المطاف تحت سلطةِ حزبٍ حوّل الدولة إلى جهازٍ أمني ضخم، والمجتمع إلى فضاء للخوف، والسياسة إلى امتحان دائم في الولاء.
ومنذ ستينات القرن الماضي وحتى عام 2003، عاش العراقيون عقوداً من القمعِ والاستبداد والتمييز، امتلأت خلالها السجون، وارتكبت جرائم واسعة بحقِّ فئات مختلفة من المجتمع، وظهرت المقابر الجماعية شاهداً مروِّعاً على أنَّ الدولة يمكن أن تتحوَّلَ، حين تفقد أخلاقها، إلى أداةٍ لمعاقبةِ مواطنيها بدلاً من حمايتهم.
ولم يكتفِ النظام بذلك، فقد دفع البلد إلى حروب متتالية استنزفت الإنسان والاقتصاد، وحوَّلت العراق من بلدٍ يمتلك إمكانات هائلة إلى بلدٍ يئنُّ تحت وطأةِ العزلة والعقوبات والخراب. وحين يصل مجتمعٌ إلى مرحلةٍ يصبح فيها توفير لقمةِ العيشِ معركة يومية، فذلك ليس مجرَّد فشل اقتصادي، بل إفلاس سياسي وأخلاقي كامل.
ثمَّ جاء عام 2003.
سقط النظام.
وتنفَّس النّاس الصعداء.
أو هكذا كان يُفترض.
المفارقة أنَّ سقوط الاستبداد لم يؤدِّ، كما كان مأمولاً، إلى ولادةِ دولةٍ حديثة تستعيد للمواطن كرامته، وإنَّما فتح الباب أمام نظام سياسي هجين، قائم على المحاصصة، تتجاور فيه جماعات متعددة لا يجمع بينها مشروع وطني بقدر ما يجمع بينها التنافس على السُّلطة والموارد والنفوذ.
فبدلًا من أن تكونَ الدولة غنيمةً لشخص واحد، أصبحت الغنيمة موزعةً بين القوى السياسية.
وهنا تبدأ الحكايةُ الأكثر إيلاماً.
في الماضي كان المواطن يخشى أن تفتح له السُّلطة بابَ السجن.
أما اليوم، فعليه أن يخشى أن تفتح السُّلطة باب الموازنة.
في الماضي كانت الدولة تملك جهازاً أمنياً هائلاً يستطيع أن يبتلع الإنسان.
واليوم تبدو الدولة عاجزة حتى عن التخلُّص من الكلاب السائبة في الشوارع.
في الماضي كان هناك حزب واحد يريد أن يملك الدولة والمجتمع.
واليوم هناك أحزاب كثيرة تريد أن تملك الدولة، وكلَّ ما يقع داخلها أو تحتها أو فوقها!
والنتيجة أنَّ الدولة نفسها هي التي اختفت من المعادلة.
لا يمكنُ أن تنظرَ إلى واقعِ بلدٍ يمتلك كلَّ هذه الثروات ثمَّ تُقنع نفسك بأنَّ الخراب مصير لا فكاك منه. بلدٌ يعاني من نقصٍ في الكهرباء، وشحّة في المياه، وتردٍّ في الخدمات، وارتفاع في البطالة، وانتشار الفساد، وتراجع في مستوى التعليم والصحة، ثمَّ يقال لك إنَّ المشكلة في المواطن الذي يريد حياة طبيعية!
أي لعنةٍ هذه؟ أن تعيش في بلد غني وتكون فقيراً...
أن تكون خزينة الدولة مليئة بالدنانير، بينما جيوب الناس مليئة بفواتير لا يقدرون على تسديدها...
ثم يأتي السؤال الاستفزازي:
اللصوص أم الرفاق؟
هل نعود إلى حكم «الرفاق» خشية حكم «اللصوص»؟
أم نرضى بحكم اللصوص خوفاً من عودة الرفاق؟
وهنا تحديداً تكمن المشكلة...
فمن قال إنَّ علينا أن نختار؟
مَن قال إنَّ القدر منحنا خيارين فقط: السوط أو السرقة؟.
مَن قال إن البديل عن المستبد هو الفاسد، والبديل عن الفاسد هو المستبد؟.
هذه ليست سياسة. هذه عسرة في الخيال السياسي، وابتزاز للعقل في الوقت عينه.
إنَّ أكثر ما يثير الاستغراب أن يأتي هذا المنطق من أُناس متعلّمينَ، يفترض أنَّ التَّعليم قد منحهم القدرة على رؤية الأشياء خارج ثنائية «هذا السيئ أفضل من ذاك السيئ».
إنَّ الذين يفضّلونَ حكم «اللصوص» على حكم «الرفاق» يضعوننا، من حيث لا يعلمونَ، أمام معضلة أخلاقية زائفة.
فهم يقولونَ لنا، عملياً: نعم، هؤلاء يسرقونَ الدولة، ويهدرونَ ثرواتها، ويعطّلونَ بناءها، ويحوّلونَ مؤسساتها إلى حصصٍ ومغانم، لكن دعونا نتحمَّلهم حتى لا يعود أولئك!. وهذه ليست حجّة.
إنَّه استسلام. لأنَّك حين تقبل بالسرقة خوفاً من الديكتاتورية، فأنت لا تنتصر على الديكتاتورية، بل تمنح الفساد شهادة براءة مؤقتة، وحين تقبل بالاستبداد خوفاً من الفوضى، فأنت لا تنتصر على الفوضى، بل تمنح الاستبداد مبرراً جديداً.
الظُّلم لا يصبح عدلاً لأنَّه أقل سوءاً من ظلمٍ آخر، والسرقة لا تصبح فضيلة لأنَّ مَن سبق السارق كان قاتلاً.
والقاتل لا يصبح مقبولاً لأنَّ اللّص الذي جاء بعده أفسد الدولة.
هذه ليست مباراة في اختيار الأقل سوءاً. نحن نتحدَّث عن وطن، عن ملايين البشر.
عن أجيال ضاعت أحلامها.
عن بلدٍ كان يمكن أن يكونَ واحداً من أغنى بلدان المنطقة، فإذا به يناقش مواطنوه منذ سنوات طويلة قضايا كان يفترض أن تكونَ من بديهيات الحياة: ماء صالح للشرب، كهرباء مستقرة، مدرسة محترمة، مستشفى يعمل، شارع لا يتحوَّل إلى مستنقع بعد أول مطرة.
أما الذين يضعوننا بين «جحيمين»، فأقول لهم: المشكلة ليست في أنَّكم تخشونَ عودة «الرفاق»، فهذا الخوف مفهوم ومشروع.
المشكلة أنَّكم جعلتم الخوف منهم مبرراً لقبول كلِّ شيء من الذين جاؤوا بعدهم.
وهنا تتحوَّل الذاكرة من درسٍ إلى ابتزاز، إذ كلّما اعترضنا على الفساد قيل لنا: أتريدونَ عودة الماضي؟.
كلّما طالبنا بدولة قانون قيل لنا: ألا تتذكَّرون الديكتاتورية؟
كلَّما انتقدنا الطبقة السياسية قيل لنا: البديل هو »الرفاق«!
وهكذا أصبح الماضي فزاعة تُستخدم لحماية الحاضر.
وهنا تكمن واحدة من أخبث ألاعيب السياسة: أن تجعلَ المواطن يختار بين جريمةٍ قديمة وجريمةٍ جديدة، ثمَّ تطلب منه أن يكونَ ممتناً لأنَّه لم يعد يعيش الجريمة القديمة. كأنَّ المطلوب منه أن يقول:
شكراً لأنَّكم لا تفعلونَ بي ما كان يفعله أولئك، حتى لو كنتم تسرقون حاضري ومستقبلي. لكن هذا ليس مربط الفرس. فنحن لسنا مضطرين إلى اختيار اللصوص لأنَّنا نكره الرفاق، ولسنا متشوقين إلى عودة الرفاق لأنَّنا سئمنا من اللّصوص.
هناك خيار ثالث، وهو الخيار الذي يبدو أنَّ الجميع يخشى الحديث عنه: «الدولة».
دولة لا يحكمها حزب واحد، ولا مجموعة أحزاب، ولا طائفة، ولا قومية، ولا عائلة، ولا زعيم.
دولة يكون فيها الحاكم موظفًا عامّاً لا مالكًا عامًّا.
دولة لا تُقاس فيها الوطنية بعدد صور الزعيم، ولا بعدد الشعارات، ولا بعدد المقاعد البرلمانية، بل بقدرتها على حماية المواطن وصون كرامته وتوفير الحد الأدنى من شروط الحياة.
المشكلة، برأيي، ليست أنَّ علينا أن نقرِّر: بقاء اللصوص أم عودة الرفاق!
المشكلة أنَّنا قبلنا، أصلاً، بأن تُختزلَ خيارات وطن بأكمله في هذا السؤال، وهذا، في حد ذاته، دليل على حجم المأساة. فحين يصبح أقصى طموح المواطن أن يختار بين مَن يسرقه ومَن يسحقه، فهذا يعني أنَّ السياسة فشلت، والنُّخب فشلت، والدولة فشلت، وأنَّنا بحاجة إلى كسر هذه الثنائية من أساسها.
أما أن نقول: «فلنرضَ بحكم اللصوص خشية أن يعود حكم الرفاق»، فهذه ليست حكمة سياسية كما قد يتوهَّم البعض. إنَّها ببساطة نسخة أخرى من اليأس، واليأس مهما بدا عقلانيًا لا يبني وطنًا. فالعراق لا يحتاج إلى لصوص أقلّ شراسة، ولا إلى رفاق أكثر تهذيباً.
العراق يحتاج إلى دولة. ولا ينبغي أن يُطلبَ من المواطن العراقي أن يختارَ بين أن تُهانَ كرامته بالسجن، أو تُهانَ كرامته بالفساد. لقد جرَّب الاثنين، وحان الوقت ليُجرِّب شيئًا آخر.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي